رأي

نبل الدميم .. في فيلم القرد العملاق

 

 

وائل الكردي

 

في العام 1978 .. عندما شاهدنا صغاراً فيلم الغوريلا العملاق king kong .. كنا في غاية الاستمتاع بأنه فيلم إثارة وتشويق نسبة لشدة الصراع فيه بين الإنسان وكائن حيواني عملاق .. ولكني أذكر عندما أغلق الفيلم وأضيئت الأنوار في سينما كلية كمبوني بالخرطوم ، لم يكن عالق في ذهني ذاك المساء إلا تلك اللقطة الأخيرة التي يودع فيها الغوريلا العملاق فتاته الأنسية وهو في لحظاته الأخيرة نحو الموت بعدما تمت تصفية دماءه برصاص الطائرات المقاتلة .. كان يحدق في صمت الأنعام مودعا ، ولكن الألم العظيم كان بادياً في عينيه .. ليس ألم الجروح المسخنة التي تنضح بالدم على كل جسده، وإنما ألم فراق من أحب، وشعوره في نفس الوقت بسكينة الرحمة لتلك الانسية التي ستعود إلى عالمها البشري بعد رحيله.

 

كان مشهداً مهيباً مذكراً بخواتيم رواية فيكتور هجو (أحدب نوتردام) حيث كان الأحدب القبيح الوجه يتوارى عن فتاته عندما أنقذها من أيدي الطغاة خشية أن يمسها بخوف من شكله الدميم، ولم يهنأ إلا أن مات معها في قبرها بعد اعدامها بتهمة السحر .. شيء ما بين تلك الرواية وذاك الفيلم كان يشي بأن الغرض من التأليف والعرض لهذا الفيلم ليس هو التشويق الحركي المثير لمشاعر البطولة والقوة في نفس ذلك الصبي اليافع آنذاك .. وإنما يبدو أن الغرض الحقيقي كان هو إظهار عظمة ونقاء ورقة قلب المخلوقات الأكثر قبحاً ودمامة في الشكل والهيئة أمام صلف وجبروت وبطش بني الإنسان الأكثر جمالا وبهاءً إذا ما قست قلوبهم ، ليس لأنهم قتلوا ذلك القرد العملاق في الأخير ولكن لأنهم قبل ذلك قيدوه وسلبوه حريته وأخرجوه قسراً وعنفاً من غابته الخضراء ليعرضوه أمام الناس من وراء قضبان حديدية في مدن الاسفلت وناطحات السحاب والليالي ذات الأضواء الجاهرة .

 

ولقد سبقت الكلمة من ربي علينا نحن البشر (إن الإنسان ليطغى) .. إن مفهوم الانسانية ظل حتى عهدنا هذا يتداول بين الناس بأنه علامة على أسمى القيم وأعلى المبادئ وأعظم الشفقة وأكرم الأخلاق وأرق المشاعر ، ويأبى الله خالق الإنسان إلا أن يضع أمامنا الحقيقة الكلية الكاملة لمعنى الإنسانية ، فكما إن من الناس من ترى أعينهم تفيض من الدمع لما عرفوا من الحق ، ترى أيضا منهم من صارت قلوبهم أشد قسوة من الحجارة ، وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله .. لقد ضرب الله في كتابه الكريم برهاناً كبيراً بأن السماوات والأرض والجبال أبين أن يحملن الأمانة لهولها وأشفقن منها ، والاشفاق لا يكون إلا لقلب نقي حي ، ولكن الإنسان كان أدنى الخلق وجدانا فحملها بظلمه وجهله.. هكذا دمعت عين القرد العملاق في نزعه الأخير دون أن يرى دموعه أحد غير من عرفت حقيقة قلبه ووجدانه ، وأنه فاق كل البشر حوله إنسانية بيضاء ..

 

إن هذا الفيلم هو أقرب إلى تراجيديات الاغريق القدامى ، المأساة فيه ليست مأساة القرد المقتول وإنما هي مأساة الإنسان القاتل ، مؤكدا على أن سيرة ابني آدم قابيل وهابيل مازالت تتكرر على صور جديدة ، وستظل حتى نهاية العالم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى