رأي

حرب أوكيناوا والتضحية لأجل الأوطان

 

دكتور حسن عيسى الطالب

من التضحيات الفارقة التي سطرها التاريخ العالمي بفخر وإعزاز للعسكريين الوطنيين، وإخلاصهم وتفانيهم في الدفاع عن أوطانهم، وبذل أنفسهم رخيصة دون سقوطها وغزوها واحتلالها، تجربة القادة اليابانيين في نهايات الحرب العالمية الثانية؛ وإبان الهجوم الأمريكي – الأنقلوساكسوني على جزيرة أوكيناوا في يونيو 1945م. إذ حشدت أمريكا الجيوش من بريطانيا وكندا واستراليا ونيوزيلندا؛ فبلغ عدد قواتهم 103،000 فرداً مقابل 84،000 في الجانب الياباني.

وكانت معركة أوكيناوا رداً انتقامياً على تدمير اليابان بالطائرات الانتحارية البحرية الأمريكية في قاعدة بيرل هاربر البحرية يوم 7 ديسمبر عام 1941م.
فحشدت أمريكا 38 من حاملات الطائرات على شواطئ أوكيناوا، ودخلت معها بريطانيا الحرب بـ 251 طائرة مقاتلة وعشرات الآلاف من الجنود.
فتصدّى اليابانيون بقيادة الجنرال ميتسورو يوشيجيما، وقائد العمليات العقيد هيروميشي ياهارا، أستاذ الاستراتيجية في كلية الحرب اليابانية. ودخلت اليابان الحرب بـ 1،500 طائرة انتحارية و44 كتيبة للعمليات الخاصة، و62 فرقة قتالية، وقاتلوا ببسالة غير مسبوقة، فبلغت أعداد ضحاياهم من مدنيين وعسكريين حوالي 242،000 فلما تأكدت الهزيمة، قرر الجنرال يوشيجيما مع نائبه الإنتحار، وفق عقيدة الساموراي اليابانية، التي تُحتِّم على القادة تحقيق الانتصار أو الإنتحار. فلما طلب العقيد ياهارا أن يُسمح له بشرف الإنتحار، رفض يوشيجيما طلبه بصفة قاطعة، وقال له: “إن عليك أن تتحمل ذل العار المؤقت الذي كُتب عليك قدراً، لأنه لم يبق أحد من الجيش الياباني، ولا من يُوثق به، لينقل حقيقة حرب أوكيناوا للشعب الياباني كما رآها .. هذه تعليمات من قائدك الأعلى وعليك تنفيذها”؛ وأعطاه مبلغ 500 ين لمواصلة الرحلة لطوكيو وإبلاغ الرسالة، وسرد الرواية كما رآها، وفق التعليمات الصادرة.

فتسلل ياهارا برفقة إثنين من الجنود من الكهف الذي كانوا يختبئون فيه، وهم يرتدون ملابس مدنية، ولكن تم أسره، حتى أطلق سراحه ضمن إتفاقيات تبادل الأسرى بين اليابان والحلفاء في يناير 1946م. فألّف كتابه المعنؤّن: “الحرب الحاسمة من أجل أوكيناوا The Decisive Battle for Okinawa” فبيعت منه 100 ألف نسخة عندما صدرت طبعته الأولى.

بيد أنه عندما علمت القيادة العليا للقوات العسكرية اليابانية بما جرى في أوكيناوا قررت الإصرار على الدفاع عن الوطن، ومواصلة القتال بشراسة، واستنفار كافة اليابانيين حتى استنفر طلاب المدارس في عمر 12 عاماً؛ وتكاثفت الهجمات بالطائرات الانتحارية المسماة “كاموكازي” فاستؤنف الهجوم مجدداً على القوات المعادية. فلما تيقن الإمريكان من استحالة مواصلة الحرب في مثل تلك الظروف، ولبعد خطوط الإمداد، والإنهاك العام الذي أصاب قوات الحلفاء، جاء قرار الرئيس الأمريكي هاري ترومان غير المسبوق في تاريخ الحروب في العالم، بإلقاء القنبلتين الهيدروجينتين في مدينتي هيروشيما وناقازاكي بتاريخ 6 أغسطس، حيث تمت إبادة أكثر من مائتي ألف في بضعة دقائق، منهم 140،000 ألفاً في هيروشيما و 70،000 في ناقازاكي، وأغلبهم إن لم يكونوا كلهم من المدنيين. فعند ذلك أعلن الإمبراطور هيروهيتو الاستسلام في 15 أغسطس عام 1945م.

هذه هي الرواية الوطنية التي كتبها التاريخ حول التضحية وحب الأوطان. وهذا هو الفرق بين الوطني الذي يحمل الوطن في قلبه، ومن يعيش فيه كمواطن، يموت ويحيا للدهر والمتاع، ولا يعنيه من أمر الوطن سوى بقعة الأرض المحدودة التي يسكنها.

وهذه هي العقيدة العسكرية الوطنية المفترض توفرها واعتناقها والمرجوّة، التي يتعين أن تتربى عليها الأجيال، ويُحرّض عليها كل من يحمل الوطن في قلبه، فيكون وطنياً مخلصا، لا من يتشدق بالوطنية فيكون أول من يضحي بوطنه عند الشدائد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى