إضطرابات تنزانيا .. أزمة أحزاب الإستقلال

السفير عطا المنان بخيت
تشهد جمهورية تنزانيا الإتحادية أزمة سياسية متصاعدة، هي الأصعب فى تاريخ البلاد الحديث، ومازالت الأزمة تتفاعل بشكل يهدد الوضع السياسي المستقر والمتسامح الذى عرفت به البلاد منذ إستقلالها عن بريطانيا فى العام 1961.
بدأت نذر الأزمة منذ شهر يوليو الماضي عندما أعلن جدول الإنتخابات الرئاسية التى جرت فى نهاية أكتوبر الماضي، حيث شكلت أحزاب المعارضة جبهة صلبة كان رمزها الأساسي هو رئيس حزب تشاديما المعارض تندو ليسو.
كانت إنتخابات أكتوبر الماضي مهمة لكل الطيف السياسي التنزاني، فمن جانب الحزب الثوري الحاكم، كانت رئيسة البلاد الحالية تحتاج لتفويض شعبى للحكم، لأنها صعدت إلى كرسي الرئاسة فى العام 2021، لإكمال فترة حكم الرئيس جون ماغافولي الذي توفي فجأة متأثرا بالكرونا، وعملا بالدستور تولت سامية صلوحو، نائب الرئيس مقعد الرئاسة حتى إنتهاء دورة الرئيس المتوفي. أما من جانب أحزاب المعارضة فقد كانت ترى أن ماغافولي كان يمثل آخر العظماء فى الحزب الثوري، وأن الفرصة سانحة لهم للصعود إلى سدة الحكم على أعناق “الجيل زد” بالمولع بالتغيير. لذلك كانت الإنتخابات الرئاسية الأخيرة معركة كسر عظم لكلا الفريقين.
ترى المعارضة أن الحكومة استخدمت كل الحيل القانونية وغير القانونية لإقصاء مرشحي المعارضة الأساسيين، وإسكتت أصوات قادة الرأي والإعلاميين خشية تعبئة الرأي العام ضد مرشحة الحزب الحاكم. ومن طريف تعليق المعارضة على قائمة المرشحين الذين إعتمدتهم لجنة الإنتخابات، أن أي واحد منهم لو ترشح لوحده سيسقط.
من جانبها قالت الحكومة أنها حريصة على حرية الرأي وسلامة العملية الإنتخابية لكن واجبها أن تمنع الفوضى وتحفظ الأمن والنظام وتطبق القانون بصرامة.
وهكذا جرت إنتخابات الرئاسة فى أكتوبر الماضي في ظل إقصاء مرشح المعارضة الأساسي، مما أتاح الفرصة للرئيسة سامية صلوحو فرصة الفوز المريح وبنسبة عالية.
بالمقابل فقد إستطاعت المعارضة تحريك الشارع بشكل غير مسبوق في تاريخ الإنتخابات في تنزانيا، مما أدى لمواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن راح ضحيتها عدد كبير من الشباب الثائر. داخليا أدت المظاهرات لحالة إحتقان عميقة في المجتمع لدرجة أن الحكومة إضطرت لإلغاء كل المظاهر المعروفة للإحتفال بذكرى الإستقلال يوم أمس التاسع من ديسمبر، خوفا من تجدد المظاهرات الحاشدة. ولا شك أن المظاهرات الحاشدة وما رافقها من خسائر قد أحدثت شرخاً خطيراً فى جدار الوئام المجتمعي العريق فى تنزانيا.
أما خارجياً فقد شككت دول ومنظمات كثيرة فى نزاهة الإنتخابات الأخيرة، ولوحت بعض الدول والتجمعات المانحة بمراجعة تعاونها مع تنزانيا، مما يهدد النمو المضطرد الذى شهده الإقتصاد التنزانى فى السنوات الماضية.
ما حدث في تنزانيا، سبق وأن شهدته كل من جنوب أفريقيا وموزمبيق وناميبيا، حيث واجه مرشحو أحزاب الإستقلال منافسة حادة من أحزاب حديثة يقودها الجيل الجديد الذي رأى النور بعد الإستقلال بسنوات.
إنه صراع الأجيال بين أحزاب الإستقلال التي تجسد الرمزية الوطنية والشرعية التاريخية، ولذلك تتمسك بالبقاء في السلطة كأنها حق مقدس لها. وبين أحزاب الجيل الجديد التي تطمح إلى التغيير والثورة على القديم والسير فى ركاب التكنلوجيا، وترى أن أحزاب الإستقلال قد أنهت مهمتها الوطنية وعليها أن تفسح المجال للجيل الجديد.
الحزب الثوري الحاكم في تنزانيا هو حزب الإستقلال، حزب الرئيس المعلم جوليوس نيريري، قاد إستقلال تنجانيقا التي أصبحت تنزانيا بعد الإتحاد مع جزيرة زنجبار، وظل الحزب يحكم البلاد منذ الإستقلال وحتى اليوم. مثله تماما ومثل حزب المؤتمر الوطنى الأفريقى فى جنوب أفريقيا، وحزب فريليمو فى موزمبيق، وحزب سوابو فى ناميبيا وغيرها، هذه الأحزاب واجهت فى السنوات الاخيرة منافسة حادة من الأحزاب الشابة، مما أضطرها للتحالف أحيانا، والإقصاء أحيانا أخرى. إنه صراع الأجيال، صراع القادمين والقدامى، وهي مرحلة طبيعية للتطور السياسى للدول، تحتاج أن تدار بحكمة وصبر،، وقبول الآخر، والإيمان أن بناء الوطن ليس حكرا على جيل بعينه، وإنما هو فرض عين على الجميع.



