قراءة في ردود أفعال الإمارات على “الاستخفاف” الأمريكي

المحقق – محمد عثمان آدم
حتى قبيل هجوم متمردي الدعم السريع ودخولهم الفاشر أواخر أكتوبر، كانت الإمارات العربية المتحدة في حالة هجوم على ما تصفه سابقًا بـ”إدارة بورتسودان”. كما ظلت تنكر باستمرار تورطها في تزويد مليشيا الدعم السريع بالأسلحة.
واعتمدت في دفاعها على وجودها في الرباعية وأنها تقوم بتقديم المساعدة للمدنيين السودانيين العالقين في الحرب.
كانت جميع التصريحات الإماراتية وهجومها على الجيش والحكومة تتم بشراسة، غير آبهة بالعواقب، كونها تجد دعما من الرئاسة الأمريكية وإسرائيل بالطبع.
أما الآن، فقد بدأت هذه الحجج، المستندة إلى تصريحات إماراتية، بالتلاشي والانهيار تدريجيًا. وبلغت ذروتها عندما أصدرت سفارة الإمارات في الولايات المتحدة بيانًا مطولًا، كشف عن تحول كبير. فالإمارات لم تعد تهاجم الجيش و”الإدارة السودانية” أو تخاطبهما مباشرة، بل أصبح همها مخاطبة حليفها وشركاءها: الولايات المتحدة والدول الأوروبية. وقد بدا هؤلاء الحلفاء – على الأقل ظاهرياً – في حجب تقديم دعمهم غير المشروط للإمارات.
فتحت ضغط الرأي العام، وضغوط الكونغرس، والأدلة، بدأت الإدارات الغربية بتقييم الوضع. صحيح أنها أقرت بالمساهمة الحيوية التي تقدمها الإمارات لاقتصادياتها، لكنها في الوقت نفسه أدركت الثمن الأخلاقي والتكاليف المترتبة على ذلك، فضلاً عن المكاسب المادية وإعادة التموضع الاستراتيجي على المدى البعيد بالنسبة للسودان، و هم يرون أن الحرب لم تحقق أهدافها بالسرعة المأمولة.
وهنا يُطرح التساؤل: إذا كانت الإمارات مدفوعة بالاستثمار ومُغراة بالموارد المادية السودانية وإعادة التموضع الجيوسياسي والاستراتيجي، فإن الغرب في أمس الحاجة إلى نفس المكاسب، فلماذا يتركها للإمارات؟ وإذا كانت الإمارات حريصة على مكافحة التطرف العنيف، فإن الغرب حريص على القضاء على هذه الظاهرة. علاوة على ذلك، فإن حالة الفوضى التي ستنشأ عن تفكك السودان ستنعكس بلا شك على الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وتسريب المتشددين إلى الاتحاد الأوروبي وخارجه.
لذا، مهما كانت الفائدة التي قد يجنيها الغرب من غض الطرف عما تفعله الإمارات، فإنه من مصلحته، ولو مؤقتًا، كبح جماح التوسع الإماراتي الأعمى في السودان وخارجه. على المدى البعيد، لن ينسى سكان كردفان ودارفور والنيل الأزرق وسنار والقضارف – منطقة إنتاج الصمغ العربي الذي يسيل له لعاب فرنسا وحتي اليابان والصين وامريكا – الموقف الذي اتخذته فرنسا وحلفاؤها تجاه من ارتكبوا المجازر بحقهم. الحكومات تأتي وتذهب، لكن الشعوب تبقى.
التغييرات كما تعكسها التصريحات الرسمية:
عندما فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات جديدة على الشركات الكولومبية، تجنب الأمريكيون بذكاء الربط بين هوية هذه الشركات وكيفية تورطها مع الإمارات، أو ما إذا كانت الإمارات متورطة أصلًا، مع أنهم ذكروا أن بعض هذه الشركات يقع مقرها في الإمارات. لم يدينوا الإمارات ولم يطالبوها بتقديم تفسير، على الأقل علنًا. فماذا فعل الأمريكيون؟
– قبل إعلان العقوبات، إتصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بوزير الخارجية المصري وناقش معه القضية، ووفقًا لوزارة الخارجية، فقد تناولا قضايا تتعلق بالسلام في المنطقة والسودان.
– ثم اتصل روبيو بوزير الخارجية السعودي وناقش معه القضايا نفسها بالإضافة إلى السلام في السودان. هؤلاء أعضاء في اللجنة الرباعية. كان هناك عضو غائب، لم يُذكر اسمه ولم يتم التواصل معه علنًا على الأقل، وهو الإمارات العربية المتحدة. فما الذي دفع إلى التواصل مع هذين البلدين دون التواصل مع العضو الرابع؟ إنها رسالة واضحة.
-لم أرَ أي بيان من الإمارات العربية المتحدة يدعم الولايات المتحدة – الحليف والعضو القوي في اللجنة الرباعية – في اتخاذها خطوة العقوبات علي كولمبيا للمساعدة في عملية إحلال السلام في السودان. لم يصدر عنهم أي تعليق، على الأقل لم أرَ أي تعليق.
-بعد أيام قليلة من فرض وزارتي الخارجية والخزانة عقوبات على كولمبيا والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية إضافية، شنّ المشرعون الأمريكيون هجومًا شرسًا وغير مسبوق ضد الإمارات، ودعا بعض أعضاء لجنة العلاقات الخارجية إلى اتخاذ إجراءات عقابية مباشرة ضدها.
ففي جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب حول الوضع الإنساني في السودان، أكدت النائبة باميلا جايابال أن ما يحدث في السودان يُعدّ من أفظع الأزمات الإنسانية التي شهدناها على الإطلاق، ومع ذلك لم يُبدَ أي اهتمام كافٍ بهذه القضية، لا من هذه الإدارة ولا من الإدارة السابقة. فهناك مئات الآلاف من المدنيين السودانيين على حافة المجاعة، وقد دمرت الحرب البلاد.
وأضافت في بيان لها : “أطالب بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة، بينما نواصل العمل على إيجاد حلول سياسية ودبلوماسية طويلة الأمد لهذه الأزمة. “ و اضافت “كما سلطت الضوء على دور الإمارات في تمويل أحد الأطراف المسلحة، وضرورة استخدام نفوذنا، بما في ذلك وقف مبيعات الأسلحة إليها، لمنعها من مواصلة هذا الدعم”.
– عضو آخر في الكونغرس، هو رئيس اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية بمجلس النواب كريس سميث وفي كلمة افتتاحية في جلسة استماع للجنة فرعية بعنوان “وقف إراقة الدماء: رد الولايات المتحدة على الجرائم ضد الإنسانية في السودان”. ومن بين ما قاله:
“يجب أن نكون على دراية تامة بالجهات الخارجية التي تُؤجّج هذا الصراع. ففي يوم الثلاثاء، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شبكة عابرة للحدود بقيادة كولومبية، تضم مئات من العسكريين الكولومبيين السابقين، الذين سافروا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع منذ عام 2024.
ثم أضاف: “إن تدفق الذهب السوداني غير المشروع، الذي تُهرّبه قوات الدعم السريع عبر الإمارات العربية المتحدة، هو الذي يُموّل بشكل مباشر آلة الحرب التي يقودها حميدتي. لا يُمكننا غض الطرف عن دور الإمارات في تزويد السودان بالأسلحة التي تقتل المدنيين السودانيين الأبرياء. وفي الوقت نفسه، نرى النفوذ الخبيث لروسيا التي تسعى إلى الوصول البحري إلى ميناء بورتسودان، وتقارير عن طائرات إيرانية مسيّرة تُعزّز القوات المسلحة السودانية. لقد أصبح السودان ساحةً للقوى الأجنبية، بينما يُصبح شعبه ضحيةً جانبية.”
وبعد أن تجاهلتها الإدارة الأمريكية، على الأقل علنًا، وتعرضت للتوبيخ والهجوم العلني من قبل لجنة العلاقات الخارجية الأكثر شهرة في الكونغرس، وتشوهت سمعتها من قبل وسائل الإعلام، أطلقت الإمارات العربية المتحدة حملة عامة وأصدرت بيانًا مطولًا توضيحيًا – وتبريريًا إلى حد ما – موجهًا بوضوح كرد فعل على رد الفعل الأمريكي الأخير المحبط. وقد نشرت سفارة الإمارات في واشنطن البيان، موجهًا بوضوح للأمريكيين المقيمين هناك.
وقد حاولت السفارة في بيانها المؤلف من 14 فقرة، أن تعيد تثبيت سرديتها بشأن الحرب، كونها “بين جنرالين” وأن الإمارات تدين الفظائع الناجمة عنها، دون أن تشير – بالطبع – إلى أن قوات الدعم السريع هي من ارتكبت هذه الفظاعات، كما يقر العالم أجمع.
لقد بدا لي جليًا أن الإمارات تواجه الآن عبئًا يفوق طاقتها على الصعيد السوداني والإقليمي والدولي، ولكن الهم الذي غشيها وهو إيجاد طريقة للتعامل مع الشعب الأمريكي، وكيفية العمل مع الإدارة الأمريكية لإيجاد مخرج مشرف من هذه الخيبة” و الكارثة. التي أوجدها السودان فيها راهناً، يبدو أن الأمور قد تتجه نحو هاوية يصعب التنبوء بمآلتها.



