
المحقق – مريم أبشر
أعاد خروج دولة إريتريا من المنظمة الحكومية للتنمية (إيغاد) بشكل نهائي، بعد استئناف عضويتها العام المنصرم عقب تجميد استمر لأكثر من عشر سنوات، موجة جديدة من الانتقادات الموجهة للمنظمة من قبل مسؤولين سودانيين و خبراء و مراقبين، بسبب ما اعتبروه خروجاً عن الميثاق التأسيسي والهدف الذي من أجله قامت المنظمة “التنمية و الإعمار)، ورأوا أن إيغاد باتت مطية لتنفيذ أجندات سياسية و مصالح لدول و تكتلات خارجية تسعى عبرها لتحقيق أجندتها فى الإقليم الغني بالموارد و المضطرب أمنياً في ذات الوقت.
تعزيز موقف:
و عزز تمادي إيغاد في الانحراف عن الهدف استمرار السودان في تجميد عضويته، وهو الموقف الذي اتخذه رسمياً في يناير من العام الماضي، و ذلك احتجاجاً على ما اعتبرته الحكومة “تجاهلاً” لقرارها السابق بتعليق التعامل مع المنظمة، خاصه بعد دعوة المنظمة لبعض قادة مليشيا الدعم السريع المتمردة لحضور قمة استثنائية كانت دعت لها المنظمة بالعاصمة اليوغندية كمبالا دون توافق، و اعتبرت حكومة السودان حينها الخطوة خروجًا عن الإجماع الإقليمي وعدم احترام لسيادة السودان، و أعلنت الخرطوم وقتها أن أي قرارات لاحقة للمنظمة غير ملزمة لها.
و برغم محاولات تمت في مارس من العام الحالي لطي صفحة التجميد، و إستئناف النشاط غير أن السودان ما زال يجمد عضويته فى المنظمة.
ما يجب فعله:
سفير السودان بجيبوتي ومندوبه فى الإيغاد محمد سعيد حسن، قال في إفادة خاصة لـ”المحقق” إن إيغاد وبحكم أنها المنظمة الإقليمية الأقرب إرتباطاً بالسودان جغرافياً واقتصادياً وأمنياً كان يجب أن تكون أكثر تفهما للوضع في السودان، و أن تساهم إيجاباً بتبني رؤي عملية مستقلة تستهدف بها المؤسسات الإقليمية والدولية الأخرى كالاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، و أن لا تكون صدى لمقترحات ورؤى أطراف أخرى لا تنتمي للإقليم ولا للقارة الأفريقية، وهي ذات أجندة مشبوهة تهدف لزعزعة استقرار الإقليم.
و أضاف سعيد إنه كان على إيغاد أن تنفذ على المستوى الفني برامج ومشروعات وأنشطة جيدة وذات جدوى تخاطب احتياجات دول المنظمة فى التكامل الشامل و مضيفاً بأن إيغاد يتوجب عليها الالتزام بمبادئها و أهدافها مع الإرادة الصادقة والمستقلة، وأن هذا هو الضامن لأي دور فاعل لها ولثقة إعضائها فيها.
فشل مسبب:
مسؤول حكومي رفيع تحدث لــ”المحقق” ، قال إن الإيغاد منظمة لم تستطيع أن تبنى موقفاً يتسم بالمصداقية والاستقلال و التوازن تجاه قضايا كثيرة، و أن إنجازها الوحيد كان مساعدة السودان فى التوصل لاتفاقية السلام الشامل، حيث توفرت فى ذلك الوقت إرادة وطنية على مستوى الحكومة السودانية و استعداد من الحركة الشعبية حينها بقيادة دكتور جون قرنق، ثم إرادة دولية و إقليمية لتحقيق السلام فى السودان.
وأضاف المسؤول أنه في كل الملفات التى لم تكن الإجندة الإقليمية الدولية تتحمس للوصول لسلام أو تسوية سلمية بشأنها لم يكن للايغاد أي دور، واختارت أن تنحني دائماً للضغوط الإقليمية و الدولية و أن تجاري بعض الفاعلين الإقليميين، و أن ذلك كان وضحاً إبان الأزمة التى مرت بها إثيوبيا فى العام 2021 فى حربها الداخلية مع جبهة التقراى حيث مثلت إيغاد دور المتفرج تماماً وذلك لأنها كانت تراعي موقف الحكومة الإثيوبية ولأن الفاعلين الدوليين و الاقليميين لم يكونوا حريصين على إنهاء الحرب بصورة سلمية، و كانت الإرادة أن تمضى الحكومة الإثيوبية في حسم الأمر عسكرياً.
وعندما اندلعت الحرب بين إثيوبيا و إريتريا (1998 حتى 2000م) لم يكن لايغاد دور يذكر، و هي منظمة لم تمنح نفسها القدر الكافي من التوازن و الاستقلالية بحيث أن تكون بعيدة عن الأجندة الإقليمية و الدولية الضيقة و تصوب جهودها نحو تحقيق التنمية والاستقرار والسلام، و معروف أن شعارها هو التنمية و التكامل الإقليمي
دور المتفرج:
و بما أن الإيغاد إختارت لنفسها إن تعمل أيضاً في موضوع السلام، وهو قضية مقدمة على بقية الأهداف الأخرى، فقد كان عليها أن تجتهد في ذلك وأن يكون لها اسهام حقيقي في تحقيق السلام، فعندما شنت مليشيا الدعم السريع المتمردة الحرب على الدولة في السودان اختارت إيغاد موقفاً يتعارض تماماً مع النظام الإقليمي و الدولي السائد والذي يقوم على سيادة الدول و على مركزية دور الدولة و أن الحكومة القائمة في السلطة هي مَن يمثل الشرعية ويجب أن يكون لها صوت مسموع.
لقد جنحت إيغاد منذ البداية للتعامل مع مايجري في السودان وكإنما هنالك طرفان على قدر من المساواة و بالتالي أفقدت لنفسها إمكانية أن يكون لها أي دور بما في ذلك سكرتاريتها، بل أكثر من ذلك أتاحت لأطراف خارجية ليس لها علاقة بإيغاد ولا الإقليم و لا حتى أفريقيا بأن تتدخل في عمل المنظمة، حيث سمحت للدولة الراعية للمليشيا بأن يكون لها تأثير في مجريات عمل المنظمة و أن تشارك في بعض القمم بصفة غير معروفة!!
و يرى المسؤول الحكومي أن ذلك أضعف دور إيغاد وحرمها من أن يكون لها أي إسهام في تحقيق السلام، وإذا كانت قد فشلت في أن يكون لها إسهام في تحقيق السلام فمن باب أولى لن يكون بإمكانها تحقيق بقية الأهداف (التنمية و التكامل الإقليمي) .
تنبيه أسمرا:
يضيف مصدر دبلوماسي رفيع، تحدث لـ”المحقق” إن الحكومة الإريترية ظلت تنبه المنظمة حول هذه الاخفاقات منذ وقت طويل على المستوى القيادي بل ذهبت أكثر من ذلك واتخذت موقفاً واضحاً بتجمد عضويتها لأكثر من عشر سنوات، و عندما بدأت في استئناف نشاطها شعرت بأن الموقف داخل المنظمة لم يتغير كثيراً و لذلك قررت الإنسحاب، و اعتبر المصدر هذا التطور وإن كان مفهوماً لكنه من جهة أخرى مؤشر بأن إيغاد تفقد تدريجياً مصداقيتها و مكانتها و على السكرتارية و الدول الأعضاء استدراك ذلك و إلا فسيكونون يسهمون فى دق إسفين جديد فى نعش المنظمة، معتبراً أن الموقف الإريتري رسالة للدول الأعضاء و للرئاسة الحالية لايغاد و للسكرتارية بأن هذا المنهج لن يقدم المنظمة كثيرا و سيؤدي فى النهاية لتلاشي دورها تماما علماُ بأن السودان ما زال يجمد عضويته.
و تساءل المصدر: إذا كان السودان و إريتريا هما الآن غير فاعلين في المنظمة فماذا تبقى لها ؟ علماُ بأن السودان هو عضو مؤسس للايغاد و لديه حدود مشتركة مع أربعة من الأعضاء، وفضلاً عن كونه دولة مؤسسة وكان لها إسهام كبير جداً في تحقيق الأمن الغذائي لدول القرن الأفريقي، و كان يساهم في الماضي بتبرعات غذائية لمواجهة الأزمات الغذائية في بعض دول الإقليم الناتجة عن ظروف طبيعية فضلاً عن أن إريتريا تتمتع بموقع استراتيجى و هي دولة مؤثرة جداً.
تغيير الدور:
الخبير السياسي و الإعلامي الدكتور خالد التجاني يقول في حديثه لــ”المحقق” إن إيغاد تطورت وغيرت دورها كمنظمة إقليمية لدول شرق أفريقيا السبع، من منظمة ذات طبيعة تنموية إلى لعب دور سياسي وقد لعبت هذا الدور في السودان سواء كان في اتفاق السلام الشامل أو حتى إبرام الاتفاق السياسي عقب التغيير في 2019، حيث أسهمت في إبرام الوثيقة الدستورية. و يرى التجاني أن الدور السياسي لـ”ايغاد” بالذات في السودان كان سلبياً لأنها في النهاية كمنظمة إقليمية يفترض أن تكون أكثر وعياً بما يحقق استدامة الاستقرار و ليس عبر صفقات لخدمة أجندة لبعض الدول المؤثرة فى المنظمة.
و يعتقد الدكتور خالد التجاني أن إيغاد لعبت دوراً أساسياً في التمهيد لتقسيم السودان بإعلان المبادئ الذي نص على مقايضة الحفاظ على وحدة السودان بالعلمانية مما أدى إلى إدخال بند تقرير المصير لجنوب السودان و بالتالي برغم تحقيق السلام إلا أن الغرض منه لم يتحقق في ذلك الوقت بالحفاظ على وحدة السودان مع نظام سياسي كان يفترض أن يتطور نحو تحول ديمقراطي، إضافة إلى ذلك – طبقاً للخبير خالد – فإن الدور الذى لعبته الإيغاد إبان التغيير في 2019 كان أيضاً سالباً، حيث ظلت تمثل أذرعاً لأطراف خارجية أكثر منها لتحقيق مطالب الشعب السوداني
تواصل الأدوار السالبة:
بعد اندلاع الحرب في السودان و منذ البداية واصلت الإيغاد في ذات تدخلها السالب بحسب الدكتور خالد و كانت صوتاً لأجندات خارجية باعتيار أن المنظمة الأفريقية الأم (الاتحاد الأفريقي) دائما ما تعهد للمنظمات شبه الإقليمية أن تعنى بقضايا المنطقة الموجودة فيها، غير أن الإيغاد لم تكن قدر هذا الدور، و كانت هناك انحيازات واضحة جداً من دول وازنة مثل إثيوبيا و كينيا لمليشيا الدعم السريع ، إلى الدرجة التي ذهب فيها قادة تلك الدول، إلى أنه لا توجد حكومة فى السودان و هذا يعد تدخلاً سالباً في الشأن السوداني
وهو واحد من الأسباب التي أعطت غطاء لاستمرار الحرب فى السودان
زهد إسمرا:
الدكتور خالد التجاني اعتبر خروج إريتريا زهد في المنظمة و سبق أن جمدت إريتريا عضويتها لفترة طويلة و إعادتها في العام 2023 و خروجها يوكد أن المنظمة لم تعد ذات قيمة أو فائدة أو دور مستقبلي يمكن أن تقوم به، لافتاً إلى أن تجارب السودان السابقة و تجاربه الراهنة مع إيغاد أثبتت أنها منظمة فاشلة بامتياز و أنها ليست على حجم و قدر المسؤولية الدولية، و تابع لا أعتقد أنها تحمل وزناً حقيقياً أو استقلالية في القرار بحيث تلعب دوراً ايجابياً فهي عرضة للاستغلال و توظيفها من قبل بعض أطراف خارجية، و أن خروج إريتريا منها ربما يقلل من دورها و قيمتها ووزنها و بالتالي تحويلها إلى نادٍ لبعض الدول التي لديها ارتباطات أجنبية بالقارة الأفريقية فضلاً عن أنه يعزز عدم قدرتها و فاعليتها ويوضح طبيعتها غير المستقلة والمنحازة لأجندة خارجية.
آخر الأدوار السالبة:
آخر مؤشر على التدخل السلبي لايغاد طبقا للدكتور خالد التجاني هو دعوتها الأخيرة للحوار السياسي السوداني في جيبوتي بمشاركة “تأسيس” حيث تم الرفض من قبل القوى السودانية الوطنية و إعلانها عدم المشاركة، مما اضطر المنظمة لتأجيل الاجتماع، لافتاً إلى أن هذا الحدث دليل على أن الايغاد لا تزال تأتمر بأوامر خارجية و أنها ليست صالحة للعب أي دور إيجابي في السودان
رأي مختلف:
لكن بالمقابل هناك من يقلل من تأثير خروج إريتريا من الايغاد ويقول إنها لم تلعب دوراً مؤثراُ في الإقليم و لا أثر لبقائها أو انسحابها من المنظمة و أن ظهورها في المسرح الإقليمي يتم في حالة حدوث توتر في علاقاتها مع إثيوبيا، وذلك بحسب السفير الصادق المقلي الناطق باسم الخارجية السابق والذي تحدث لــ”المحقق” و يرى المقلي أن السودان رغم تجميد عضويته طوعاُ فقد ظلت الايغاد فاعلا أقليميا مؤثرا و هي تعمل بتنسيق تام مع الاتحاد الافريقي في الخماسية الإقليمية التي تسعى لحل الأزمة في السودان و في الرباعية التي تعول على الأخص علي الايغاد في تحقيق إهداف مبادرة الرباعية الأخيرة.



