الانتخابات في السودان: بين الوسيلة والهدف، والبحث عن نموذج ديمقراطي أصيل

د. إسماعيل ساتي
*مدخل: حول السؤال المحوري*
في خضم الأزمة السياسية المستعصية في السودان، يبرز سؤال ملح: هل سيكون تقصير الفترة الانتقالية وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة هو الحل السحري الذي سوف يضع الأمور في نصابها ويحل مشكلات البلاد المتراكمة؟
ينطلق كثيرون من أن مجرد إجراء الانتخابات سينتج حكماً قادراً على معالجة مشكلات بلادنا، وكأن الصندوق الانتخابي وحده هو القادر على إعادة ترتيب البيت السوداني.
غير أن هذه الرؤية المبسطة تتجاهل سؤالاً جوهرياً آخر: أي ديمقراطية نتحدث عنها؟ هل هي الديمقراطية التي تحترم إرادة الناخبين أياً كانت نتائجها، أم أنها ديمقراطية انتقائية، تُشهر عندما تخدم أهدافاً سياسية محددة وتُقبر عندما تأتي بنتائج غير مرغوبة؟
يبدو أن التجربة السودانية والإقليمية تشير إلى أن النخب المحلية، المسنودة من بعض الدوائر الإقليمية والدولية، تعاني من معايير مزدوجة صارخة في تعاملها مع مفهوم الديمقراطية.
1. *التجربة التاريخية للانتخابات في السودان: استمرار هيمنة النخب عبر الحقب*
شكلت الانتخابات في التاريخ السياسي السوداني أداة محايدة الاستخدام، تارة تكون وسيلة للمحاسبة والتداول السلمي للسلطة، وتارة أخرى تتحول إلى أداة لتكريس هيمنة النخب الحاكمة (مدنية كانت أو عسكرية). فمنذ أول انتخابات برلمانية في 1953، هيمنت النخب الحضرية من الخريجين في تكوينها الثقافي والاجتماعي على أنظمة انتخابية مقصودة، بتصميم الدوائر الانتخابية ومعايير الناخبين والتمثيل بطرق غير محايدة، مما جعلها أداة هندسة سياسية لضمان استمرار سيطرة تلك النخب وإقصاء المناطق المهمشة، واستمر هذا النمط في الديمقراطيات المتعاقبة حيث تحولت الانتخابات إلى مجرد غطاء لمساومات فوقية بين قيادات الأحزاب. يمكن تتبع استمرار هذا النمط عبر الحقب السياسية المتعاقبة في السودان، سواءً في العهود المدنية أو العسكرية، كما يوضح الجزء التالي:
*في الحقب المدنية:*
• فترة ما بعد الاستقلال (1953-1958): شهدت أولى التجارب الانتخابية هيمنة النخب الحضرية المتمثلة في حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، حيث تم إقصاء القوى السياسية الناشئة في الأطراف عبر أنظمة انتخابية مقصودة قلصت تمثيل المناطق المهمشة.
*الديمقراطية الثانية (1965-1969):*
عادت الأحزاب التقليدية لتهيمن على المشهد عبر تحالفات قبلية وطائفية، بينما واجهت القوى الحديثة قمعاً وتهميشاً منظماً تحت ذرائع مختلفة، مما أفقد الانتخابات طابعها التنافسي الحقيقي. وكان من مظاهر سيطرة الأحزاب الطائفية ترويج مقولة شهيرة بين الناخبين تفيد بأنهم يضمنون الفوز في دوائرهم “حتى لو رشحوا غنماية”، وهو تعبير صارخ عن استبدال المعايير السياسية بالولاء المطلق للسيد!
*الديمقراطية الثالثة (1986-1989):*
برزت بشكل صارخ مشكلة تزوير الإرادة الشعبية عبر تحالفات ما بعد الانتخابات التي شوهت نتائج صناديق الاقتراع، حيث تم تشكيل الحكومات عبر مساومات فوقية بين السيدين بعيداً عن إرادة الناخبين.
*في الحقب العسكرية:*
• عهد نميري (1971-1985): استخدم الاستفتاءات والانتخابات كأدوات تزويقية لإضفاء الشرعية على سياسات النظام، مع تهميش كامل للمعارضة الحقيقية.
*عهد الإنقاذ (1989-2019):*
صُممت العملية الانتخابية بنظام هندسة انتخابية متقنة تضمن سيطرة حزب المؤتمر الوطني وتهميش منهجي للمعارضة إلا بالقدر المسموح، واستخدام موارد الدولة لتمويل الحملات المؤيدة للنظام.
2. الديمقراطية الانتقائية: عندما يختار الغرب العلمانية على الديمقراطية
يفترض الخطاب الليبرالي السائد أن الديمقراطية الغربية هي النموذج الأمثل للتحول السياسي. غير أن الواقع يكشف ازدواجية صارخة في الموقف من نتائج الصناديق. فالديمقراطية في المفهوم الغربي العملي، كما يوضح بعض المفكرين، غالباً ما تكون “مجرد لعبة لتحقيق مصالح الغرب”. الخيار الحقيقي الذي يواجه صناع القرار الغربيين ليس بين الديمقراطية والديكتاتورية، بل بين العلمانية والديمقراطية. وعند هذا المفترق، يختار الغرب العلمانية دائماً.
هذه الازدواجية تتجلى بوضوح في الموقف من وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر الانتخابات. فبينما يُشهر مبدأ احترام الإرادة الشعبية، نجد أن الموقف يتغير جذرياً عندما تنتج الصناديق حكماً إسلامياً. الخبير الفرنسي (أوليفييه روا) يلخص هذا التناقض بقوله إن الغرب “يفضل النظام التسلطي الدكتاتوري على وصول الإسلاميين للسلطة”. بمعنى آخر، ما يزعج الغرب ليس انتهاك مبدأ الديمقراطية، بل طبيعة القوة التي تصل إلى الحكم.
3. الاستقطاب المجتمعي: الجرح النازف الذي يسبق الانتخابات ويهددها
قبل أي حديث عن جدوى الانتخابات القادمة في السودان، لا بد من تشخيص الواقع المجتمعي الممزق. فالسودان يعاني من استقطاب حاد تجاوز النخب السياسية ليتغلغل في نسيج المجتمع، وهو ما تُظهره بوضوح المشاهد المتكررة في الشارع والإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي. هذا الاستقطاب ليس وليد الراهن الناتج عن الحرب الدائرة، بل هو امتداد لصراع تاريخي طويل كما يُشير بعض المحللين، يدور منذ عقود حول هوية الدولة وطبيعة نظام الحكم فيها.
تتجلى مظاهر هذا الاستقطاب في ثنائيات متنازعة هيمنت على المشهد: مظاهرات مؤيدة للمؤسسة العسكرية في مقابل مسيرات لإحياء ذكرى حراك ديسمبر 2018/2019، وخطاب إعلامي منقسم بشكل حاد، حيث يلوّن كل طرف الواقع بما يخدم روايته. لقد أدت سنوات من الصراع إلى تآكل المساحة الرمادية التي يمكن أن يلتقي فيها الناس، وباتت المواقف تُختزل في “مع” أو “ضد”؛ مع أو ضد الجيش، مع أو ضد الحراك المجتمعي، مع أو ضد العلمانية، او مع او ضد الإسلامية، في دائرة من الاتهامات المتبادلة التي تعمق الهوة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الاستقطاب لم يعد مقتصراً على الخلافات السياسية الكبرى، بل امتد ليشمل القضايا الاجتماعية والإنسانية اليومية، مما يهدد التماسك الوطني في الصميم. فقضية مثل عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم – وهي قضية إنسانية واجتماعية واقتصادية في جوهرها – تحولت إلى ساحة جديدة للصراع. فالبعض يرى الحديث الإيجابي عن عودة الأمن واستعادة الحياة الطبيعية بمثابة تأييد للنظام الحالي مرفوض، بينما يرى الطرف الآخر أي تحفظ على العودة بمثابة معاداة للوطن وتشكيك في التضحيات. هذا “التسييس” المفرط لقضايا البقاء الأساسية يعيق اتخاذ القرارات الفردية والعائلية السليمة، ويجعل من المستحيل بناء حوار وطني بناء. ويجب إلا نغفل أن هذا التقسيم المجتمعي كان ولازال هو الغاية الكبرى لأعداء الوطن في الأساس!
في ظل هذا الواقع، فإن الدعوة لإجراء انتخابات سريعة دون معالجة جذرية لهذا الانقسام المجتمعي العميق هي وصفة لفشل مؤكد. فكيف يمكن لصناديق الاقتراع أن تنتج شرعية سياسية مستقرة، وهي تقام في مجتمع يعاني من استقطاب ثنائي حاد، تغذيه سرديات متصارعة ويثق كل طرف فيه بأن الطرف الآخر يهدد أسس وجوده ومكتسباته؟
بين هذين القطبين، تحاول فئة وسطى – وإن كانت محدودة التأثير في الوقت الراهن – البحث عن أرضية مشتركة وبناء جسور للحوار. ترى هذه الفئة أن السبيل الوحيد للحل يمر عبر كسر حلقة الاستقطاب، وبناء لُحمة وطنية جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق. غير أن صوتها كثيراً ما يخفت، إذ تواجه اتهامات مزدوجة من الجانبين: فهي إما “متساهلة” أو “خائنة” لمنظور هذا الفريق، وإما “ساذجة” أو “متحالفة مع النظام القديم” بحسب رؤية الفريق الآخر. هذا التشويه الممنهج لنواياها يجعلها تتردد في لعب دور الوسيط الفاعل، مما يزيد من تغول خطاب التطرف ويعمق أزمة الثقة التي تعد التحدي الأكبر لأي عملية انتخابية مقبلة.
اذاً، الانتخابات في هذا المناخ لن تكون أداة لحسم الخلاف، بل قد تكون شرارة لتفجير العنف وتحويل التنافس السياسي إلى صراع وجودي. يتطلب بناء الطريق نحو أي استحقاق انتخابي ذي مصداقية خطوات جادة لرأب الصدع المجتمعي، وخلق مساحات للحوار الوطني الحقيقي الذي يتجاوز منطق التصنيف والاتهام، ويعيد تعريف الوطن كمساحة مشتركة للجميع.
4. *دروس إقليمية: صناديق الاقتراع التي “أخطأت” الاختيار!*
التجارب الإقليمية تقدم أمثلة صارخة على هذه المعايير المزدوجة:
• الجزائر (1991): عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية، قام الجيش بالانقلاب عليها وإلغاء العملية الديمقراطية، وسط غطاء دولي متماهي معها.
• فلسطين (2006): فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية، لتدخل في مواجهة سياسية ثم أمنية مع فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما أدى إلى انقسام حاد في الحكم بين الضفة الغربية وقطاع غزة أسفر عن حصار مطبق على القطاع، مما ساهم في تعقيد المشهد وصولاً إلى أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها.
في كل هذه الحالات، لم يتم رفض النتائج لأن الانتخابات كانت غير نزيهة، بل لأنها أنتجت الفائز “الخطأ”. هذا يكشف أن الدعوة للديمقراطية من قبل بعض النخب المحلية والعالمية تكون مشروطة بنتائجها، فإذا جاءت لتحقق مصالحهم فهي “عبقرية الشعب”، وإذا جاءت بغير ذلك فهي “استبداد الأغلبية” أو “خطر على الديمقراطية ذاتها”!
5. *السودان والإسلاميون: إقصاء أم اندماج؟*
في السياق السوداني، يتم تصوير الصراع أحياناً على أنه معركة بين “قوى ديمقراطية علمانية” و”قوى إسلامية استبدادية”. هذا التبسيط يتجاهل حقيقة أن الحركة الإسلامية السودانية تمتعت بنفوذ سياسي واسع في أوساط قطاعات متعلمة وأخرى مهمشة من الشعب السوداني. كما يتجاهل حقيقة أن إقصاء تيار سياسي له قاعدة شعبية واسعة، بحجة “حماية الديمقراطية”، هو في ذاته فعل غير ديمقراطي.
النقاش الحقيقي الذي يحتاجه السودان ليس حول مسألة إقصاء الإسلاميين، بل حول كيفية دمجهم في عملية سياسية تعددية حقيقية، مع ضمانات للجميع. السؤال هو: كيف يمكن بناء ديمقراطية سودانية أصلية تقبل بكل مكونات الشعب، وتتعامل مع الإسلاميين كجزء من المعادلة السياسية وليس كعدو يجب استئصاله؟
6. *نحو ديمقراطية سودانية أصلية وشاملة*
بناءً على ما سبق، فإن الدعوة لانتخابات سريعة كحل سحري هي وصفة لفشل جديد، ما لم تبن على أسس سليمة.
والمطلوب هو:
• التوافق على قواعد اللعبة: من الخلاف الأيديولوجي إلى الميثاق الاجتماعي الجامع: يتطلب بناء طريق مستقر نحو الانتخابات تجاوز النقاش التجريدي بين “علمانية” و”إسلامية” الدولة، والذي طالما كان أحد جذور الصراع في السودان. لا يكفي مجرد الدعوة للاتفاق بين جميع الأطراف؛ فالخطر يكمن في أن يصبح الدستور نفسه ساحة للصراع إذا انحاز بشكل صريح لأيديولوجيا على حساب أخرى، مما يعيد إنتاج أزمات الماضي. فالمخرج العملي يكمن في صياغة “مبادئ فوق دستورية” يتم الاستفتاء حولها وتتوافق عليها جميع المكونات ثم تُدرج في صلب الدستور القادم. هذه المبادئ هي قواعد دستورية ذات حصانة استثنائية، لا يمكن تعديلها أو إلغاؤها بسهولة، وتعرّف شكل الدولة وهويتها على أسس جامعة.
• بناء مؤسسات محايدة:
إصلاح مؤسسات الدولة، وخاصة اللجنة الانتخابية والقضاء والأجهزة الأمنية، لضمان حيادها التام.
• رفض المعايير المزدوجة:
يجب على النخب السودانية، بمختلف مكوناتها، أن تتحرر من خطاب الإقصاء المدعوم خارجياً، وأن تتبنى رؤية وطنية شاملة.
• الديمقراطية كثقافة:
ترسيخ ثقافة القبول بالآخر والاحتكام لصندوق الاقتراع، مع فهم أن الديمقراطية تعني احترام رأي الأغلبية حتى لو لم نتفق معه.
*وأخيراً، ما هو الاختبار الحقيقي؟*
الانتخابات في السودان لن تكون حلاً إلا إذا كانت ذروة جبل الجليد في عملية تحول ديمقراطي حقيقي وشامل. الاختبار الحقيقي للديمقراطية في السودان لن يكون في قدرة النخب على الفوز بالانتخابات، بل في قدرتها على تقبل الهزيمة فيها، وفي قبولها بوصول قوى قد لا تتفق معها إلى السلطة.
الديمقراطية السودانية الأصلية هي التي ستصون كرامة كل مواطن، وتقبل بكل ألوان الطيف السياسي للشعب، وتتحرر من وصاية المعايير المزدوجة المحلية والدولية. فقط عندها يمكن أن تكون الانتخابات وسيلة للبناء وليس للهدم، وللتوحيد وليس للتقسيم.



