تكتل إقليمي جديد .. هل ينتقل العالم العربي والإسلامي من الهامش إلى الفعل؟

رمضان أحمد
تشير أخبار متداولة في الأسابيع الأخيرة، في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، إلى تشكّل تكتل إقليمي يضم السعودية ومصر و تركيا وباكستان، مع حديث عن تقدّم إيران بطلب للانضمام.
وبغضّ النظر عن مدى نضج هذه الأخبار أو تحوّلها إلى واقع مؤسسي، فإن دلالتها السياسية عميقة، لأنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى دول المنطقة بأن النظام الدولي يدخل طوراً جديداً، تتراجع فيه الهيمنة الغربية، وتبرز فيه ملامح تعددية قطبية غير مكتملة بعد.
السؤال الأساسي ليس ما إذا كان هذا التكتل قد وُلد فعلاً، بل ما الذي يمكن أن يعنيه في ميزان القوى العالمي، وهل يمثل فرصة حقيقية لانتقال العالم العربي والإسلامي من موقع “المفعول به” إلى موقع “الفاعل” في صناعة التوازنات، بعد عقود من الارتهان والاحتواء منذ مرحلة ما بعد الاستقلال.
السياق الدولي .. نهاية اليقين الغربي:
يشهد العالم تآكلاً متسارعاً في قدرة الغرب على فرض قواعد النظام الدولي كما فعل منذ نهاية الحرب الباردة. الأزمات المتراكمة – من أوكرانيا إلى غزة، ومن الطاقة إلى سلاسل الإمداد، واختطاف رؤساء دول وتهديد دول أخرى وهو تعبير عن الضعف أكثر منها عن القوة، مع انهيار المنظومة الدولية– كشفت حدود القوة الغربية، ليس عسكرياً فقط، بل سياسياً وأخلاقياً. ومع هذا التراجع النسبي، برز فراغ في القيادة الدولية، تدافع قوى كبرى ومتوسطة لملئه، كلٌّ وفق مصالحه.
في هذا السياق، لم يعد من الواقعي لدول الشرق الأوسط أن تكتفي بدور المتلقي للقرارات أو ساحة لتصفية الصراعات بالوكالة. ومن هنا تنبع أهمية أي تقارب بين دول تمتلك ثقلاً سكانياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وقابلية للتأثير خارج حدودها.
مقومات القوة .. الإمكانات لا تكفي وحدها:
من حيث الإمكانات، فإن التكتل المفترض يملك عناصر قوة معتبرة: كتلة سكانية ضخمة، موقعاً جغرافياً يتحكم في أهم الممرات البحرية العالمية، موارد طاقة وأسواقاً واسعة، إضافة إلى قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متنامية.
لكن التاريخ الحديث يعلّمنا أن امتلاك عناصر القوة لا يعني تلقائياً القدرة على تحويلها إلى نفوذ مستدام. فالنفوذ لا يُقاس بالحجم فقط، بل بقدرة الدول على التنسيق، وتجاوز تناقضاتها، وبناء مصالح مشتركة طويلة الأمد.
التحدي الحقيقي .. من التنسيق الظرفي إلى المشروع الاستراتيجي:
التحدي الأكبر أمام أي تكتل من هذا النوع يتمثل في عدم تحوّله إلى مجرد اصطفاف مؤقت تفرضه لحظة سياسية عابرة. فالتجارب الإقليمية السابقة كانت غالباً رهينة الخلافات البينية، أو خاضعة للاستقطاب الدولي، أو محكومة بردود الفعل لا بالفعل الاستباقي.
لكي يكون لهذا التكتل وزن حقيقي، لا بد من توافر حد أدنى من الرؤية المشتركة:
ما طبيعة النظام الإقليمي الذي يسعى إليه؟
هل هو تكتل دفاعي؟ اقتصادي؟ سياسي؟ أم مزيج محسوب من الثلاثة؟
كما أن إدارة الخلافات التاريخية بين أطرافه ستكون اختباراً حقيقياً لصدقيته. فالنجاح لا يعني غياب التناقضات، بل القدرة على احتوائها ضمن أطر مؤسسية تمنع تفجيرها عند أول أزمة.
الاقتصاد أولاً… لا الشعارات:
التجربة الدولية تؤكد أن النفوذ المستدام يبدأ من الاقتصاد. فبناء شبكات تجارة واستثمار، وتكامل في سلاسل الإمداد، ومشاريع مشتركة في الطاقة والنقل والتكنولوجيا، هو ما يحوّل أي تحالف إلى واقع ملموس. أما الاكتفاء بالخطاب السياسي، فغالباً ما ينتج تحالفات هشة، سرعان ما تتفكك.
كذلك، فإن استقلالية القرار تبقى شرطاً أساسياً. أي تكتل يتحول إلى أداة في يد معسكر دولي آخر يفقد معناه، ويعيد إنتاج التبعية بصيغة مختلفة.
فرصة مشروطة لا لحظة حتمية
التحولات الجارية تفتح نافذة نادرة أمام العالم العربي والإسلامي لإعادة تعريف موقعه في النظام الدولي. لكنها فرصة مشروطة، لا قدراً محتوماً.
إما أن تُستثمر لبناء نفوذ عقلاني، تدريجي، قائم على المصالح والاستقرار،
أو تُهدر كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل، بفعل الصراعات البينية وسوء التقدير.
السؤال إذن لم يعد: هل يتشكّل تكتل؟
بل: هل يمتلك هذا التكتل الإرادة والعقل الاستراتيجي ليكون فاعلاً في عالم متعدد الأقطاب، لا مجرد رقم في هامشه؟



