ورحل ابن خالي وغادر ابن عمي

بعد تحرير الجزيرة قبل عام تقريباُ من اليوم وفي صباح يوم مغادرتي للقرية وأنا أودع من الأهل من لم يستطع الحضور لمنزلي لوداعي …تحاشيت المرور عليه رغم أنني كنت الأكثر التصاقاً به طوال أيام العدوان وما تخللها من موت ودماء وجراح ونزوح ..فكم مرة كتمت فينا ونحن جالسين معاً .. أما لماذا تحاشيت وداع محمد حسن (ابن خالي لزم) والشهير بالمحامي لأنه أقدم محامي في منطقة شمال الجزيرة فهو أول من فتح مكتباً للمحاماة في الباقير ثم المسيد وأخيراً استقر بالكاملين .. تقريباً كل المحامين اليوم في هذه المنطقة تدربوا عليه … أو تدربوا على من تدرب عليه … أي وداع في تلك الأيام كان يحمل في طياته بأنه الوداع الأخير … محمد كان طريح الفراش فالحرب حرمته من التداوي وزادت أسقامه كما وكيفاً …ومع ذلك فقد كان يقاوم مقاومة باسلة … لم يتوقف عن المساسقة بين المكتب في الكاملين والبيت في اللعوتة إلا بعد أن أطبق الدعامة حصارهم علينا وشفشفوا كل المتحركات في الجزيرة بعد سقوط مدني في ديسمبر 2023 … وأنا الآخر لم تقصر الحرب معي فقد كنت منهك القوة منهار المعنويات مجروح الخاطر … ولكن لم أصل مرحلة الحاجة لاسعاف لكي ينقلني إلى بورتسودان … كنا قد قررنا الخروج بعد تعافي قريتنا على أن أسبقه ثم ينتظر هو توفر الإسعاف …ولكن الشيء الذي لا يدركه الناس الحولينا أن محمد كان لا يطيق مفارقة القرية يوما واحداً …. فطوال الأربعين عاماً الأخيرة لم يبت خارج بيته في القرية إلا أياما تحسب على أصابع اليد الواحدة …ثم كان لديه إحساس دفين بأنه إذا خرج من منزله لن يعود إليه …لذلك كان يرد على كل من ينصحه بالخروج من أجل الاستشفاء (خلوني شوية).
بعد أن وصلت القاهرة كنا على تواصل دائم وكنت أحثه على القدوم إليها ….فوصل قبل عدة أسابيع وكنت أمضي معه الساعات الطوال، والمفارقة أن ونستنا العادية كانت شاملة ولكن في القاهرة انحصرت في ذكريات الطفولة… فتذكرنا أحداثا كان عمرينا فيها لم يصل الخامسة … محمد كان فنان طفولتنا ومازال صوته نديا خاصة عندما يغني لصلاح ابن البادية …كان رفيق طفولتنا وشبابنا الإنسان الذكي الموهوب الفنان إدريس عبد الله الذي رحل عن دنيانا قبل أربعين عاما محور ونستنا في القاهرة … ثم جاءنا أخي وابن عمي لزم معاوية البوني مستشفيا هو الآخر… وثلاثتنا نشأنا ودرسنا معا واسرتنا الممتدة واحدة فتحول ليلي في القاهرة إلى فريق قدام في قرية اللعوتة… معاوية أضاف بنوداً جديدة لونستنا وكان أهمها بند العلاج عن طريق الغذاء فقد كان مرجعاً في هذا الأمر .. ومحمد يتجول من طبيب الباطنية إلى طبيب القلب تدهورت صحته ودخل في غيبوبة ثم صعدت روحه الي بارئها في إحدى مستشفيات القاهرة َوتمت الصلاة عليه بعد صلاة جمعة بمسجد مصطفى محمود بالمهندسين … وقبر بمقابر عين شمس بعيدا عن تراب القرية التي أحب …
رحيل محمد أدخلني في تجربة جديدة فرغم أن الله أكرمني بحضور وفاة أمي وأبي إلا أنني لم أحضر لحظات صعود الروح ولم أقرب من المغسلة و الحانوت والذي منه إلا مع جثمان محمد … فقد وجدت نفسي مع معاوية كبار القوم … يوم الجمعة الماضي رجع معاوية للسودان بعد أن اكمل مراجعاته الطبية …فوجدت نفسي وحيداً حزينا مفطور القلب … واقفا بين يافطتين واحدة مكتوب عليها الرحيل بعد محمد والثانية المغادرة بعد معاوية … طبعا الرحيل أمر محتوم… فسألت الله المغادرة بعد معاوية ثم الرحيل من هناك إلى حيث رحل محمد.. فأنا محبي عتب الجديدة وهذه مقابر اللعوتة … و قديما قالوا (المربه تربه) فمكان نشأتك هو مكان تربتك أي قبرك … هذا يذكرني صديقي الراحل الحبيب جيب الله وهو سائق أبطأ بص في زلط إلتي الخرطوم …ومع ذلك كان محبوبا ذو شعبية كبيرة … لأنه كان ذو طرفة إذ كتب على بصه من الداخل (دايره صبر) وتقوى إذ كان يتوقف عند أقرب مسجد عندما تدركه الصلاة دون أي إذن من أي راكب …كنا ذات يوم ماطر والشمس متوارية خلف الغيوم والأرض مخضرة والشجيرات متناثرة .. في دافنة في المقابر الجديدة…. فقال لي الحبيب بالله شوف المقابر دي جميلة كيف ؟ ..ياخي نحن محظوظين لأننا سندفن فيها بدل القديمة ديك … سألته إنت جاهز ؟ فرد بروحه المرحة … والله أكان لقينا زمن شوية نجمع زيادة حسنات ما بطال …لقد أكرم الله الحبيب إذ دفن حيث أحب وأكرمه كذلك لأنه رحل قبل 25 أبريل 2023 ..الحبيب هذا ابن خالة محمد حسن …اللهم أرحم عبدك محمد حسن المحامي الذي كان زاهدا في متاع الدنيا واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل البركة في عقبه وارحمنا إذا ما صرنا إلى ما صار إليه ..



