مِشْتَهِىْ البِكا فى بلدنا !!

أثار رحيل الفريق الأول الركن الفاروق علي محمد بدر، كلَّ لوعاتي وأحزاني، عندما نعاه النَّاعِ، وزاد من دموعي التي ذرفتها على ترجُّل ذلك الفارس المغوار، الفاروق، الأسد الضرغام والوطني الغيور الهمام عند تلِّقي العزاء فيه بصالة فسيحة في مسجد القوات المسلحة بمدينة نصر بالقاهرة أمسية السبت الماضى، وقد عجز لساني عن التعبير عن ما جاش بصدري وأنا أقابل رفقاء السلاح من قدامىٰ المحاربين والجنرالات العِظام في جيشنا المقدام، وقد مرَّت يدُ الدهر على ملامحهم وكساهم الشيبُ ثوباً من الوقار إلا أن بريق الحزم لم يختفي من جباههم الشامخة، وهوَّم بي الخيال: لو أنَّ العزاء كان في الميدان (المحاط باطارات السيارات القديمة)، والواقع أمام منزل الفقيد العزيز بحي امتداد الدرجة الثالثة بالخرطوم.اذاً لرأيت ثَمَّ رأيت أناساً وخلقاً كثيراً، لكنني عزَّيتُ نفسي بأن جثمانه الطاهر قد ضمَّه تراب الوطن ببورتسودان وقام قادة وضباط وصف وجنود منطقة البحر الأحمر العسكرية بالواجب والحمد لله.
وقد رأيت في وجوه الجنرالات الحزانىٰ على رحيل الفاروق، الأملَ الكبير في النصر المعقود بلواء جيشنا بإذن الله فاطمأنت نفسي كثيراً وتناسيت حزني (على البِكا في بلدنا) .
وتذكرت الصور الناطقة التي رسمها الشاعر خالد شقوري عن الشتاء في بلدنا في قصيدته المليئة بالتحنان وفي مطلعها:-
(مِشتَهِي الشِّتِي في بلدنا وْمِشْتَهِي البَلد المِشَتَّي.)
(وُمِشتَهِي الدَّايمَن بِتَقْسِم من غُطَاهَا فِشَان تَغَطِّي.)
وقلت في خاطري (مِشتَهِي البِكا في بلدنا ومِشتًهِى الزول البِيَبْكِي).
وتواصلتُ مع المحارب القديم والمزارع الهميم مبارك عباس نائب الدائرة رقم (1) أبوحمد، والذى يستشفِي في ألمانيا هذه الأيام، وبعد أن حمِدَ الله كثيراً قال لي (زِهجتَ من برد البلد دي، ورمضان ما أظن برجاهو هنا)، وأضاف :-
(نحن زي السمك يطلع من الموية يفطس، نحن مويتنا هي حياتنا الاجتماعية، والمدافسة مع الرجال، لكن هنا بس نعاين في الخواجيات ديل زي ما قال شاعر البطانة بشري ( ظُرااااف و رُهاااف )
أنا أتلقى العلاج فى مستشفى تابع لجامعة FAU بمدينة ايرلانقن حماك الله و عافاك.
وسرى في عظامي البرد من مجرد ذِكره فبرد أوروبا مخيف وبرد القاهرة سخيف وأحسست بالحنين للشتا في بلدنا، وللبكا في بلدنا (والبكا بيحرروا أهلو) ولكل شئ في بلدنا حتى الكتاحة، ولعنتُ جهراً وسراً المليشيا ومن عاونهم من العملاء والأعداء من دويلة الشر، ودعوت الله أن يقصم ظهرهم ويكسر شوكتهم ويخرجهم أذلة يجرجرون أذيال الخيبة والعار .
جيشنا على الموعد والقائد العام يؤكد أن الهدف هو سحق مليشيا عيال دقلو حتى يتطهر تراب بلدنا من رجسهم ودنسهم، ولا تفاوض ولا هدنة حتى النصر الصريح والقصاص مِن كلَّ مَن تلطخت يده بدماء الأبرياء، أو امتدت لسرقة أموالهم.
ولن يثنينا عن هذا الهدف الواضح المشروع سلام ترمب ولا غيره، فالسلام الذى نريد لن يكون على حساب هذه التضحيات الجسيمة التي بذلها شعب السودان في هذه الحرب المفروضة علينا، وأنه لن يكون لمليشيا عيال دقلو وأعوانهم شبر في أرض بلادنا التي يرقد تحت ثراها الآلاف من ضحاياهم. لتنعم أرواحهم بالسلام .



