رأي

هجرة السودانيين إلى مصر… كيف تحوّلت الكارثة إلى فرصة؟

 

 

مهند عوض محمود

 

لم تتعامل مصر مع موجة السودانيين الذين دخلوا إليها بعد اندلاع الحرب بوصفها عبئًا طارئًا، بل بوصفها اختبارًا إنسانيًا وسياديًا في لحظة مضطربة. فُتحت الحدود دون تردّد، ودخل السودانيون بأوراق مكتملة وغير مكتملة، بل وحتى أطفال بلا وثائق أُدرجوا في أوراق أمهاتهم حفاظًا على حقهم في الأمان والمعيشة. لم يكن ذلك قرارًا إداريًا بقدر ما كان تعبيرًا عن ذهنية دولة تعرف معنى الجوار وتاريخ النيل المشترك، وتملك قدرة نادرة على امتصاص الأزمات البشرية دون أن تجعل منها مساحة للمساومة أو الضيق.

 

وهذه السياسة ليست جديدة على مصر. ففي ديسمبر 1966، وبعد انتقال الحكم في السعودية، طلب الملك سعود بن عبد العزيز الإقامة في بلد عربي. فجاء رد جمال عبد الناصر واضحًا وقاطعًا:

 

“مصر وطن لكل العرب والمسلمين.”

 

وصل الملك سعود إلى القاهرة في 18 ديسمبر، واستقبله عبد الناصر في منزله بمنشية البكري بعد يومين، ثم استقرت إقامته لاحقًا في فندق شبرد. كانت تلك اللحظة إعلانًا مبكرًا لسياسة “الباب العربي المفتوح”، التي تتجدد اليوم مع السودانيين ولكن بإطار اقتصادي واجتماعي أوسع وأعمق.

 

وبروح هذا الإرث، انخرط القادمون من السودان مباشرة في قلب المدن المصرية. لم تُنشأ لهم معسكرات أو خيام، ولم يُعزلوا عن المجتمع، بل دخلوا إلى الإيجارات والأسواق والمستشفيات والمدارس. وهكذا أصبحوا جزءًا من الدورة الاقتصادية لا كتلة على هامشها.

 

ورغم أن الرقم الرسمي للمسجَّلين لدى المفوضية يبلغ 672,930 شخصًا، فإن القراءة الواقعية المستندة إلى حركة المنافذ، والإنفاق، والانتشار السكني، تشير إلى أن عدد السودانيين المقيمين في مصر يتجاوز خمسة ملايين شخص. وهو رقم يعيد تشكيل الطلب والاستهلاك ويدفع الاقتصاد إلى مسارات جديدة.

 

كانت أولى الآثار في سوق العقار. فقد ارتفعت الإيجارات مع اتساع الطلب، فتحركت دورة كانت تعاني ركودًا واضحًا. تدفقت عائدات جديدة على الملاك، ونشطت قطاعات الصيانة، والدهانات، والتشطيبات، والأثاث، والنقل، والأجهزة المنزلية. وهكذا تحوّلت حركة النزوح إلى قيمة مضافة تُنعش قطاعًا كاملاً في قلب المدن المصرية.

 

ثم توسّع الاستهلاك اليومي بصورة غير مسبوقة. فكل أسرة سودانية أصبحت جزءًا من الطلب على الغذاء، والملابس، والمواصلات، والصحة، والتعليم، والاتصالات. وما يلفت النظر أن هذا الاستهلاك ممول في معظمه عبر تحويلات خارجية من الخليج وأوروبا وأمريكا، أي تدفقات من النقد الأجنبي تدخل إلى السوق المصري دون أن تستنزف موارده الداخلية.

 

وهذا النوع من الإنفاق لا ينعكس فقط في حركة المبيعات، بل يخلق سلسلة ممتدة من المنافع داخل الاقتصاد. فكل جنيه يُنفق يتحول إلى ربح لمؤسسة، ثم يتحول هذا الربح إلى طلب على الصيانة أو المواد الخام أو العمالة، فتنتقل الأموال إلى ورش ومحال وقطاعات أخرى. وترتفع حصيلة الضرائب غير المباشرة – من القيمة المضافة ورسوم الخدمات وعمولات البنوك – من غير أن يتحمل المواطن المصري عبئًا إضافيًا. وهذا ما يسميه الاقتصاديون الأثر المضاعف: دولار واحد يُنفق قد يتحول إلى ثلاثة أو أربعة دولارات تُعاد دورتها داخل الاقتصاد المحلي.

 

ثم جاءت مرحلة تنظيم الدخول في يونيو 2023، حين فُرضت التأشيرة المسبقة أو الموافقة الأمنية. وظهرت معها قيمة اقتصادية جديدة: فقد بدأت أسعار الموافقة الأمنية عند حدود 800 دولار، ثم ارتفعت حتى تجاوزت 2000 دولار مع اشتداد الطلب، قبل أن تتذبذب صعودًا وهبوطًا حسب الظروف. هذا المسار خلق دخلًا مباشرًا للدولة عبر الرسوم القنصلية والأمنية، وخلق دخلًا غير مباشر عبر نشاط الوكالات والمكاتب والخدمات المرافقة، من ترجمة وتصديق وسفر ونقل وغيرها. وهكذا تحوّل تنظيم الدخول نفسه إلى مورد مزدوج: مباشر عبر الرسوم، وغير مباشر عبر سلسلة الخدمات المحيطة به.

 

ومع انتقال عدد كبير من التجار ورجال الأعمال السودانيين إلى مصر، ظهرت موجة جديدة من المشروعات في التغليف، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والتوزيع. وفي هذا السياق تحديدًا، برز دور شركة بريمير بقيادة الأستاذة شيماء الطودي، التي أصبحت بوابة موثوقة لمساعدة رجال الأعمال السودانيين على دخول السوق المصري بطريقة قانونية وآمنة. فقد قدمت للشركات السودانية دراسات جدوى دقيقة، واقترحت مشروعات مناسبة، وتابعت تأسيس الشركات وتسجيلها في مصلحة الضرائب، والهيئة العامة للاستثمار، والهيئة العامة للتنمية الصناعية، وغيرها من الجهات الحكومية.

 

ومع مرور الوقت، أصبحت شيماء الطودي – بحكم خبرتها، والثقة التي اكتسبتها، ودورها في تيسير دخول المستثمرين – في مقام “قنصل فخري اقتصادي” لقطاع واسع من رجال الأعمال السودانيين الذين وجدوا عبرها طريقًا آمنًا لتحويل رؤوس أموالهم إلى مشروعات حقيقية داخل مصر. وبفضل جهودها وجهود غيرها من المؤسسات، تحوّلت القاهرة إلى منصة إنتاج وتجارة للسودانين في لحظة تعطّل فيها الداخل وانقطعت سلاسل الإمداد.

 

الأثر يتجلى بوضوح في التجارة الخارجية. فقد بلغت قيمة التبادل التجاري 1.2 مليار دولار في عام 2024، بينما سجّلت الفترة بين يناير وأكتوبر 2025 ، 985.2 مليون دولار، منها 760.2 مليون دولار صادرات مصرية مقابل 225 مليون دولار واردات، أي فائض يزيد على نصف مليار دولار لصالح مصر.

 

هذا الفائض لم يكن ليحدث بهذه القوة لولا انتقال ملايين السودانيين إلى مصر واعتمادهم عليها في الإمدادات الأساسية وإعادة إرسال السلع إلى دولتهم.

 

وبذلك تتشكل الصورة كاملة: مأساة الحرب تحولت إلى فرصة، والكتلة البشرية تحولت إلى قوة اقتصادية، والاستضافة تحولت إلى قيمة مضافة.

 

السياسة التاريخية لمصر – سياسة الباب المفتوح – تعود اليوم بأبعاد اقتصادية واجتماعية صلبة، وفي المقابل وجد السودانيون وطنًا ثانيًا يمنحهم الأمان ويحفظ كرامتهم ويعيد تعريف معنى الأخوّة حين تمتزج الجغرافيا بالتاريخ، والمحنة بالفرصة.

 

وفي كل ذلك، تبقى الحقيقة واحدة:

 

مصر بلد واسع القلب… واسع القدرة… واسع الفضل… وحبها لا يُقاس، بل يُعاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى