سودان ما بعد الحرب: السياسة في زمن انكشاف النخب

رمضان أحمد
لا يساورني شك في أن سودان ما بعد الحرب سيكون مختلفاً جذرياً عن سودان ما قبلها. فالحروب، مهما بلغت قسوتها، لا تمرّ على المجتمعات دون أن تُحدث زلازل عميقة في الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل علاقة الناس بالسلطة، وبالدولة، وبالنخب التي حكمت باسمهم لعقود طويلة.
وفي حالة السودان، يبدو أن هذه الحرب لم تدمّر البنية المادية للدولة فحسب، بل عرّت أيضاً هشاشة البنية السياسية والأخلاقية التي استندت إليها السلطة والنخب التقليدية.
أبرز ملامح سودان ما بعد الحرب يتمثل في الدور المتعاظم لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام وصناعة القرار السياسي. فلم تعد هذه المنصات مجرد ساحات للتعبير الحر أو تداول الأخبار، بل تحولت إلى أدوات رقابة شعبية فعّالة، تكشف التناقضات، وتفضح الصفقات، وتُسقط الأقنعة عن كثير من الفاعلين السياسيين.
وفي واقع كهذا، لن يكون بمقدور أي سلطة – مدنية كانت أم عسكرية – أن تحكم بذات الأساليب القديمة دون أن تواجه مقاومة علنية ومساءلة مستمرة. حادثة عضوة مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار بتاريخ 9 فبراير 2026 أبرز مؤشر لأهمية دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام والضغط السياسي، وقبلها كثير من المواقف التي قد لا يسع المجال لذكرها. ويبدو أن جميع من هم في الدوائر الحكومية موعودون بمعارك ضارية في وسائل التواصل الاجتماعي إذا ما بدرت منهم أي تجاوزات.
وسيكون الحكم في سودان ما بعد الحرب أكثر صعوبة وتعقيداً، لا سيما بالنسبة للجيل السياسي القديم الذي اعتاد “طبخ” القرارات في الغرف المغلقة، بعيداً عن أعين الناس، ثم تسويقها لاحقاً باعتبارها قدراً وطنياً لا يُناقش. هذا الأسلوب لم يعد قابلاً للحياة في ظل فضاء عام مفتوح، يتفاعل فيه المواطنون لحظة بلحظة، ويقارنون الخطاب بالفعل، ويحاسبون على التقصير والتناقض.
لقد كشفت الحرب – وبلا رحمة – أن النخب السياسية التقليدية فقدت كثيراً من هيبتها ورصيدها الأخلاقي. فقد عجزت عن منع الانهيار، وفشلت في تقديم حلول واقعية، وبدت في حالات عديدة منفصلة تماماً عن معاناة الناس اليومية. ونتيجة لذلك، لم تعد الأسماء الكبيرة، ولا التاريخ السياسي، ولا الخطابات العاطفية كافية لاستعادة ثقة جمهور خبر الخذلان مراراً.
في المقابل، برز خلال الحرب وعي سياسي جديد، خصوصاً وسط الشباب، يقوم على الشك المشروع، وطرح الأسئلة الصعبة، ورفض الوصاية السياسية والأبوية. هذا الوعي، رغم ما قد يعتريه من فوضى أو حدّة، يمثل تحولاً نوعياً في علاقة المجتمع بالسياسة، ويضع أي سلطة مقبلة أمام اختبار دائم: الشرعية لم تعد تُمنح مسبقاً، بل تُكتسب بالأداء، وتُسحب عند الفشل.
إن سودان ما بعد الحرب لن يكون دولة سهلة الحكم، لكنه قد يكون أكثر صدقاً مع نفسه. دولة تُدار تحت ضغط الرأي العام، وفي ظل رقابة اجتماعية مستمرة، وبنخب – قديمة أو جديدة – مجبرة على التجدد أو الانسحاب. فإما أن تتكيّف السياسة السودانية مع واقع الانكشاف والمساءلة، أو أن تجد نفسها في صدام دائم مع مجتمع لم يعد مستعداً لقبول الأكاذيب المؤجلة ولا الوعود الفارغة.
وحده هذا التحول، بكل ما يحمله من صعوبة وتوتر، قد يفتح الباب أمام سودان مختلف: أقل خداعاً، أكثر وعياً، وأقرب – ولو ببطء – إلى معنى الدولة التي تستحقها تضحيات أبنائها



