بنك السودان يوجه المصارف بالبدء فوراً في تحصيل التمويل المتعثر، ومختصون يعلقون على الخطوة

المحقق – هالةحمزة
أصدرت الإدارة العامة للرقابة على البنوك ببنك السودان المركزي توجيهاً للمصارف بتكثيف إجراءات متابعة تحصيل التمويل المتعثر.
وألزم منشور صادر عن البنك المركزي المصارف بالبدء فوراً في تفعيل كافة الإجراءات التي تضمن تحصيل المديونيات المستحقة وذلك من خلال تفعيل إدارات التحصيل ولجان المتابعة وتكثيف كافة الإجراءات ذات الصلة.
ومنح البنك المركزي المصارف الضوء الأخضر بإتخاذ الإجراءات القانونية وتسييل الضمانات أو حيازتها وذلك لتلافي الأثر السالب لظاهرة التعثر المصرفي على الأوضاع المالية للمصارف والتأثير على قدرتها على القيام بدور الوساطة المالية خاصة خلال فترة الحرب الدائرة.
ووجه البنك المصارف بمده بتقرير شهري يوضح الإجراءات التي إتخذها المصرف في هذا الشأن وتأثير ذلك كمياً على وضع التعثر بالمصرف، ولفت لعزمه على تقييم أداء الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات ولجانها المختلفة في ضوء نتائج جهود التحصيل للمديونيات المستحقة وجهود معالجة المتعثرات بصورة عامة.
وأكد مدير عام أحد المصارف الكبرى بالخرطوم فضل عدم ذكر إسمه لـ”المحقق”: إن الهدف من توجيه بنك السودان المركزي هو صيانة حقوق الجهاز المصرفي وضبط معالجة الديون والمخصصات، إلا أن تطبيقها في الظروف الراهنة يجب أن يتم في ضوء التعاميم اللاحقة الخاصة بخسائر الحرب وتمديد الآجال وإعادة المعالجة.
وقال إنه من الأنسب لمؤسسات التمويل الأصغر ليس الاكتفاء بتكثيف التحصيل والذي يؤدي إلى إضعاف ثقة العملاء في الجهاز المصرفي ويؤثر بشكل مباشر على مؤسسات وشركات التمويل الأصغر والتي تأثرت بصورة كبيرة خلال الحرب، وإنما اعتماد حلول متدرجة تشمل إعادة الجدولة، وإعادة هيكلةالمحافظ التمويلية، والتسويات المرحلية، وتكوين المخصصات، والسعي لاتفاقات عملية مع المصارف الدائنة بما يوازن بين استمرارية المؤسسة وحفظ حقوق المصرف.
وطالب المدير في حديثه لــ”المحقق” بعدم معاملة مؤسسات وشركات التمويل الأصغر أسوة بالمصارف التجارية في التطبيق الحرفي للتعميم، نسبة لخصوصية مؤسسات التمويل الأصغر كمؤسسات مالية غير مصرفية ذات هدف تنموي ما يشكل أثراً سالباً على القطاع.
من جهته وصف المصرفي السابق، إستشاري التطوير المؤسسي نعمان يوسف محمد
لــ”المحقق” توجيه بنك السودان للمصارف ومؤسسات التمويل الأصغر بتكثيف إجراءات تحصيل الديون وتسييل الضمانات بالخطوة المنطقية مبدئيا، لعدم تمكن المصارف من الإستمرار في مهامها دون إسترداد أموالها، غير أنه تساءل حول إمكانية تحصيل الديون في ظل الأوضاع الإقتصادية الراهنة.
وقال يوسف إن الحرب “لم تترك خلفها مجرد عجز في السداد، بل خلفت واقعاً اقتصادياً مختلفاً تماماً”، واستنكر تنصل شركات التأمين والتي تعمل وفق نظام التأمين التكافلي الإسلامي عن تعويض المؤمن لهم بحجة أن وثائق التأمين لا تغطي مخاطر الحرب، ما يجعل المتضررين وحيدين بين مطرقة البنوك وسندان التأمين، مطالباً بفتاوى واضحة من هيئات الرقابة الشرعية لمعالجة الديون التي تعثرت بسبب القوة القاهرة.
وأوضح يوسف أن المصارف تواجه في الوقت ذاته، مشكلة أخرى لا تقل خطورة وهي فقدان سجلات الرهن وشيكات الضمان في الفروع التي تعرضت للحريق أو النهب. وزاد: “حتى إذا أرادت المصارف التقاضي، فقد تجد نفسها أمام قضايا يصعب إثباتها أو تنفيذ أحكامها، والنتيجة المتوقعة لمثل هذا المسار ليست إستقراراً مصرفياً، بل العكس تماماً. فالتسييل الجبري للأصول في سوق راكد سيؤدي إلى ما يسميه الاقتصاديون “بيع الحريق”، حيث تنهار أسعار العقارات والأصول الإنتاجية بشكل أكبر، وعندها لن يخسر العملاء وحدهم، بل ستخسر البنوك أيضاً.
وأوضح أن إستقرار النظام المصرفي لا يتحقق بالضغط على عملاء فقدوا كل شيء. بل يتحقق بإبقائهم قادرين على العودة إلى الإنتاج، وأبان أن المصرف لا يعيش على التحصيل وحده، بل على دوران الاقتصاد الذي يخلق التمويل والسداد معاً.
واعتبر يوسف أن الحل الأكثر واقعية هو تغيير زاوية النظر للأزمة، بدلاً من التركيز على التحصيل الفوري، واقترح تبني حزمة من الإجراءات الإستثنائية، كإعادة هيكلة الديون للمتضررين من الحرب، ومنحهم فترات سماح كافية لإستعادة نشاطهم، فضلا عن التفكير في إنشاء صندوق وطني لشراء الديون المتعثرة من المصارف، بما يسمح بتنظيف ميزانياتها وإعادة ضخ التمويل في الاقتصاد.
وأكد ضرورة تحرك الجهات الشرعية لإصدار فتاوى واضحة حول التعامل مع الديون التي تعطلت بسبب القوة القاهرة، وأن تراجع شركات التأمين التكافلي مواقفها بما ينسجم مع روح التكافل التي يقوم عليها هذا النظام، مشيراً إلى أنه لا يمكن لأي نظام مصرفي أن ينهض فوق أنقاض عملائه، وأن المصارف والعملاء ليسوا طرفين متخاصمين، بل شركاء في دورة اقتصادية واحدة. وإذا كان الهدف هو إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب، فإن البداية الحقيقية ليست في تشديد التحصيل، بل في إعادة الحياة إلى من فقدوا القدرة على السداد.
وعلى ذات الصعيد قال مدير شركة الطموح للتمويل الأصغر مسلم عبدالله لــ”المحقق” إن المنشور لا غبار عليه من ناحية إجرائية لأن التمويل المصرفي والقطاع نفسه بحاجة لمراجعات عامة لإنهاء المماطلة غير المبررة في التمويل وسداد المديونيات المتعثرة، والتي بدأت تفقد قيمتها الآن ، خاصة وأنها أموال مودعين.
وتوقع عبدالله أن تسفر هذه التوجيهات في تحقيق نتائج إيجابية في القطاعات المستهدفة، أما قطاع التمويل الأصغر فهو قطاع إستثنائي ومعظم العمليات بينه والمصارف تتم بصيغة المضاربة المقيدة والتي توظف و تستثمر في أموال البنوك ما يقلل الآثار القانونية على هذه المؤسسات إلا في حالات التعدي على أموال المصارف.
ولم يستبعد أن يصدر بنك السودان منشوراً آخر يستثني فيه بعض هذه الفئات ومؤسسات التمويل الأصغر من التوجيهات، معتبراً أن الحل الوحيد لمشكلة تعثر المؤسسات وصغار المنتجين هو القيام بإعادة تمويلهم وجدولة المديونيات تقليلا للتعثر وإحياءً لنشاطهم الإقتصادي.




