رأي

تأثير الحرب ضد إيران على دول جنوب شرق آسيا: أمن الطاقة نموذجاً (2/2)

د. أحمد عبد الباقي

تناولت الحلقة الأولى بالنقاش أهمية دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) الاقتصادية على المستوى الإقليمي والدولي، إلا أن لأمن الطاقة وصعوبة تحققه أثراً في تلك الأهمية، وذلك لارتباط أمن الطاقة في دول جنوب شرق آسيا بعدة متغيرات كما جاء في تعريف أمن الطاقة في تلك الحلقة، دعونا نستعرض بعض المتغيرات التي تحول دون تحقق ضمان الطاقة بصورة كاملة لدول الآسيان، حيث تنقسم هذه المتغيرات إلى داخلية وأخرى خارجية.

المتغيرات الخارجية:

سوق الطاقة أكبر قطاع يتأثر بتقلبات السياسة الدولية، وينعكس ذلك على أمن الطاقة لدول جنوب شرق آسيا على نحو مباشر كما هو الحال في الحرب الروسية الأوكرانية التي عرّضت الدول الأوروبية لاختناق في واردات الطاقة على نحو غير مسبوق؛ بسبب العقوبات على روسيا؛ مما زاد الطلب للحصول على الطاقة من مصادر أخرى غير روسيا، ويبدو أن دول جنوب شرق آسيا أيضاً غير بعيدة عن الظروف المشابهة لحرب أوكرانيا، فقضية تايوان وإمكانية الانفجار تلوح في الأفق إضافة إلى مشاكل كوريا الشمالية مع بعض الدول الآسيوية؛ التنافس الأمريكي الصيني على المنطقة وطموح شبه القارة الهندية في المنطقة؛ والنزاع حول بحر الصين الجنوبي بين دول الآسيان والصين وتأثيره في تحقق ضمان أمن واستقرار الممرات المائية مثل مضيق ملاكا، وترسيم حدود جزر سبراتلي (Spratly) وهي أرخبيل يتكون من مجموعة من الجزر الصغيرة المرجانية غير المأهولة الواقعة في بحر الصين الجنوبي بين كل من فيتنام والفلبين والصين وبروناي وماليزيا، وتبلغ مساحتها حوالي 4 كيلومترات مربعة موزعة على 425000 كيلومتر مربع من البحر، وتحوي كميات كبيرة من النفط والغاز، كل هذه العوامل مقروءة مع ميثاق دول منظمة الآسيان الذي يمنع تدخل الدول الأعضاء في شؤون بعضها البعض الداخلية؛ مما يؤثر في اتخاذها لموقف موحد تجاه الصراعات السياسية والعسكرية الدولية التي يـتأثر بها أمن الطاقة، لذا لا يُتوقع من هذه الدول أي تأثير في الضغط لوقف الحرب الحالية ضد إيران، رغم تضرر دول المنطقة من الحصول على كفايتها من النفط المستورد من الشرق الأوسط.

المتغيرات الداخلية:

كما ذُكر آنفا، فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الآسيان للفترة من 2023-2024م بلغ 4% مما يعني أن هذه الدول تتميز بنمو اقتصادي سريع، وتحضُر، وازدهار للطبقة المتوسطة وزيادة في تعداد السكان الذي بلغ 683 مليون نسمة؛ مما يزيد استهلاك الطاقة الأحفورية، فتستورد الآسيان 92% من النفط الخام من الخارج، ويستورد نصفها الغاز الطبيعي علاوة على انخفاض إنتاج النفط بنسبة لدول الآسيان بنسبة 0.51% وزيادة استهلاك النفط بنسبة 4.19% والغاز 4.56% على التوالي في عام 2023م. كما أن الإنتاج المحلي من النفط لدول الآسيان لا يرقى لمستوى تلبية حاجيات دولها من الاستهلاك، فقد أشارت إحصائيات منظمة الآسيان لعام 2020م لإنتاج النفط اليومي لدول المنطقة إلى التالي: إندونيسيا (998,642 برميلاً)، ماليزيا (708,783 برميلاً)، فيتنام (343,584 برميلاً)، تايلند (3434,575 برميلاً)، بروناي (24,741 برميلاً)، الفلبين (24,842 برميلاً) وماينمار (22,226 برميلاً)، وإزاء هذا العجز تضطر دول المنطقة لاستيراد النفط والغاز من الخارج ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص لذا فقد تأثر أمن الطاقة بسبب الحرب ضد إيران لندرة المعروض وتأثر خطوط الإمداد عبر مضيق هرمز، وكلما طال أمد الحرب زاد تأثر أمن الطاقة لدول الآسيان.

عامل إنتاج الكهرباء في دول الآسيان أيضا من أكبر القطاعات تأثرا بأمن الطاقة حيث يؤدي النفط دوراً هاماً في توليد الكهرباء، وتعتمد بلدان مثل إندونيسيا والفلبين، ذات المناطق الجغرافية الأرخبيلية الشاسعة، إلى حد بعيد على محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالنفط – (غالبًا الديزل أو زيت الوقود) لإمداد آلاف الجزر النائية بالكهرباء، والتي تقع خارج نطاق وصول الشبكات الوطنية الرئيسية. وكذلك للغاز الطبيعي دور حاسم باعتباره وقودًا انتقاليًا خاصة في ماليزيا وتايلاند وسنغافورة وميانمار. فهو يوفر المرونة لاستكمال مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة. ومع ذلك، فإن القيود التي تفرضها دول المنطقة على العرض المحلي (مثل ماليزيا وفيتنام) تؤدي إلى زيادة الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال، مما يعرض هذه الدول لتقلب أسعار الغاز العالمية وتأثر أمن الطاقة فيها بالحرب الجارية في الشرق الأوسط مصدر استيراد النفط والغاز لمنطقة آسيا بصفة عامة، ومن بينها دول الآسيان.

حلول بديلة تسهم في استقرار أمن الطاقة لدول الآسيان:

في خضم هذا المتغيرات، تبرز الطاقة الشمسية الكهروضوئية كحل أساسي لدول جنوب شرق آسيا، حيث تقدم هذه الطاقة العديد من الفوائد الاستراتيجية منها على سبيل المثال لا الحصر: موارد وفيرة: تتمتع المنطقة بإشعاع شمسي مرتفع، حيث تتلقى معظم المناطق 4-6 كيلووات ساعة/م 2/يوم، مما يجعلها إحدى أكثر المناطق ملاءمة في العالم لتوليد الطاقة الشمسية .. الانخفاض السريع في التكلفة والقدرة التنافسية الاقتصادية حيث انخفضت التكلفة المعيارية (LCOE) للطاقة الشمسية لتصبح أرخص مصدر لتوليد الكهرباء في أجزاء كثيرة من جنوب شرق آسيا متفوقة بذلك على المحطات الجديدة التي تعمل بالفحم والغاز، ويؤدي هذا المنحى إلى تقليل تكاليف التوليد على المدى الطويل والحد من التعرض لتقلبات أسعار الوقود الأحفوري، كما أن سرعة بناء مشاريع الطاقة الشمسية، وخاصة أنظمة الأسطح الموزعة يوفر استجابة سريعة لنقص الطاقة خاصة إبان فترة الأزمات كالحروب والتقلبات السياسية التي تؤثر في استيراد الطاقة. مع العلم أن الاعتماد على الطاقة المتجددة يحتاج إلى استثمارات ضخمة بالإضافة إلى الحصول على التكنولوجيا التي لا تمتلكها دول المنطقة، بل توفرها الصين.

سعت دول الآسيان أيضا للحد من تقلبات أمن الطاقة، وحثت بلدانها إلى الاتجاه نحو بناء احتياطي نفطي للطوارئ يضمن لها الإمدادات الكافية من الطاقة ولتفادي مشاكل الأزمات بمناطق الإنتاج خاصة منطقة الشرق الأوسط كما يحدث حاليا في الحرب ضد إيران، وكذلك عملت دول المنطقة على التوسع في استخدام الغاز الطبيعي وتنويع مصادر الطاقة عبر الشركات الآسيوية التي تستثمر على مستويات عابرة للحدود، علاوة على اعتماد دول الآسيان على حل المشاكل والخلافات الإقليمية حول الثروات النفطية البحرية على نحو يجنب الأزمات خاصة في جزر سبارتلي (Spratly) والجزر الأخرى على بحر الصين الجنوبي.

مواجهة تأثير الحرب ضد إيران في أمن الطاقة لدول الآسيان:

بصفتها الرئيسة الدورية للآسيان، عقدت الفلبين يوم 13 مارس 2026م اجتماعا خاصا لوزراء خارجية االآسيان بهدف التفاكر حول الأزمة الأمنية المتنامية في الشرق الأوسط وتداعياتها بعيدة المدى على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي وأمن الطاقة وسلامة مواطني دول الآسيان في المناطق المتضررة. ودعا وزير الخارجية المُؤتمرين الأطراف جميعهم إلى احترام القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، من أجل الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، مع ملاحظة أن الاجتماع فشل في التوافق على أن تلتزم دول المنظمة المصدرة للنفط بتصديره فيما بينها.

اتخذت بعض دول المنطقة إجراءات خاصة بها وفقا لتأثر أمن الطاقة بالحرب الجارية، فمثلا في الفلبين، أعلنت الرئاسة أن على المسؤولين الحكوميين خفض السفر الرسمي إلى الحدود الدنيا في إطار جهود ترشيد الطاقة، وذلك بعد أيام فقط من فرض نظام العمل بأسبوع من 4 أيام في عدد من الإدارات، وفي تايلاند، اتخذت الحكومة قراراً بأن عمل موظفي الدولة من المنازل للحد من استهلاك الطاقة، بينما دعت فيتنام الشركات إلى تبني العمل عن بعد، وحثت المواطنين على مشاركة السيارات أو استخدام الدراجات. أما إندونيسيا، فأكدت أنها ستزيد الإنفاق على دعم الوقود لمواجهة ارتفاع الأسعار، بينما زادت ماليزيا أسعار المحروقات، وتدرس إمكانية تقليص أيام العمل أو اللجوء إلى تبني دواوين الحكومة للعمل من بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى