مؤتمر برلين: فكأننا يا دعد لا رحنا ولا جينا

المحقق – محمد عثمان آدم
لا شك أن مؤتمر برلين كان تجمعًا ضخمًا، نظرًا للعدد الكبير من المنظمات الدولية والدول التي استطاعت الحكومة الألمانية حشدها، حيث جمع المؤتمر وزراء وممثلين عن 55 دولة، بالإضافة إلى 38 منظمة غير حكومية دولية وسودانية.
لكن يبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت نتائجه ستنعكس إيجابًا على أرض الواقع، ويكفي القول إن الأمريكيين لم يخصصوا سوى القليل من الاهتمام لانعقاده ونتائجه، على الرغم من كونهم شركاء في استضافته إلى جانب ألمانيا والاتحاد الأفريقي.
يعود ذلك إلى غياب عنصرين أساسيين: هما ملايين النازحين واللاجئين الذين يرون في غالبيتهم الغالبة أن من يمثلهم هي الحكومة، والعنصر الثاني الغائب، هما الطرفان الرئيسيان اللذان يتقاتلان بالأسلحة النارية على الأرض والطائرات المسيرة في السماء: الحكومة السودانية ومليشيا الدعم السريع.
لم يشارك هذان الطرفان اللذان يتقاتلان على الأرض، على الأقل علنًا، في المؤتمر، مع أنه كان واضحًا، وفقًا للمشاركين، أن تمثيل قوات الدعم السريع كان حاضرًا وإن كان متخفيًا.
و على الرغم من الدعوة الموجهة للطرفين للتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، إلا أنه كان من الواضح أن غيابهما يُضيّق نطاق التوصل إلى وقف إطلاق نار يضمهما، وهو شرط أساسي لإيصال المساعدات الإنسانية لجميع المحتاجين.
ومع ذلك، ولتجاوز هذا الإخفاق المتعمد في دعوة الطرفين – رسميا – إلى مؤتمر برلين، فقد أكد البيان الختامي على ضرورة السماح بإيصال المساعدات الإنسانية حتى في حال عدم التوصل إلى وقف لإطلاق النار: لذا أكد البيان الختامي: “لا يمكن ربط استمرار وصول المساعدات الإنسانية بهدنة إنسانية واتفاق لوقف إطلاق النار”.
كما كان واضحًا أن البيان الختامي الصادر بعد الاجتماع الذي استمر ليوم واحد، سعى إلى تحقيق التوازن وتجنب، بشكل واضح من خلال الصياغة والعبارات المستخدمة، زيادة استياء الحكومة السودانية التي رفضت المؤتمر جملة لا تفصيلا. حيث لم يرد أي ذكر صريح للحكومة أو أي انتقاد يمكن ربطه مباشرة بها.
لكن وزير الخارجية الألماني، في مؤتمر صحفي على هامش الاجتماع، أدلى بتصريحات مثيرة للاهتمام بشأن المؤتمر إذ قال إنه:
” يقع على عاتق أطراف النزاع، ولا سيما قوات الدعم السريع، مسؤولية ضمان وصول منظمات الإغاثة بشكل كامل وآمن ودون عوائق إلى السكان. وبهذه الطريقة فقط يمكن تقديم المساعدة المنقذة للحياة للمحتاجين بشكل موثوق».
وفيما يتعلق بأي انتقاد باسم كل المجموعات المشاركة حدد البيان الختامي، في فقرة منفصلة ومستقلة (الفقرة رقم 6)، تجنب فيها التطرق إلى المدنيين والشخصيات المؤيدة لقوات الدعم السريع، وتفادياً لإثارة حفيظة مؤيدي الحكومة السودانية، – أكد البيان تحديداً:
“تعرب ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي عن تضامنها ودعمها للشعب السوداني المدني، الضحايا الرئيسيين لهذه الحرب”. أي أن هذه الفقرة تمثل رأى من ذكروا فقط
وأضافت الفقرة “أدى تصاعد حدة القتال في الأشهر الأخيرة في الأبيض، والدلنج وكادوقلي، وبابنوسة في كردفان، وكذلك في النيل الأزرق وعلى طول الحدود التشادية في دارفور، إلى مقتل مئات المدنيين، وقصف عشوائي، وحصار المدنيين وحرمانهم من الحصول على المساعدات المنقذة للحياة. ندين بشدة العنف البغيض ضد المدنيين، ولا سيما النساء والأطفال، بما في ذلك الهجمات على أسس عرقية، والهجمات على العاملين في المجال الإنساني، فضلاً عن قصف البنية التحتية المدنية والإنسانية، والعنف الجنسي والجنساني، وجميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني. قد ترقى هذه الانتهاكات إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ويجب التحقيق فيها على الفور وبحيادية، وتقديم المسؤولين عن الجرائم والفظائع الدولية إلى العدالة. نحث على وقف جميع أشكال الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة الذي يُطيل أمد النزاع والمعاناة.”
لكن ولتعويض هذا النقص في الفعالية، قام كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، باستغلال الفترة التي اعقبت المؤتمر مباشرة وعلي هامشه في اتصالات مكثفة مع الاتحاد الأوروبي لضمان الوفاء بجزء على الأقل من التعهدات البالغة 1.5 مليار دولار.
ونشر بولس بيانين على حسابه في منصة X الإلكتروني، أعرب فيهما عن سعادته بلقاء وزير الخارجية النرويجي، إسبن بارث إيدي، حيث ناقشا مجموعة من القضايا، لا سيما الجهود المبذولة لتأمين هدنة إنسانية في السودان وإشراك المدنيين السودانيين في مستقبل بلادهم.
وأضاف أن الجانبين يأملان في أن تُمكّن الهدنة الإنسانية قريبًا من إيصال المساعدات الضرورية إلى المحتاجين في جميع أنحاء السودان، وتمهيد الطريق لسلام دائم.
وفي الوقت نفسه، نشر المسؤول النرويجي بيانًا على حسابه في منصة (X)، قال فيه إنه عقد “اجتماعًا مثمرًا للغاية مع المبعوث الأمريكي لأفريقيا، مسعد بولس”. وأضاف أن الولايات المتحدة والنرويج تعملان معًا بشكل وثيق لتعزيز إنهاء سلمي للصراع في السودان، ولعملية سياسية شاملة بقيادة مدنية نحو انتقال ديمقراطي.
وقال مسعد بولس أيضًا إنه عقد اجتماعًا مماثلاً “ممتازًا” مع وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر في برلين. و إن الجانبين استعرضا مجالات التعاون الثنائي، مع التركيز بشكل خاص على الجهود المشتركة لتأمين هدنة إنسانية في السودان، بما في ذلك من خلال المشاركة في الأمم المتحدة.
وكان من الواضح أن مؤتمر برلين برمته خرج خاليًا من أي بُعد سياسي، ولكنه استُخدم تقنيًا لحمل “الأطراف المتحاربة… على قبول وقف إطلاق نار إنساني لتمكين وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى المحتاجين في جميع أنحاء البلاد، وتمهيد الطريق لسلام دائم”.
وهذا يعني أنه يتعين على المشاركين في مؤتمر برلين، مرة أخرى، التواصل مع الأطراف المغيبة عن المؤتمر لتحقيق لهذه الخطوة:-
“فكأننا يا دعد .. لا رحنا ولا جينا.. ولا كان الهوى ولا الحب.”
أو كما قال حيي بن ثعلبة الذي ينسب له البيت



