الأمين العام لمجلس الصحوة الثوري لـ”المحقق”: النور القبة مخزن أسرار المليشيا وخروجه أحدث هزة بداخلها

الهجوم على مستريحة عمق فقدان الثقة بين قيادة الدعم السريع وقادته الميدانيين
استقبال البرهان للقبة يحمل دلالات، وانشقاق السافانا غير مؤكد
مجموعات في المليشيا توقفت عن القتال وتنتظر الوقت المناسب لإعلان خروجها
السلام يحتاج إلى وقت وأي تسوية لا تلبي تطلعات الشعب لن تنجح
نعمل على فصل المجتمع عن ممارسات المليشيا ونسعى لمعالجة خطاب الكراهية
حاورته: صباح موسى
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد السوداني، وتزايد الحديث عن انشقاقات داخل صفوف مليشيا الدعم السريع، تبرز تساؤلات مهمة حول تأثير هذه التطورات على مسار الحرب ومستقبل البلاد. وفي خضم هذه التعقيدات، تتصاعد أيضاً المخاوف من اتساع رقعة الانتهاكات وخطاب الكراهية، مقابل محاولات محلية وإقليمية لإيجاد مخرج للأزمة.
في هذا الحوار يتحدث الأمين العام لمجلس الصحوة الثوري الدكتور عبد الرحمن حسن سعيد لــ”المحقق” عن خلفيات الانشقاقات داخل الدعم السريع، ودلالاتها السياسية والعسكرية، كما يسلط الضوء على تداعيات الصراع في دارفور، وجهود المعالجة المجتمعية، ورؤيته لمستقبل الحرب وفرص السلام في السودان… وفيما يلي نص الحوار…
بماذا تفسر الانشقاقات التي تحدث في صفوف مليشيا الدعم السريع في الفترة الأخيرة؟
في تقديري، تعود هذه الانسلاخات إلى عدة أسباب، أبرزها أن القادة الميدانيين داخل المليشيا بدأوا يدركون أنها تفتقر إلى هدف أو مشروع واضح، وقد اتضح ذلك من خلال ممارساتها على الأرض ضد الشعب السوداني، إلى جانب الشعارات التي ترفعها مثل الديمقراطية وحرب الفلول، والتي تبيّن أنها تُستخدم فقط لأغراض الحشد والاستنفار دون مضمون حقيقي، كما أن هناك قناعة متزايدة بأن المليشيا مختطفة من بعض الدول التي تسعى لتحقيق مآربها في السودان، وتُستخدم كأداة لتنفيذ هذه الأجندات، إضافة إلى ذلك، يعاني عناصر المليشيا من مظاهر ظلم داخلية، مثل التمييز في علاج الجرحى لصالح المقربين، والشعور بالتهميش، وغياب القيادة الموحدة، حيث أصبحت كل مجموعة تدير نفسها بشكل منفصل، ولا يمكن إغفال الانتهاكات داخل السجون، وعمليات الخطف التي تستهدف رجال الأعمال والأطباء، إضافة إلى أعمال النهب في مناطق السيطرة، وكلها عوامل أسهمت في دفع عدد من القادة للانشقاق، بينما اختار آخرون التوقف عن القتال في انتظار اللحظة المناسبة لإعلان موقفهم.
وما أهمية انشقاق النور القبة تحديدًا على المليشيا؟
النور قبة يُعد من القيادات البارزة، ويُنظر إليه باعتباره الرقم الثالث بعد حميدتي وعبد الرحيم، انضم إلى الدعم السريع في عام 2019، ويتمتع بتأثير كبير في الميدان، كما يحظى باحترام واسع وسط القواعد، وأهمية انشقاقه تكمن في أنه يمتلك معرفة دقيقة بتفاصيل المليشيا، بما في ذلك مصادر التمويل وآليات العمل، ما يجعله “مخزن أسرار” حقيقي، خروجه أحدث هزة داخل المليشيا، وأضعف الثقة في قياداتها، خاصة المنتمين إلى نفس الدوائر.
هل كان الهجوم على مستريحة والانتهاكات التي صاحبت ذلك سببًا في هذا الانشقاق؟ وما دور الشيخ موسى هلال؟
قبل الهجوم على مستريحة، كان الشيخ موسى هلال نشطًا في التواصل مع قيادات عسكرية وسياسية، ونجح في تحييد عدد كبير منهم، وهو ما يُعد أحد أسباب استهداف المنطقة، والهجوم على مستريحة كان له تأثير كبير على عدد من القادة، بينهم النور قبة، إذ عمّق حالة فقدان الثقة داخل المليشيا، ورسّخ قناعة بأنها تفتقر إلى الضوابط الأخلاقية، وأنها مستعدة لارتكاب أي انتهاكات في سبيل السيطرة، وهذا الواقع دفع كثيرين إلى التفكير في “خط رجعة” نحو الوطن، خاصة في ظل ما حدث في الفاشر من مجازر عنيفة.
كيف ترى استقبال الفريق البرهان للنور قبة وتعيينه واليًا لشمال دارفور؟
المعلومات بخصوص تعيينه غير صحيحة، ولا توجد جهة رسمية أكدت تعيينه واليًا لشمال دارفور. هناك جهات ودوائر وغرف إعلامية تحاول الترويج لمثل هذه الأخبار بهدف التقليل من أهمية الانشقاق وإحداث بلبلة، أما استقبال البرهان له فيحمل دلالات مهمة، أبرزها تفنيد خطاب الكراهية الذي تروج له المليشيا، كما أنه قد يشجع آخرين على اتخاذ خطوة مماثلة والعودة.
كيف تضمن الدولة عدم استغلال هذه العودة كتكتيك من جانب المليشيا؟
هذا الطرح غير منطقي، فهناك ملاحقات حقيقية لهؤلاء القادة، وعداء واضح تجاههم من داخل المليشيا. كما أن قرار الانشقاق جاء نتيجة قناعات راسخة بأن الاستمرار أصبح مستحيلاً.
ماذا عن الأنباء المتداولة حول انشقاق القائد الميداني علي رزق الله “السافانا”؟
حتى الآن لا توجد أي جهة رسمية أكدت هذا الخبر.
إلى أي مدى ستؤثر هذه الانشقاقات على مستقبل المليشيا؟
التأثير بدأ بالفعل، فتركيبة المليشيا تقوم على أسس قبلية ومناطقية، ومع تفكك هذه البنية، توقفت بعض المجموعات عن القتال، رغم بقائها في مناطق سيطرتها خوفًا من إعلان موقفها.
هل يمكن أن تدخل قواتكم الحرب بشكل مباشر بعد أحداث مستريحة؟
نحن موجودون في الحرب منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023، لكننا نعمل ضمن القوات المسلحة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تعدد الجيوش يمثل خطرًا كبيرًا على الدولة.
كيف تواجهون تصاعد خطاب الكراهية، خاصة في دارفور؟
السودان يمر بأزمة عميقة تجاوزت الإطار العسكري إلى المجتمع المدني، وخلّفت جرائم موثقة في عدة مناطق أبرزها في الخرطوم والجزيرة والفاشر و الجنينة، نحن في مجلس الصحوة نعمل على فصل المجتمع عن ممارسات المليشيا، ونسعى لمعالجة الأزمة عبر مبادرات مجتمعية، منها جهود يقودها الشيخ موسى هلال وسلطان المساليت سعد بحر الدين لرأب الصدع، نعتمد على الأعراف والتقاليد المحلية، مثل الجودية، ونعمل على تطوير نموذج خاص للعدالة الانتقالية يتناسب مع واقع السودان، عبر لجان ومؤتمرات قادمة، ونعلم أن لدينا ظروف مختلفة عن أي دولة، وسوف يكون هناك تواصل مع الآخرين في أماكن سيطرة المليشيا، وعندما تتحرر البلاد تماما سيكون هناك محاسبة وضمان أخذ الحق للمظلوم.
كيف تنظر إلى التحركات الدولية لإنهاء الحرب؟ وهل يمكن أن تنجح تسوية سياسية؟
منذ مؤتمر جدة، مرورًا بالمبادرات الإقليمية والدولية كالرباعية ورفض الشعب السوداني لوجود الإمارات بها، وكذلك الآلية الخماسية للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية والإتحاد الأوروبي ومنظمة الإيغاد، هناك جهود واضحة لتحقيق السلام، لكنها تصطدم بتعقيدات داخلية، ولذلك أي تسوية لا تلبي تطلعات الشعب السوداني لن تنجح، خاصة أن القرار لم يعد حكوميًا فقط، بل أصبح بيد المواطن، كما أن هناك إشكالية في تحديد الطرف الذي يمكن التفاوض معه، في ظل تعدد الجهات المرتبطة بالمليشيا فهل نتفاوض مع الدعم السريع أم الإمارات أم تأسيس أم صمود. السلام قادم لا محالة، لكن توقيته مرتبط بمعطيات الميدان وتفوق الجيش فيه، ورغبة الشعب في تفكيك المليشيا ومنع عودتها للمشهد من جديد، وأرى أن السلام في ظل هذه التعقيدات يمكن أن يتأخر بعض الوقت.



