رأي

قراءة تحليلية حول قرار حظر الاستيراد رقم 74

حبيب الله عبد الوهاب

معلوم بالضرورة لأصحاب الشأن والمهتمين بمجال التجارة الخارجية أن حظر أو منع استيراد سلعة معينة بواسطة السلطات المختصة في أي دولة يعد سياسة تجارية إيجابية في أغلب الأحيان وهي تهدف بالأساس إلى دعم الإنتاج المحلي، حماية الصناعة المحلية من منافسة السلع المستوردة وتحجيم الاستهلاك في حالة السلع الكمالية و غير الضرورية.

و مهما قيل عن قرار حظر السلع الكمالية و غير الضرورية الذي صدر عن مجلس الوزراء تحت الرقم (74) بتاريخ 12 أبريل 2026 و الذي جاء بتوصية من وزارة التجارة و الصناعة فهو إيجابي طالما كانت السلع المحظورة هي سلع كمالية و غير ضرورية بغض النظر عن عددها و ثقلها في الميزان التجاري، غير أن قرار الحظر نفسه قد نص على أن الغرض منه هو الحد من تدهور سعر صرف العملة المحلية في مواجهة سلة العملات الأجنبية الأخرى و هنا نستطيع القول أنه و على الرغم من الضجة الإعلامية التي أثارها هذا القرار إلا أنه قد مال بوضوح و بزاوية منفرجة عن الهدف منه إذ أن حجم السلع المستهدفة بالحظر في الميزان التجاري ضعيفة للغاية في مقابل السلع الأخرى، فقد حدثتنا الإحصاءات الرسمية أن نسبة هذه القائمة كانت في حدود 9% فقط في العام 2022 و 11% فقط في العام 2024 كما كانت 15% في العام الماضي 2025 أي بمتوسط 11% للثلاثة أعوام الأخيرة و هي نسبة ضئيلة جداً و تعتبر مساهمة باهتة في مواجهة العاصفة العنيفة التي يتعرض لها الجنيه السوداني .

لكن ما يثير الدهشة أن وزارة التجارة و الصناعة و الجهات الحكومية الأخرى المعنية بمراقبة و ضبط و توجيه حركة النشاط التجاري في البلاد قد تعمدت صرف بصرها تماماً عن الصدمة التي تعرض لها الميزان التجاري تحديدا الصادرات الزراعية بسبب الحرب و أضحت تركض وراء معالجات تقليدية و ضعيفة المردود، فالأرقام الرسمية تشير إلى أن الميزان التجاري للبلاد في جانب الصادرات الزراعية و بسبب الحرب قد تكبد خسائر فادحة و ضخمة خلال العامين 2024 و 2025 أو ما متوسطه 507 مليون دولار (بنسبة 27%) في العام 2024 م و 899 مليون دولار في العام 2025 بنسبة (47%) مقارنة بمتوسط ما حققته سلة هذه الصادرات الزراعية خلال الأربع سنوات الأخيرة التي سبقت الحرب فكيف تغض الحكومة بصرها عن مواجهة هذا العجز الكبير في الميزان التجاري عبر السعي إلى إيجاد بدائل تعوض هذه المضاعفات و تصرفه في اتجاه تحجيم واردات لا تتعدى نسبتها 10% بغرض الحد من تدهور العملة الوطنية في مواجهة سلة العملات الأجنبية الأخرى، و لعل القارئ الكريم يلحظ الخلل الكبير في منهجية الحكومة و هي تتعاطي مع الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد و هو خلل يمكن التغلب عليه بواسطة الوزارة من خلال ترتيب الأولويات فالاهتمام بمعالجة مشاكل الصادر أولى من تحجيم الاستيراد.

و من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن وزارة التجارة و الصناعة بين يديها خيار مهم و فعال لمعالجة جزء من مضاعفات الحرب على الميزان التجاري وهو خيار فك حظر صادر الذرة الرفيعة، فالوزارة منذ سنوات و ما زالت تتمسك بهذا الحظر بحجة أن صادر الذرة الرفيعة سيتسبب في فجوة غذائية و هي حجة صحيحة و لكنها قديمة تخطاها المستهلك بذوقه و استبدلها بالتي هي أدنى كما نعلم، فالحقائق على الأرض تقول ان معظم المجاميع السكانية التي تعتمد في غذائها على الذرة الرفيعة هي ذات المجتمعات التي تقوم بزراعتها بالتالي من المستبعد أن تفرط في (مونة السنة) إلا في حالات نادرة و من الحقائق أن كل حواضر و مدن الولايات التي تنتج الذرة الرفيعة في الغالب تعتمد على خبز القمح بدلا عن الذرة، من جهة أخرى فإن فك حظر صادر الذرة الرفيعة صحيح أنه سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار مؤقتا و هو سلوك طبيعي للأسواق لكن هذا الأثر السالب نفسه له اثار إيجابية أخرى أكبر تتزامن معه و ترتبط به فإذا تبنت الوزارة سياسة صادر مستدامة للذرة فهذا من شأنه أن يحفز المستثمرين و صغار المزارعين نحو الإعداد و الاستعداد الجيد لمزيد من الإنتاج و الإنتاجية بمعدلات عالية تنتهي و بصورة تلقائية إلى عرض كاف يفيض عن تغطية احتياجات الأسواق المحلية و يتجاوزها إلى تلبية طلب الأسواق الخارجية، و لعل قراءات الإنتاج عن المواسم السابقة تنبؤنا بأن إنتاج الذرة الرفيعة إذا ما قدر له أن يستحوذ على مقعد دائم ضمن هيكل الصادرات الزراعية فإنه ربما يتخطى حجم مساهمة السمسم و القطن معا في ميزان التجارة الخارجية، في ذات الاتجاه نستطيع القول أن أي زيادة في إنتاج الذرة الرفيعة عن حاجات الأسواق الداخلية و الخارجية ستقود حتما إلى توفير الاعلاف المالئة و المركزة للحيوان وهو ما قد يقود بطريقة غير مباشرة إلى تعظيم صادر اللحوم و هذا في حد ذاته هدف استراتيجي يحسب له وزنه و ثقله في الميزان التجاري.

وما يتعجب له المرء أن الحكومة تتجاهل وبصورة تثير الشفقة مساهمة الذهب الذي يغطي حجم الواردات بنسبة تقترب من 82% إذا اكتفت بحشد عائد 50% فقط من عائد انتاج العام 2025 ، فالحكومة نفسها قد أعلنت أن الإنتاج قد بلغ 70.15 طن وهذا يعني أن الـ 50% تساوي 35.08 طن وبحسب متوسط الأسعار العالمية للستة أشهر الأخيرة فإن قيمة هذه الــ 50% تساوي حوالي 5.3 مليار دولار بينما قيمة الواردات عن نفس العام قد بلغت 6.50 مليار دولار ولا ننسى اننا نتحدث عن مساهمة 50 % فقط و على الرغم من تواضع تقديراتنا الا أن الحكومة قد فشلت في استدعاء عائد حتى الـ 50% من انتاج الذهب .

نخلص الي أن أهم مقومات هندسة التوزان الاقتصادي في بلادنا (السودان الحبيب) تمر عبر تبني الدولة لاستراتيجية التركيز على تعظيم الصادرات ومعالجة مضاعفات الحرب خاصة على هيكل الصادرات الزراعية بالإضافة الي تبني سياسة صادر واقعية تمكن البنك المركزي من استدعاء عائد كل الذهب المنتج، سياسة تستند الي الموازنة بين مشروعية التكسب من نشاط الصادر وتحقيق التعافي الاقتصادي تماما كما فعلت في العامين 2020 و2021 وبدون ذلك يحق لنا ان نصيح وبمليء فيهنا ان الحكومة تعرض خارج الحلبة.

** خبير تجارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى