رياضية

أحياناً الأدلة تأتي من السماء 

 

 

 

د. إيناس محمد أحمد

 

 

دخلت الحرب عامها الرابع ، سنوات مرة عاش فيها ملايين السودانيين مرارة الحرب بكل مافيها من ألم النزوح واللجؤ وانقطاع الخدمات الأساسية، فقدوا خلالها أرواحاً غالية وسرقت ونهبت ممتلكاتهم واغتصبت الحرائر ، ارتكبت جرائم الحجز القسري والخطف للرجال والنساء والأطفال ، تمت عمليات القتل الممنهج ضد المدنيين، أستخدم التجويع كسلاح حرب، تدمير البنى التحتية والأعيان المدنية بصورة مستمرة حتى أصبحت الحرب في السودان صورة حية وحقيقية لمعاناة شعب صابر على حرب لم تترك لحظة من حياتهم دون أثر مأساوي .

 

في ذات السياق حاول المجتمع الدولي جمع الأدلة لجرائم واضحة وضوح الشمس حيث أوردت لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في أحدث تقرير لها عُرض علي مجلس حقوق الإنسان في فبراير 2026 م ، أوردت فيه أن مدينة الفاشر وبعد أن سيطرت عليها المليشيا المتمردة، وقعت فيها جرائم تحمل (سمات الإبادة الجماعية) ضد المدنيين، وجعلت القتل الممنهج والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري يتم علي أساس إثني وقبلي محدد، كما رصد التقرير خطابات لعناصر من المليشيا تدعو صراحة إلى القضاء علي إثنيات معينة.

 

ووفق للتقرير فإن المدينة التي تم حصارها 18شهراً منع خلالها إدخال المساعدات الإنسانية والأدوية وتم تجويع واحتجاز المدنيين مما جعلهم غير قادرين علي الفرار من الحرب ، ومات بعضهم نتيجة الجوع والعطش ، وهنا استخدمت المليشيا سلاح تجويع المدنيين لإبادتهم – وهذة جريمة دولية – متزامنة مع مواصلة اعتداء المليشيا علي قوافل المساعدات الإنسانية التي ترسلها الأمم المتحدة ومنع دخولها لدارفور، ولم ينجُ العاملون في المجال الطبي أو الإغاثة من القتل والاحتجاز القسري.

 

هذا التقرير يشكل الصيغة الأقرب في أدبيات الأمم المتحدة إلى توجيه تهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بشكل قاطع وارتكاب جريمة الإخفاء القسري وجريمة الاغتصاب.

 

لجنة تقصي الحقائق في تقريرها الأممي حذرت من خطر ارتكاب المزيد من جرائم الحرب ما لم تتحقق المساءلة والردع للمتهمين ، وقد حمّل التقرير المجتمع الدولي مسؤولية حماية المدنيين وضمان تحقيق العدالة ودعا إلى منع دعم المتورطين في الانتهاكات وتزويدهم بالأسلحة أو تمويلهم، وفرض عقوبات على من ارتكبوا تلك الانتهاكات وطالب بتقديمهم للمحكمة الجنائية الدولية.

 

علي ذات النسق جاء تقرير بعثة الإتحاد الأفريقي المشتركة لتقصي الحقائق التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، و دعا تقريرها إلى رصد الجرائم الوحشية التي ارتكبت في حق المدنيين و ضرورة محاسبة الجناة وعدم الافلات من العقاب ، وضرورة الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 1556 (2004) الخاص بحظر الأسلحة علي دارفور .

 

كل هذة التقارير وغيرها وثقت وقائع حدثت وجرائم ارتكبت وجمع فيها أقوال شهود عيان من المدنيين وهي توثق ثوثيقا رسميا لانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية أمام العالم أجمع ، وتمثل وثائق قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكن المجتمع الدولي المضطرب لم يسع لترجمة تلك التقاير الي إجراءات عملية على أرض الواقع ، الواقع الذي يعيشه السودانيون كل يوم .

 

وقد أصدرت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن المنشأة بموجب القرار (1591) ، يوم الثلاثاء الماضي 28 ابريل 2026م، قراراً بوضع القوني حمدان دقلو وثلاثة شخصيات كولومبية ضمن قائمة العقوبات الخاصة بها وهم بذلك يخضعون لتدابير مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يشمل عقوبات حظر السفر وتجميد الأصول ، وجاءت العقوبات لاتهام القوني بالقيام بأنشطة تهدد السلام والاستقرار في دارفور واسهامه في إطالة أمد الحرب بسبب شراء الأسلحة والمعدات العسكرية للمليشيا الإرهابية في السودان.

أما الشخصية الثانية فهو الكولومبي (الفارو كويخانو) مؤسس وكالة الخدمات الدولية (A4Sl) هذة الوكالة تعد مركز لتجنيد المرتزقة وتحويل الأموال وتوظف كوادر مشغلي المسيرات والقناصة والمترجمين ، وهو عقيد متقاعد في الجيش الكولمبي ، تم اتهامه لدوره الجوهري في تجنيد ونشر عسكريين كولمبيين سابقين للعمل كجنود مشاة ومدفعية ومشغلي مسيرات و مركبات عسكرية وكمدربين لعناصر المليشيا داخل السودان والمشاركة في المعارك كمرتزقة .

الشخصية الثالثة هي (كلوديا فيفيانا) وهي مالكة ومديرة وكالة الخدمات (A4SI) .

والشخصية الرابعة (ماتيو دوكي) وهو كولمبي و يحمل جواز سفر اسباني ويدير شركة لتمويل المرتزقة في السودان وتحويل رواتبهم بالعملات الأجنبية ودفع فواتير سفرهم وتنقلهم من أبوظبي إلى بوصاصو ثم إلى الحدود التشادية ثم إلى داخل السودان.

 

و وفقاً للتقرير فقد وصلت أول دفعة من 172مرتزقا كولومبيا إلى الفاشر في نوفمبر 2024م تلتها دفعات أخرى (أكثر عددا)، وكانت مراكز تجمعهم في دارفور وشاركوا في الحصار علي الفاشر .

 

المرتزقة شاركوا في عدة جبهات الخرطوم وام درمان والجزيرة والنيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق وكرفان الكبري وولايات دارفور كلها .

 

وقد جاء في بيان صادر عن البعثة البريطانية لدي الأمم المتحدة أن مجلس الأمن فرض العقوبات بناء علي اقتراح من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا .

 

كذلك في فبراير 2026م ، تمكنت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة من اصدار عقوبات علي أربعة من قادة المليشيا بسبب فظائع ارتكبت ضد مدنيين خلال حصار الفاشر .

 

تشكل هذة الوقائع انتهاكات بموجب الاتفاقية الدولية ضد الارتزاق للعام 1989م والبرتوكول الإضافي الأول 1977م لاتفاقيات جنيف ، واتفاقية منظمة الوحدة الافريقية 1977م وقواعد القانون الدولي العرفي .

 

علي صعيد متصل ، من هناك من السماء ،، جاءت صور الأقمار الاصطناعية توثق جرائم المليشيا الإرهابية كلها ، وثقت جرائم القتل الجماعي وصورة الدماء والمقابر الجماعية عقب انتشارهم في مدينة الفاشر ، لتكون دليلا آخر يضاف إلى سجل إدانة المليشيا الإرهابية ومن معها من المرتزقة بعيدا عن كاميرات الفضائيات والاذاعات كما خيل لهم ،، هذه الصور كان لها ما بعدها وكان لها الفضل في كشف ما سعت لاخفائه المليشيا ليلا ،، لكنها لم تدرك أن السموات مفتوحة والاقمار الاصطناعية منتشرة في السماء تسجل وترصد كل شئ، ومن فوقهم جميعا رب السموات والأرض العزيز الجبار .

لتبقى الحقيقة التاريخية الثابتة أن السودان يعيش أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث ، ووفقا لما وصفته (صحيفة تلغراف) في تقرير لها بأن السودان بات اكثر ساحة دموية للمدنيين عالميا ، ووصفته بأنه أسوأ “أزمة انسانية في العالم “.

 

أما فيما يتعلق بالتداخلات الخارجية التي تغذي النزاع المسلح فقد ذكرت صحيفة غارديان في تقرير لها صادر في أبريل 2026م ، أن التكالب الإقليمي على السودان حوَّله إلى ساحة حرب بالوكالة ، جعلت المدنيين العزل ضحايا لصمت العالم المضطرب.

بينما التطورات الميدانية المتسارعة وانتصارات القوات المسلحة في مقابل هزائم المليشيا وتفككها من الداخل وانقساماتها الكثيرة واستسلام جزء منها يجعلنا نتساءل حول كيفية التعامل مع التحولات المثيرة التي تحدث ، لأن المليشيا لها شبكة ممتدة من المصالح المتبادلة ، ولها تقاطعات معقدة من الولاءات ولها امتداد وتداخل إقليمي واضح ، فهل ما يحدث لها الآن هو تصدع متوقع نتيجة الحرب ، أم هو تأكل داخلي و تمهيد واقعي لانهيار بات وشيكا؟؟ ، أم هو إعادة تموضع بعد سلسلة هزائم اجهدتها من طول امد الحرب؟؟؟

 

في كل الأحوال يبقى الثابت والواضح للعالم كله على الضفة الأخرى أن السودان المنتصر

ك (دولة) يمضي نحو التعافي بخطوات واضحة وثابتة ليبرهن للعالم أن القوة والعزيمة تأتي من داخل الإنسان نفسه وأن طاقة الحياة والإعمار أقوى من طاقة الموت والدمار وأن الدولة السودانية قادرة علي اجتياز المحن والابتلاءات والعبور إلى بر الأمان ، وأن إرادة الشعب السوداني لا تنكسر أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى