رأي

لعبة الحياد: مـَن يموه حرب السودان

 

د. إسماعيل ساتي

في الحروب، لا يكون أخطر ما يُقال هو الكذب… بل نصف الحقيقة.
وهذا بالضبط ما تمارسه بعض القنوات العربية في تغطيتها لحرب السودان: خطاب يبدو مهنياً، لكنه ينتهي إلى مساواة مضللة بين الدولة ومن يقوضها.

ما يجري في تغطية بعض القنوات العربية للحرب في السودان لم يعد يحتمل وصفه بالحياد المهني، بل أصبح أقرب إلى حالة من التواطؤ الناعم الذي يعيد صياغة الواقع بطريقة تميّع الحقيقة وتطمس الفوارق الجوهرية بين الدولة ومن يخرج عليها بالسلاح.

ليس مستغرباً أن تنحاز وسائل إعلام دول تختلف سياسياً مع الحكومة السودانية. هذا مفهوم. لكن غير المفهوم أن تمارس قنوات محسوبة على دول تعلن دعمها لمؤسسات الدولة هذا النوع من الحياد البارد الذي ينتهي عملياً إلى مساواة مصطنعة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع.

في تغطيات قنوات كالعربية والحدث، ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تكررت صيغة واحدة تكاد تكون ثابتة: اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
هذه الجملة في ظاهرها مهنية، لكنها في حقيقتها تلغي الفارق بين مؤسسة دولة وميليشيا مسلحة، وتضعهما في ميزان واحد أمام المتلقي.

وفي قناة الجزيرة، غلبت لغة الأزمة الإنسانية وتبادل الاتهامات، بينما ظل تحديد المسؤوليات الميدانية مؤجلاً أو مبهماً، رغم أن الوقائع على الأرض وتقارير عديدة كانت تشير بوضوح إلى طبيعة الانتهاكات ومن يقف خلفها.

أما في قناة النيل للأخبار، فيظهر خطاب شديد التحفظ، أقرب إلى البيانات الرسمية، يستخدم تعبيرات مثل الأحداث في السودان أو الأزمة الجارية، دون تسمية دقيقة لما يجري أو تحديد واضح للمسؤوليات.

المشكلة هنا ليست فقط في ما يقال، بل في ما يتم تجاهله.

منذ اندلاع الحرب في 2023، ومع اتساع رقعة النزوح، ظهرت صورة متكررة لا تخطئها العين:
مدنيون يفرون من مناطق سيطرة الدعم السريع ويتجهون إلى مناطق يسيطر عليها الجيش.
هذه ليست رواية سياسية بل حقيقة ميدانية موثقة.

لكن كم مرة تحولت هذه الحقيقة إلى محور تحليل واضح في هذه القنوات؟
وكم مرة تم الربط بينها وبين سؤال الأمن والسيطرة على الأرض؟

الإجابة: نادراً.

بدلاً من ذلك، يجري اختزال المشهد في عبارة مريحة: نزوح بسبب الاشتباكات.
مرة أخرى يختفي الفاعل، وتضيع المسؤولية.

في المقابل، لا يمكن وضع أسكاي نيوز عربي في نفس هذا الإطار، لأنها لم تختبئ خلف الحياد أصلاً.
هذه القناة اختارت منذ بداية الحرب نهجاً منسجماً مع الموقف الذي تبنته الدولة التي ترعاها، وهو موقف معادٍ للحكومة السودانية ومؤسسات الدولة، ومساند لقوات الدعم السريع.

ومنذ اندلاع الحرب في 2023، ظلت هذه المنصة تقدم خطاباً يقوم على تكييل الاتهامات وتنويعها ضد الدولة السودانية:
مرة عبر الترويج لفكرة أن الجيش هو من أطلق الرصاصة الأولى، ومرة بوصفه بأنه جيش كيزان، ومرة باتهامه بالدعشنة،
ومرة باتهامه بالأخونة،
وأخيراً باتهامه بالإيرنة.

هذا ليس حياداً ولا حتى غموضاً، بل موقف صريح، لكنه يظل على الأقل واضحاً في انحيازه، على عكس الضبابية التي تمارسها قنوات أخرى.

المفارقة تزداد وضوحاً عندما نقارن هذا الأداء بتغطية نفس هذه القنوات لصراعات أخرى مثل الحرب في اليمن.
في تلك الحالة لم يكن ثمة تردد في تسمية الأطراف ولا في تحديد المسؤوليات، بل كان الخطاب حاسماً وواضحاً.

فلماذا يصبح الوضوح ممكناً هناك، ويتحول إلى تردد وغموض هنا؟

الإجابة سياسية قبل أن تكون مهنية.
هناك دعم معلن لمؤسسات الدولة السودانية، يقابله تردد في الذهاب إلى نهاية هذا الموقف، فينعكس ذلك إعلامياً في صورة حياد زائف.

لكن هذا الحياد ليس بريئاً.

عندما تساوي بين جيش وميليشيا، فأنت لا تقف في المنتصف، بل تعيد تشكيل الحقيقة.
وعندما تتجاهل اتجاه حركة النزوح، فأنت لا تمارس مهنية، بل تتغاضى عن دليل ميداني واضح.

في الحالة السودانية، لم يعد الحياد موقفاً وسطاً، بل أصبح في كثير من الأحيان انحيازاً مقنعاً يضر بالحقيقة أكثر مما يخدمها.

والسؤال الأهم الذي ينتظر إجابة هو: لماذا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى