رأي

قطاع المياه في السودان: من الاستراتيجية القومية إلى الدبلوماسية المائية وتفعيل مراكز التدريب والشراكات الدولية

د. عمار أبكر عبد الله **

يمثل البيان الرسمي الصادر عن وزارة الزراعة والري في السودان – قطاع الري والموارد المائية، بتاريخ 27 أبريل 2026 محطة مهمة في مسار تطوير قطاع المياه في السودان، حيث أكد توجه الوزارة نحو تعزيز الشراكة مع منظمة UNESCO في مجالات التدريب وبناء القدرات وتطوير المناهج الفنية وإعادة تأهيل مؤسسات التدريب والبحث.

ويأتي هذا التوجه امتدادًا مباشرًا للرؤية القومية للإصلاح المؤسسي في قطاع المياه، خاصة في إطار الاستراتيجية القومية الموحدة للمياه (2021–2031) التي تم تدشينها في 4 أكتوبر 2021، والتي شكّلت أول إطار قومي موحد لإدارة الموارد المائية في السودان، جامعًا بين مياه الشرب والري والصناعة والبيئة، بما يعكس انتقالًا نوعيًا من التشتت القطاعي إلى التكامل المؤسسي.

وقد قامت هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية: إدارة الموارد المائية، وإمدادات مياه الشرب، ونظم الري، مع اعتبار بناء القدرات والتدريب أحد الأعمدة الأساسية للإصلاح وليس عنصرًا ثانويًا. ويعكس ذلك إدراكًا متقدمًا بأن التحدي الحقيقي في قطاع المياه لا يرتبط بالبنية التحتية فقط، بل بالفجوة في الكفاءات المؤسسية والفنية القادرة على التخطيط والتشغيل والإدارة المستدامة في ظل تغيرات مناخية وضغوط متزايدة على الطلب.

ويكتسب بيان الوزارة أهمية خاصة لأنه يعكس تحولًا في مقاربة الدولة، من الحلول التقليدية إلى الاستثمار في الإنسان والمعرفة وتحديث المنظومة التدريبية. ويبرز ذلك في التركيز على تطوير المناهج الفنية، وإعادة تأهيل مراكز التدريب، وربط التعليم الفني بالاحتياجات الفعلية للقطاع، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي على المستويين الاتحادي والولائي.

وتشير الاستراتيجية القومية إلى أن تطوير القطاع يتطلب تدخلات دقيقة تشمل تشغيل وصيانة أنظمة الإمداد، وإدارة الري ورفع كفاءة استخدام المياه، وإدارة الموارد السطحية والجوفية، وتقنيات حصاد المياه، وتطوير نظم المعلومات الهيدرولوجية وشبكات الرصد، إضافة إلى التكيف مع التغير المناخي وإدارة المخاطر. ويؤكد ذلك أن بناء القدرات يمثل العامل الحاسم في تحقيق استدامة الموارد.

وفي هذا السياق، يشكّل التعاون مع منظمة UNESCO ركيزة معرفية ومؤسسية مهمة، من خلال تطوير المناهج وفق المعايير الدولية، ودعم التدريب المتخصص، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي في إدارة المياه، وربط التعليم الفني بسوق العمل.

كما يُعد المركز الإقليمي لتنمية القدرات وإجراء البحوث في مجال حصاد المياه في الخرطوم – وهو مركز من الفئة الثانية تحت رعاية اليونسكو – منصة محورية، إذ بدأ مساره المؤسسي عام 2011، وتُوّج باتفاقية عام 2013، وبدأ التشغيل عام 2015، وتم تجديد الاتفاقية حتى 2026، ليواصل دوره في التدريب والبحث التطبيقي في البيئات الجافة وشبه الجافة.

وفي موازاة ذلك، برزت وكالة العون التنموي الياباني (JICA)
كشريك تقني مهم، من خلال دعم مركز التدريب التابع لوحدة مياه الشرب والصرف الصحي منذ عام 2008، وتطويره عبر مراحل لاحقة بين 2011 و 2015، وصولًا إلى دعم المعدات والتقنيات الحديثة والتدريب العملي للكوادر الفنية في الولايات، بما عزز كفاءة التشغيل والصيانة واستدامة خدمات المياه.

كما يُعد مركز حصاد المياه أحد أهم أدوات بناء المعرفة التطبيقية، حيث يركز على تقنيات حصاد مياه الأمطار، وإدارة الموارد في المناطق الجافة، والبحث العلمي في الأمن المائي، إضافة إلى ربط المعرفة بالتطبيق العملي.

إن أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في إعلان توجهات جديدة، بل في كونه خطوة نحو تفعيل الاستراتيجية القومية للمياه (2021–2031) على أرض الواقع، خاصة في جانب بناء القدرات. ومن ثم فإن استدامة هذا التحول تتطلب تعزيز الشراكات مع اليونسكو، وتحديث مراكز التدريب القومية، وربط مركز الـJICA بالاحتياجات الولائية، وتطوير المناهج وربطها بالتطبيق العملي، والاستثمار في الكوادر السودانية الشابة.

وفي سياق “حكومة الأمل” برئاسة د. كامل إدريس (2026)، يبرز قطاع المياه كملف سيادي واستراتيجي يرتبط مباشرة بالأمنين الغذائي والمائي والتنمية المستدامة، بما يجعل الاستثمار في الإنسان والمؤسسات شرطًا لأي تحول تنموي حقيقي. وفي هذا الإطار، يتعاظم دور وزارة الخارجية والتعاون الدولي في إدارة الشراكات متعددة الأطراف، إلى جانب الدور المحوري لسفارة السودان في باريس بصفتها ممثل السودان لدى منظمة UNESCO في متابعة ملفات التعاون الفني ودعم مراكز الفئة الثانية وتعزيز حضور السودان في برامج المياه والتعليم.

وفي بعدٍ مكملٍ لذلك، يكتسب مؤشر أهداف التنمية المستدامة SDG 6.5.2 المتعلق بالتعاون في مجال المياه العابرة للحدود … أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة للسودان، باعتباره دولة محورية في حوض النيل والخزان الجوفي النوبي. إذ يقيس هذا المؤشر مستوى التقدم في بناء أطر التعاون بين الدول المتشاطئة والمتشاركة، من حيث الاتفاقيات المؤسسية، وتبادل البيانات، والتخطيط المشترك لإدارة الموارد المائية. ويُعد هذا البعد امتدادًا مباشرًا للدبلوماسية المائية السودانية، حيث يشكل تعزيز التعاون الفني مع دول الحوض أداة أساسية لبناء الثقة، وتقليل التوترات، وتعظيم المنافع المشتركة.

وفي هذا السياق، تضطلع منظمة UNESCO بدور محوري من خلال دعم الأدوات المنهجية لقياس هذا المؤشر، وبناء القدرات القومية في جمع وتحليل البيانات، وتعزيز الحوار الفني بين الدول، بما يسهم في تحويل المياه العابرة للحدود من مصدر تنافس إلى منصة للتكامل الإقليمي والتنمية المشتركة.

كما يمكن أن يبرز دور سفارة السودان في طوكيو في ربط الجهود القومية بالشراكات اليابانية، خاصة مع (JICA)، بما يعزز فرص نقل المعرفة وتطوير القدرات المؤسسية في قطاع المياه. ويُضاف إلى ذلك الدور المهم لإدارة المنظمات الدولية في ربط المسار الفني بالدبلوماسية متعددة الأطراف، بما يضمن تكامل الرؤية القومية مع الشراكات الدولية.

وفي المحصلة …. يعكس هذا المسار المتكامل أن مستقبل قطاع المياه في السودان لن يُبنى فقط على المشاريع الهندسية، بل على الاستثمار في الإنسان والمعرفة والمؤسسات، وأن تكامل الاستراتيجية القومية مع الشراكات الدولية والدبلوماسية المائية يشكّل الطريق نحو قطاع أكثر كفاءة واستدامة، قادر على دعم الاستقرار والتنمية في البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى