هندسة التحول… مقاربة واقعية لإدارة الانتقال ومعالجة التشوهات الهيكلية

د. الهيثم الكندي يوسف
ونحن نواصل الحديث عن هندسة التحول وكيفبة التعاطي مع القوى التي تقاوم الإصلاح. كنا قد وضعنا الأسس لكيفية الانتقال من (دولة الغنيمة) إلى (دولة الإنتاج) من خلال استراتيجية الاستيعاب والمشاركة بدلاً من الإقصاء. نود اليوم الغوص في قراءة المشهد الحالي بموضوعية وواقعية، لنضع مقاربة فكرية وعملية لاستعادة الحكم المدني بطريقة آمنة لا تؤدي إلى العنف، بل تضمن بناء دولة مؤسسات وطنية راسخة.
عندما نتحدث عن وضع الانتقال الشائه الذي نعيشه اليوم، لا يمكننا فصله عن التاريخ السياسي للسودان. فقد شهدت البلاد فترات انتقالية عديدة أعقبت الثورات والانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة العسكرية. إذا أردنا إجراء مقارنة تحليلية بين تلك الفترات التاريخية السابقة وبين الفترة الانتقالية الحالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018، سنجد أن هناك تبايناً جذرياً في الأهداف التي تحكم كل مرحلة.
لقد اتسمت الفترات الانتقالية السابقة –ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985م – بأنها كانت فترات قصيرة ومحددة المعالم. كانت الغاية النهائية منها الوصول في أقصر وقت ممكن إلى انتخابات حرة وشفافة، حيث يتم التوافق على قانون انتخابي يضمن التداول السلمي للسلطة ولا يستثنى فيه أي طرف سياسي.
أما في تجربة ديسمبر 2018 فإننا نقف أمام تشوه هيكلي نتاج لتلاقي طموح الساسة الذين قادوا التغيير والاحتجاجات ضد نظام الإنقاذ، مع طموح المؤسسة العسكرية في الحكم. لقد تلاقت هذه الطموحات الداخلية مع تدخلات وأجندات خارجية متقاطعة، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى اشتعال الحرب التي نكتوي بنيرانها اليوم.
إن الأزمات البنيوية التي تعاني منها البلاد تتجلى بوضوح في لحظة الانتقال هذه، حيث ظلت النخب السياسية والعسكرية في صراع دائم ومشكلات تمسك بخناق بعضها البعض في مشهد يعيد إنتاج الفشل. لقد بلغت حالة التشوه الهيكلي قمتها عندما تصادمت الأجندات الحزبية الضيقة مع المؤسسة العسكرية، مما أنتج بيئة طاردة للكفاءات وأرض خصبة للمصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة. لقد سعت القوى السياسية إلى الانتقام السياسي وتصفية الحسابات مع أتباع النظام السابق، بدلاً من تأسيس دولة القانون وإرساء دعائم العدالة الانتقالية.
هذا الانشغال بالصراع قاد إلى محاولات مستميتة من قبل الساسة للاحتفاظ بالحكم لأطول فترة ممكنة دون تفويض شعبي، مما أدى إلى غياب المشروعية السياسية والقانونية.
وفي المقابل كان للمؤسسة العسكرية طموحها الخاص وتطلعاتها للبقاء في الواجهة، وهو ما جعل الفترة الانتقالية تمتد لسبع سنوات (أي ما يعادل فترتين انتخابيتين تقريباً). هذا الوضع أدى إلى تعطيل الحياة السياسية وتجميد التنمية، مما أفرز واقعاً معقداً ومزدحماً بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتي تاتي الحرب في ذروتها.
إن فهمنا للواقع الراهن لا يعني قبوله كوضع دائم أو الاستسلام له، بل يعني إدراك الأسباب التي أدت إلى نشوئه للتعامل معه بحكمة. لقد برر البعض استمرار هذا الوضع السياسي والعسكري بحجة الضرورة للحفاظ على وجود الدولة نفسها من الانهيار والتشظي. وبذات المنطق نري أن يستمر هذا الوضع الاستثنائي لحين تحقيق الانتصار الكامل في حرب الكرامة وبسط هيبة الدولة. حيث إن التسرع في التوصل إلى تسويات هشة دون حسم القضايا الأمنية والوجودية، لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الأزمة وإنتاج فترات انتقالية مشوهة جديدة. لذلك فإن الاستراتيجية الوطنية يجب أن ترتكز على دعم المجهود الوطني لإنهاء الحرب وتوحيد الجبهة الداخلية وبناء رؤية متكاملة للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب.
لقد جربت الساحة السياسية السودانية سياسة الإقصاء لسنوات طويلة، وأوردتنا هذه السياسة إلى فتن ومنزلقات عصيبة عانى ولا يزال يعاني منها السودان. الإقصاء لم ينجح يوماً في بناء دولة انما وعلي العكس كان دوماً أداة لتكريس الانقسام والتناحر. لذلك فإن رؤيتنا في الحل تتطلب درجة عالية من الأمان والقبول بالآخر، فالتنمية تحتاج الي بيئة آمنة والاستثمار يتجه حيث كان الأمان.
يجب أن يشارك الجميع في تبني فكرة الإصلاح، وبناء عقد اجتماعي جديد يستوعب كل الطيف السياسي والاجتماعي. إن التغيير الحقيقي لا يعني الإقصاء، إنما يعني استيعاب القوى الفاعلة وتحويل طاقاتها نحو الإنتاج والنماء.
بناءا على ما قمت بذكره، فإن القوات المسلحة والحركات المسلحة والقوات التي تشكلت في أعقاب حرب الكرامة، يجب دمجها في جيش وطني واحد، قومي ومهني، وذو عقيدة عسكرية واضحة ينأي بنفسه عن السياسة.
السؤال المهم هو كيف يمكننا استعادة الحكم المدني دون الانجرار إلى دوامة العنف أو الفوضى؟.
الحل يكمن في هندسة تحويل وظيفي للنخب العسكرية والأمنية. إذ يجب إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية والأمنية لتنتقل من كونها جهة حاكمة أو متدخلة في العمل السياسي إلى مؤسسة حامية للسيادة والدستور ومشاريع الاستثمار ورأس المال الوطني والمشاريع الاقتصادية والتنموية. فحماية الدستور والمؤسسات المدنية المنتخبة هي إحدى أهم لوازم استقرار الدولة الحديثة.
ولتحقيق ذلك يجب تحويل الشركات المملوكة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية إلى شركات مساهمة عامة، تطرح أسهمها للشعب السوداني وللقادة العسكريين. بهذا يتحول القادة العسكريون إلى مساهمين ومستفيدين من نمو هذه المؤسسات، مما يربط مصالحهم باستقرار الاقتصاد الكلي بدلاً من السيطرة السياسية.
فضلاً علي ذلك، فإن العملية السياسية يجب أن تدار بواسطة حكومة كفاءات مدنية، تكون مسؤولة عن إدارة شؤون البلاد الاقتصادية والخدمية والعلاقات الخارجية، بينما تتفرغ المؤسسة العسكرية للمهام الدفاعية.
تأتي مسألة تطوير القوات المسلحة في صميم العملية الاستراتيجية لبناء الدولة الجديدة. الهدف هو بناء قوات مسلحة عقيدتها السودان، قوية، قومية، مهنية، مؤهلة وكفؤة. إن تحقيق هذا الهدف يتطلب خطوات عملية واضحة وذلك عبر:
التدريب وتطوير القدرات: يجب توفير التدريب وأدواته لكافة الرتب العسكرية. كما يجب السعي لتوفير الأجهزة والأسلحة والمعدات المتطورة التي أبرزتها الحروب الأخيرة، أو ما يعرف بأسلحة الجيل الأخير ويشمل ذلك الطائرات المسيرة، وأجهزة التشويش، وأنظمة الدفاع الجوي.
توطين الصناعات العسكرية: يجب البناء على ما تم إنجازه من منظومة الصناعات الدفاعية، مستفيدين من تجربة الحرب التي خاضتها قواتنا المسلحة لتعزيز التصنيع محلياً. هذا لا يعزز الأمن القومي فحسب، فهو كذلك يقلل من التبعية للخارج ويفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الوطني.
معايير الانتماء والشفافية: يجب ألا يكون الانتماء إلى القوات المسلحة خاضعاً للمحسوبية السياسية أو الحزبية أو القبلية. كما يجب أن يجتاز الراغب للانتماء إليها اشتراطات الدخول بكل نزاهة، وفق معايير شفافة.
الحوافز والمكافآت: يجب منح منسوبي القوات المسلحة الرواتب المجزية، مما يضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة ومستقرة، ويجعلهم يركزون على واجبهم المهني فقط. كما يجعل الإنتماء إليها جاذبا.
الترقي والمحاسبة: يجب ان يكون الترقي وفق الكفاءة والأداء، وليس وفق الولاءات الضيقة.
إن الخروج من هذا الوضع الشائه يتطلب اقتناع الجميع بضرورة قيام كل جهة بدورها وواجباتها دون تغول جهة على أخرى، وهذا يخدم فكرتنا الأساسية في حل مشكلة السودان.
يجب أن تدرك المؤسسة العسكرية دورها السيادي والدفاعي، وأن يدرك السياسيون دورهم المدني والمؤسسي.
إن الانتقال من دولة الغنيمة إلى دولة الإنتاج ليس مجرد شعار نظري، فنحن نسعي لتحقيق ذلك لواقع وفق رؤية إصلاحية تتطلب مشاركة الجميع بما فيهم النخب السياسية والقوى العسكرية. إن إقتناع جميع الأطراف بأن مصالحهم الحقيقية تكمن في البناء والاستقرار وليس في الصراع والاقتتال هو الحل لوقف نزيف الدم.
دعونا نفتح الأبواب لكل من يرغب في العمل، ونبني مؤسساتنا على أسس من الكفاءة، والشفافية والعدالة عبر الرؤية الواضحة والعمل الدؤوب.



