ثقافية

الذاكرة السودانية: هنا امدرمان .. ما عاد الناس على دين إذاعاتهم

 

محمد الشيخ حسين

هنا أم درمان .. هل تعود الإذاعة السودانية لصناعة الوعي رغم أن الناس ما عادوا على دين إذاعاتهم. ومع ذلك ظل صوت المبدع الراحل إبراهيم الكاشف ينساب جزلا عبر ميكرفون هنا امدرمان يرجو من الحبيب أن يذكره ولو في (ذكرة الغابر).

(1)

قبل أن نندمج مع الكاشف الذي أدى ظهوره إلى نقل مؤدي الغناء السوداني من لفظة (الصايع) إلى صفة (الفنان).

 

نقول إن الإذاعة السودانية تعيش هذه الأيام ذكرى انتهاء عامها السادس بعد الثمانين منذ انطلاقتها للمرة الأولى.

وهنا نعلم ونرى ونسمع كيف تعود إلى سيرتها الأولى.

(2)

نعلم أن حصاد رحلة تلك الأعوام الطويلة قد جعل الإذاعة السودانية رقماً مهماً في صناعة الوعي لأمة تمتد على مساحة مليون ميل مربع، مما جعل شعارها تعبر عنه عبارة (الإذاعة السودانية ـ ذاكرة أمة).

(3)

نعلم أن الإذاعة السودانية ذاكرة الأمة، لأن مكتبتها تحتوي على 100 ألف شريط مسجل تختلط فيها أصوات الزعماء والمفكرين والسياسيين وأهل الفن والرياضة وكافة ضروب الإبداع التي تملأ حياة أهل السودان.

ودلالة على ثراء محتويات المكتبة أتاحتها للمستمع أن يراجع مع البروفسور عبد الله الطيب دراساته في القرآن الكريم، وأن يستمع إلى طه حمدتو في وصف حي لمباراة في أدغال أفريقيا تنقل إلى الخرطوم عبر الهاتف عن طريق لندن.

وتستمد هذه العودة مشروعيتها من تلمس الإذاعة على أيام معتصم فضل لافتنان المستمعين بالبرامج القديمة.

(4)

نرى أن المطلوب لعودة الاذاعة إلى مهمة صناعة الوعي يتمحور في بث الثقافة السودانية الأصيلة.

ولا يحتاج الأمر إلى أن تشكل لجان أو تعقد مؤتمرات أو يُستجلب خبراء من كل فج عميق.

(5)

نرى أن نجلس ونحلق في سماء استديو الموسيقى الذي تنطلق منه دخاخين البرامج واللقاءات التي تنشر الفكر والوعي معاً.

وهكذا ننطلق من أكبر استديوهات الإذاعة من حيث المساحة والعمر، إذ شيد بمسمى استديو (بي) مع نشأة الإذاعة، وهو شأن كل المنشآت التي شيدها المستعمر البريطاني في بلادنا، فقد بناه بكثير من البخل وقليل من الخيال… ما علينا فقد تطور الاستديو الآن وغشته قشور العولمة من حوائط وأسقف مستعارة وإضاءة مخفية، أضافت إليه شيئا من الأناقة.

المهم على أيام طيب الذكر الراحل محمود أبو العزائم رحمه الله ونفعنا بسيرته العطرة أطلق على المكان اسم (استديو الموسيقى).

وظل على هذا الاسم حتى الآن. ولا يفوتنا هنا الاشارة إلى جهود الأستاذ عوض جادين في زمن إدارته في رفد الاذاعة السودانية بالأجهزة الحديثة.

(6)

نسمع أن البرامج الاذاعية اصبحت لها مواصفات عالمية في التقديم والإعداد البرامجي، من حيث استيعاب حيثيات البرنامج ومراحل إعداده.

(7)

نرى أن المهم في إعداد وتقديم البرامج تجنب الإطناب في الوصف واستخدام العبارات الفخمة ذات الجمل الطويلة، تستغرق في التفاصيل التي بدورها قد توقع المقدم في أخطاء نحوية ومعلوماتية لا تغتفر.

(8)

نعلم أن التقديم للبرنامج ينبغي أن يتم بصورة جذابة، لأن الحاصل في دنيا (الملتيميديا) حاليا أن الجمل القصيرة الرشيقة المباشرة هي الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

(9)

أيام كانت الإذاعة تمنح الفنان جواز المرور إلى آذان المستمعين، دخلها الفنان القامة الراحل عبد الكريم الكابلي فنانا من الدرجة الأولى دون أن يمر ببقية الدرجات، لكن الجديد هنا أن الاذاعة استقطبت الكابلي لسبب آخر لا علاقة له بفتوحاته الكثر في مجال الغناء والشعر التي ضحى فيها بـ (الأيام وعمري وكل عزيز ونادر).

استوعبت الإذاعة الكابلي المذيع ومعد البرامج الذي قدم فيها أكثر من برنامج شكلت إضافات جديدة ومتميزة في خريطة البث الإذاعي على مدى 49 عاما منذ أن قدم الكابلي أول ندوة عن التراث الشعبي في مدرسة المؤتمر الثانوية في العام 1960م. وهنا نتمنى أن تفتح الإذاعة الأبواب لكافة المواهب المبدعة في مجالي الوعي والتنوير.

(10)

نعلم أن خريطة برامج الإذاعة السودانية استقطبت الكثير من المواهب فبرنامج (من المدرج إلى المايكروفون) قدمه طالب السنة الأولى في كلية الآداب بجامعة الخرطوم حسن أبشر الطيب في العام 1961 وقدم فيه مواد تعنى بالطلاب، ثم ارتاد آفاقا جديدة بتقديم البرنامج الشهير (ظلال في حياة إنسان) مع الراحل الأستاذ محمد توم التيجاني.

ولا يفوتنا برنامج (مرافيء الغربة) ودور جعفر عبد المطلب في نقل المستمعين إلى ارتياد آفاق من المعرفة بالعالم.

(11)

على المستوى الشخصي في صباي الباكر كنت لا أنهي يومي في العادة قبل الاستماع إلى أخبار التاسعة والنصف مساء، التي يسبقها بنحو 15 دقيقة صوت فراج الطيب الشجى، وهو يحدثنا بشرحه السلس عن لغتنا الجميلة في برنامجه (لسان العرب).

ينقب فراج فى تاريخ اللغة العربية ويكشف عن مواطن الجمال والفتنة في مفرداتها وقواعدها ويبين غناها وثراءها. ويستحضر من تراث العرب الثقافي والأدبى أجود ما قال شعراؤها، ليعزز به ذلك الثراء.

ومازلت أذكر وقد مضت أكثر من 50 عاما كيف أنهى فراج قصيدة المتنبي:

وأتعب من ناداك من لا تجيبه، وأغيظ من عاداك من لا تشاكل.

فلا تطمعن من حاسد في مودة، وإن كنت تبديها له وتنيل.

 

(12)

يعيدنا استشهاد فراج بالمتنبي الى تذكر قول الشاعر الفيلسوف صلاح عبد الصبور الذي يكمل قوله حكمة المتنبي:

أقول لكم أن الزيف قد يقتات بالفطنة وسقط القول قد يعلو بأجنحة من الترديد.

وفى أجواء صخب أهانها الشاعران واستخفا بها، يتعين على العاملين في الاذاعة السودانية من الرجال والنساء عدم الالتفات لضجيج معارك جانبية تالية قد تفرض عليهم، وتسلبهم فرصة أداء دور لا يحظى به جهاز إعلامي آخر في الحياة السودانية الراهنة.

(13)

خلال الشهر الجاري تكون الإذاعة السودانية قد أكملت 86 عاما منذ التأسيس. وينبغي أن تهدي إلى المجتمع والحياة العامة مجموعة من البرامج الوطنية الواعية والواعدة.

حصاد هذه البرامج:

رسم رؤية سمعية متميزة تكشف عن مواهب وإمكانات وأفكار خلاقة.

تؤكد ما هو مؤكد أن البلاد حافلة بالمواهب في كل مكان.

يدرك كل من تنقصه الأدلة، أن الاذاعة السودانية قد خيبت آمال وأوهام كل من راهن على اختفائها من الحياة العامة.

(14)

عودة الى هنا امدرمان .. ما عاد الناس على دين إذاعاتهم تطرح علينا ماذا نختم؟

قبل أكثر من 40 عاما صدر كتاب الناس على دين إذاعاتهم من تأليف إيهاب الأزهري. يتحدث هذا الكتاب عن قضية مهمة فحواها تأثير الإعلام في الإنسان.

ويتميز الكاتب بأسلوب جميل ركز علي موضوعين مهمين، الأول تأثير الأعمال الاذاعية علي الإنسان، والثاني كيف كانت الإذاعة تساعد في بث الوعي وتعميق الثقافة الأصيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى