هندسة الوعي الشاب ودور المرأة في ريادة الجراحة البنيوية

د. الهيثم الكندي يوسف
ونحن نبحر في هذه السلسلة التي تنظر في الأزمة السودانية المتطاولة، محاولين الانتقال بالنقاش من التنظير وتشريح الأعراض إلى مسرح الجراحة البنيوية الإجرائية، نجد أنفسنا أمام التساؤل الأكثر حيوية وهو مَن يقود قاطرة هذا التحول من (دولة الغنيمة) إلى (دولة القيمة والإنتاج)؟ وكيف نحمي هذه القاطرة من مطبات الواقع المعقد؟
إن تفتيت (نظام المقاومة الهيكلي) الذي سبق أن تناولناه، والذي تمترست خلفه النخب المأزومة طوال سبعة عقود لا يمكن أن يتم بآليات الماضي ذاتها، ولا عبر الوجوه التي عاشت على أزمات الهوية والولاءات الحزبية والقبلية الضيقة. إن رهان العبور يرتكز على الكتلة الحيوية الأكبر، والتي ظلت مغيبة عن مركز القرار الفعلي برغم كونها الوقود الحقيقي لكل حراك شهده السودان وهما فئتي الشباب والمرأة.
لقد أثبتت تجربة حراك ديسمبر 2019 أن الشباب السوداني يملك طاقة قادرة على زلزلة أقوي الأنظمة. إلا أن الانتكاسة الكبرى تجلت في غياب الرؤية البرامجية، فاستحالت التضحيات الكبيرة إلى مجرد رافعة صعدت بها نخب هشة بلا تجربة، مارست ذات النهج الإقصائي القديم، وحصرت الدولة في صراع (من يحكم) دون أدنى التفاتة لأسئلة البناء الهيكلي والتنمية الحقيقية.
و عندما جاءت حرب الكرامة أحدثت فرزاً عميقاً في وعي الشباب، فانخرطوا في المقاومة الشعبية سنداً لقواتهم المسلحة. لم يكن ذلك اندفاعاً عاطفياً، إنما كان وعياً بضرورة الحفاظ على كيان الدولة أولاً، وإفشال مخططات تمزيق السودان وتجريف هويته. ومع ذلك فإن هذا الانخراط يجب ألا يتحول إلى (عسكرة دائمة للمجتمع) أو واجهة جديدة للتجييش القبلي.
إن الجراحة البنيوية تقتضي وضع خطة نزع السلاح وإعادة الدمج التنموي فور إنتهاء الحرب، عبر جمع هذا السلاح وضبطه حصرياً تحت مظلة القانون والدولة، وتحويل طاقات المقاومة المسلحة إلى كتائب إعمار مدنية تنخرط في الإنتاج، حتى لا يتحول السلاح الحامي للدولة إلى أداة لتفتيتها.
إن الدور المؤمل من الشباب يتجاوز الاحتجاج والعسكرة إلى هندسة التحول عبر مسارات إجرائية يمكن التعبير عنها علي النحو التالي:
1.التحول الرقمي والإنتاج الفعلي:
الشباب هم الأقدر على قيادة الانتقال نحو دولة الإنتاج عبر تبني مشروعات اللامركزية المالية والتقنية في الأقاليم. ولتجاوز مقاومة الإصلاح البيروقراطية، يجب استيعاب الكفاءات الشبابية في المؤسسات الإنتاجية المستحدثة مثل مفوضية حوكمة الثروة والصناديق الإستثمارية الإقليمية، وذلك لقدرتهم على الرقمنة وإدارة البيانات وتوظيف التكنولوجيا لتبسيط العمليات الزراعية والصناعية في الاقاليم، مما يغلق منافذ الفساد الإداري.
2.تفكيك الخطاب الأيديولوجي بلغة الأرض والإنتاج:
على النخب الشبابية المستنيرة أن تدرك ماقلناه سابقاً، بأن التهميش ليس قدراً محتوماً. فالصراع في السودان اقتصادي تنموي بامتياز. لذلك يجب تبسيط لغة هذا الخطاب وتحويله إلى برامج تلامس حياة المواطن البسيط لإعلاء قيمة التنمية وجعل (الإنتاج) هو الهوية الجامعة البديلة للاستقطاب القبلي.
وإذا كان الشباب هو قوة الدفع التنموية والمقاومة الشعبية لحماية الدولة، فإن المرأة السودانية هي صمام الأمان القيمي الذي يحمي المجتمع من الانهيار، خاصة في ظل هذه الحرب وأزمانها.
لقد ظلت المرأة في بلادنا هي المتضرر الاكبر من الحروب والنزوح، ومع ذلك ظلت المنتج الحقيقي في ريفنا، والحافظ لتماسك الأسرة في حضرنا.
إن دور المرأة في دولة القيمة يشمل كل ذلك وأكثر في كونها شريك في صناعة القرار وتوجيه المستقبل عبر مسارين استراتيجيين هما:
1 ريادة العدالة الانتقالية والتعافي المجتمعي:
إن رتق النسيج الاجتماعي وإزالة رواسب الحقد التي خلفتها سنوات التجييش العرقي تتطلب حكمة المرأة ووعيها بضرورة الاستقرار. المرأة مؤهلة اليوم لقيادة منصات الحقيقة والمصالحة المحلية في الأقاليم، وتحويل الغبائن التاريخية إلى طاقة عمل وجبر ضرر، وبناء مظلة تعيد تعريف القومية السودانية بعيداً عن التشظي القبلي.
2.التحصين القيمي وإدارة التنمية:
يمر المجتمع السوداني بمنعطف خطير يهدد تماسكه، حيث تسعى تيارات وافدة وموجهة لاستغلال سيولة الحرب لتهديد القيم السودانية الراسخة كالتدين الفطري والمسالمة. وهنا يبرز دور المرأة في بناء إنسان التنمية والتعليم، لا من منظور الانكفاء على موروثات تكبل طاقتها، بل بإعادة إنتاج القيم الإيجابية (كالنفير) وتحويلها إلى مؤسسات عمل مدني واقتصادي منظمة. إن الحداثة التي نرومها ليست استيراداً أعمى للقوالب والأفكار، إنما هي توطين للعلم وتفكيك لسلطة القبيلة لصالح قومية الدولة، مع تمكين المرأة في مراكز صياغة السياسات والتخطيط الاستراتيجي كشريك فاعل لا يقل دورها عن دور الشباب في قيادة التقنية والإنتاج.
نحن نعلم أن فئتي الشباب والمرأة غير معصومتين من الاستقطاب، وقد أصابهما من شروخ الحرب والتجييش القبلي وخطاب الكراهية ما أصاب بقية المجتمع. لذا فإن نقطة البدء في الجراحة البنيوية هي (التطهير الفكري الداخلي) عبر منصات توعية محلية تقودها النخب المستنيرة لانتشال رفاقهم من مستنقع الولاءات الضيقة إلى رحاب الوعي التنموي.
إن العقد الاجتماعي الجديد الذي ننشده يقوم على الإنتاج والعلم وسيادة القانون، وهو بالتأكيد بحاجة إلى حامل اجتماعي قوي يتشكل من تحالف (الشباب التنويري المنتج) و(المرأة صانعة الاستقرار والشريكة في القرار). هذا التحالف ينطلق من الريف – حيث الموارد الحقيقية من زراعة وثروة حيوانية وتعدين – ليمتد نحو المركز.
ولكي لا يصطدم هذا الحراك بالتشريعات الاحتكارية للمركز، فإننا لا ندعو قوى الشباب والمرأة إلى انتظار منحة أو (كوتة سياسية) من حكومة مركزية، فهذا هو نمط (دولة الغنيمة)، لكننا ندعوهم إلى انتزاع المبادرة عبر التأسيس القانوني والتشريعي من أسفل إلى أعلى. يتم ذلك بإنشاء الصناديق التي اقترحناها والتعاونيات الإنتاجية المتطورة، وشركات المساهمة العامة، وحمايتها عبر أطر قانونية مركزية ومحلية تفرض أمر الواقع التنموي على النخب، وتجبرها على الخضوع لعقد اجتماعي يضمن توزيع عطايا الدولة بعدالة تامة.
إن حرب الكرامة برغم كل ما خلفته من دمار، وضعتنا أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة الدولة السودانية من نقطة الصفر. فلقد انتهى عهد الابتزاز السياسي والتكسب بأزمات التهميش. إن بناء سودان يسع الجميع بعدالته وإنتاجه هو مسؤولية جيل الشباب والمرأة، جيل يؤمن بأن الفقر والجهل والمرض لا يحل بالبندقية، إنما يحل بالحقل والمصنع والمعمل وسيادة حكم القانون. فلا يأس أبداً. إن الجراحة البنيوية قد بدأت، ومشرطها الوعي وسندها سواعد الشباب وحكمة المرأة السودانية الشريكة في التأسيس والعبور.



