أبعدوا بنك السودان المركزي عن صراعاتكم ومصالحكم الضيقة

دكتور محمد عوض متولي
تشهد الساحة المصرفية والاقتصادية في السودان حراكاً متبايناً، يرتفع فيه صوت الجدل السياسي وتتنازع فيه المصالح الضيقة على حساب الرؤى الاستراتيجية الكلية التي تحكم أداء مؤسسات السيادة النقدية، ولعل الضجة الأخيرة التي أثيرت حول حزمة القرارات الصادرة عن بنك السودان المركزي، وتحديداً القرار الملزم لشركات استيراد النفط بإيداع سقف محدد لا يقل عن 200 كيلوجرام من الذهب في المصفاة القومية كشرط مسبق للتأهيل للاستيراد، تمثل نموذجاً صارخاً لعدم القدرة على قراءة “الصورة الكلية” للاقتصاد الوطني في مرحلة تحول حرجة تتطلب الانضباط الصارم. فالبعض رأى في هذا القرار حصراً لامتياز الاستيراد على الشركات ذات الملاءة المالية الكبيرة، والبعض الآخر اعتبره إقصاءً متعمداً للشركات الناشئة والصغيرة التي تقتات من هوامش هذه التجارة الحيوية، غير أن التحليل الاقتصادي الكلي يكشف أن هذه التفسيرات الضيقة تفشل في إدراك العلة الهيكلية للقرار، والتي تنطلق من مسؤولية البنك المركزي في بناء احتياطيات استراتيجية صلبة قادرة على دعم العملة الوطنية وإعادة التوازن للاقتصاد الكلي من خلال توجيه الموارد السيادية لمصلحة الدولة العليا لا الأفراد.
إن فلسفة هذا القرار تستند إلى منطق اقتصادي رصين بلغة الأرقام والوقائع؛ فحينما نتحدث عن قطاع حيوي كاستيراد المواد البترولية تتجاوز فاتورته الشهرية 110 مليون دولار، فإن إلزام الشركات بسقف 200 كيلوجرام من الذهب كغطاء، والتي تقارب قيمتها السوقية العالمية اليوم ما بين 14 إلى 15 مليون دولار، لا يعد تعجيزاً، بل هو معيار ملاءة طبيعي وموضوعي لضمان جدية الكيانات الهيكلية. فالذهب يمثل الملاذ الآمن والمثبت الحقيقي لقيمة النقد، وحينما يلزم البنك المركزي الشركات الموردة للمشتقات البترولية برفد مصفاة الذهب التابعة له برصيد عيني، فإنه يعيد توجيه الذهب السوداني من مسارب التهريب والاقتصاد الموازي والمضاربات إلى القنوات الرسمية، مما يمنح البنك المركزي قوة تصويتية وائتمانية كبرى في الأسواق الدولية.
وهنا يجب أن نستحضر البعد الأمني القومي بصراحة، فوفق بيانات UN Comtrade 2025م فإن 73% من ذهب السودان يُهرَّب عبر ثلاثة مسارات إقليمية رئيسية، وكل كيلوغرام مهرَّب يعادل خسارة مباشرة تبلغ 62 ألف دولار من الاحتياطي النقدي المحتمل، ويتحول إلى تمويل محتمل لشبكات موازية تهدد الاستقرار الداخلي للسودان والإقليمي. لذا فإن قرار الـ 200 كيلوغرام هو إجراء أمن قومي استراتيجي قبل أن يكون مالياً، ويمنح البنك المركزي غطاءً سيادياً دستورياً في مواجهة أي ضغوط من لوبيات السوق الموازي.
إن تفكيك حجة الشركات المعترضة بشأن “تجميد رؤوس أموالها” يبرهن على غياب المنهجية لديها؛ فالقرار لا يصادر الأصول بل يعتمد “آلية الغطاء الائتماني المتجدد”، بحيث يمنح الإيداع خط ائتمان وتصريحاً للاستيراد، لتعود الدورة الحيوية للتحرك وشراء الذهب مجدداً فور اكتمال البيع والاسترداد النقدي. وتلك الفئات التي تشتكي اليوم، ربما يجوز القول في حقها أنها تبحث عن استمرار مكاسبها الاستثنائية القائمة على المضاربة بالعملة الصعبة في السوق الموازي لتمويل استيرادها، وهو سلوك تدميري يضغط على سعر الصرف ويزيد من معدلات التضخم التي تجاوزت 157% في مايو 2026م. وبالتالي فإن كبح جماح الفوضى عبر هذا السقف الكمي هو خطوة تصحيحية تفرض الملاءة والجدية كمعيار أساسي لإدارة الشأن التجاري المرتبط بالأمن القومي السوداني.
ولتوضيح خطورة البديل، فإن سيناريو عدم تطبيق القرار يعني عجزاً إضافياً قدره 110 مليون دولار شهرياً في ميزان المدفوعات، وتآكل 2.3 طن ذهب شهرياً لصالح التهريب، وارتفاع الدولار الموازي بمعدل 9.7% شهرياً وفق نماذج الانحدار المعتمدة لدى البنك الدولي، أي أننا سنكون أمام انهيار نقدي شامل خلال 8 أشهر أو أقل.
وليس هذا القرار معزولاً عن سياق إصلاحي أوسع، إذ يلحظ المراقب الحصيف أن بنك السودان المركزي يمر بمرحلة إعادة هيكلة جذرية وضخ دماء حيوية في شرايينه، متمثلة في منشوراته الأخيرة الرامية إلى حوكمة القطاع المصرفي، والتحول المتسارع نحو الرقمنة الشاملة للعمليات المالية لتقليل الائتمان النقدي المتداول خارج النظام المصرفي والشركات والتي تقدر بأكثر من 80%.
ولعل الخطوة التاريخية الأخيرة المتمثلة في اعتماد الشركة الإلكترونية للمصرفية كوكيل معتمد لشبكة الاتصالات المالية العالمية بين البنوك في السودان، تعد قفزة نوعية في مسار إعادة دمج الاقتصاد السوداني بالنظام المالي الدولي. وهنا يكمن الربط الوظيفي المعمق؛ إذ إن توازي وجود احتياطي ذهبي حقيقي بمصفاة البنك المركزي مع النافذة التكنولوجية لشبكة SWIFT عبر EBS سيتيح للدولة الدخول في عمليات “المقايضة الدولية للذهب” وتأمين خطوط تمويل مباشرة من البنوك المراسلة دون وساطات إقليمية باهظة التكلفة. ويجب أن ندرك البعد الجيوسياسي: السودان ينتج 83 طن ذهب سنوياً رسمياً إضافة إلى 120 طن تقديرات موازية، وهو ما يجعله ثاني أكبر منتج في أفريقيا. إن تجميع 10 أطنان فقط في مصفاة البنك المركزي كفيل برفع التصنيف الائتماني السيادي للسودان من CCC إلى B- لدى وكالة Fitch خلال ستة أشهر، ويؤهله لخطوط مقايضة مع البنوك المركزية في الصين وروسيا ودول الخليج بقيمة تتجاوز 1.8 مليار دولار، ويربط الاقتصاد السوداني بمبادرة الحزام والطريق وتكتل BRICS. القرار إذن ورقة تفاوض دولية، وليس مجرد تنظيم محلي.
إن محاولات جر البنك المركزي إلى مربعات التجاذب السياسي، تحت مسميات “أبعدوني وقربوني” وضغوط اللوبيات التجارية المتضررة، هي محاولات تفتقر إلى المسؤولية الوطنية. فالصراع الحقيقي والمطالبات بتسهيل الإجراءات يجب أن توجه إلى الجهات التنفيذية والفنية المعنية بالقطاع، مثل وزارة النفط لرفع كفاءة التوزيع اللوجستي، بينما يجب أن تظل السياسة النقدية والائتمانية للبنك المركزي محصنة ومعزولة عن النفوذ المصلحي. ومن منظور أمني استراتيجي، فإن الجهات المعارضة للقرار تنقسم إلى ثلاثة أنماط تهديد: أولاً، شبكات تمويل الاستيراد عبر السوق الموازي التي ستفقد مصدر دولارها المكشوف. ثانياً، شركات الواجهة المستخدمة في غسيل الأموال العابرة للحدود. ثالثاً، المضاربون على العقود الآجلة للنفط الذين يعتاشون على فوضى التسعير. تسمية التهديد بدقة هي الخطوة الأولى لتحييده بقوة القانون والأمن. فالاستيراد العشوائي دون تقديم قيمة مضافة للاحتياطي القومي من الذهب أو العملات الأجنبية استنزاف لثروات البلاد، والبنك المركزي عبر سياساته الأخيرة يضع حداً لهذا الاستنزاف، مرسلاً رسالة واضحة بأن امتياز العمل في القطاعات الاستراتيجية يتطلب المساهمة الفاعلة في دعم الاستقرار النقدي، ولا يمكن للاقتصاد القومي أن يتعافى إذا استمرت السياسات النقدية مرتهنة لرغبات الشركات التي تعتمد على الموارد الشحيحة للدولة دون رفدها ببدائل حقيقية ومستدامة.
إن المنهج العملى والعلمى في تحليل القرار النقدي يقتضي الانتقال من مستوى “رد الفعل” إلى مستوى “الفعل الاستراتيجي الاستباقي”. لقد أثبتت الوقائع أن الحياد النقدي المطلق وهم في دول الأطراف التي تتعرض مواردها للنهب المنظم. وعليه، فإن قرار إلزام مستوردي النفط بغطاء ذهبي ليس إجراءً فنياً معزولاً، بل هو اللبنة الأولى في بناء “عقيدة الأمن الاقتصادي السوداني” التي تقوم على ثلاثية مترابطة: أولاً، السيطرة السيادية على الموارد الناضبة وعلى رأسها الذهب باعتباره مخزون القيمة النهائي. ثانياً، عزل أدوات السياسة النقدية عن التجاذبات السياسية والشبكات الريعية عبر التحصين القانوني والأمني. ثالثاً، إعادة دمج الاقتصاد السوداني في النظام المالي العالمي من موقع قوة تفاوضية مصدرها الاحتياطي العيني، لا من موقع المستجدي للقروض المشروطة.
إن العبور بالاقتصاد السوداني نحو بر الأمان يتطلب حماية استقلالية قرارات بنك السودان المركزي، والالتفاف حول رؤيته الاستراتيجية الهادفة لتعزيز سيادة الدولة على مواردها. فالشركات والتنظيمات التجارية تذهب وتتبدل، ولكن المؤسسات السيادية والقواعد الاقتصادية الصلبة هي التي تبقى لتصنع مستقبل الأوطان واستقرارها الشامل والمنشود. والدفاع عن البنك المركزي السوداني اليوم هو دفاع عن حق الأجيال القادمة في وطن يملك قراره النقدي، ويسيطر على ذهبه، ويتفاوض بندية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.



