مدير إدارة نظم المدفوعات بالبنك المركزي لــ”المحقق”: هناك فرق بين المحوّل القومي للمدفوعات وتشغيله حصري على البنك المركزي، وبين المحولات الخاصة وهي ما يتم الترخيص له

البنك المركزي حريص على إشراك القطاع الخاص في تطوير نظم المعاملات المالية، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني
سلطت قضية سحب الرخصة الممنوحة لشركة العسجد للحلول الذكية، بواسطة بنك السودان المركزي، والتي إنفرد موقع “المحقق” بخبرها، وما أعقب ذلك من جدل كثيف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الضوء على القضية من عدة زوايا وأثارت العديد من الأسئلة والاستفسارات الموضوعية وغير الموضوعية، بشأن طبيعة الإجراء الذي اتخذه البنك المركزي، وحول كيفية تنظيم تراخيص مشغلي محولات المعاملات المالية.
وقد وضع فريق التحرير في موقع “المحقق” الإخباري، عدداً من تلك الأسئلة على طاولة السيد، زاهر محمد عثمان فقيري، مدير إدارة نُظم الدفع في بنك السودان المركزى، فكانت حصيلة إجاباته في الحوار التالي:
ما هو محوّل المعاملات المالية، ولماذا يمنح البنك تراخيص لتشغيله؟
محوّل المعاملات المالية هو نظام تقني يربط المصرف المعين مع نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي وغير ذلك من خدمات التجزئة وإصدار البطاقات التي تعمل على نقاط البيع والصرّافات الآلية، ويربط المحول الخاص المصرف مع الجهات الخدمية الأخرى . ويمنح البنك المركزي تراخيص لمشغلي هذه المحولات بهدف توسيع خدمات الدفع الإلكتروني وتمكين القطاع الخاص من الاستثمار في قطاع نظم الدفع، ويدعم ذلك الشمول المالي ، كما إن هذه المحولات تخدم المصارف التي لا تمتلك محولات خاصة بها، إذا رغبت في التعامل معها، وتخلق بيئة تنافسية تساعد في تخفيض تكلفة الخدمات وتساعد في تعدد القنوات تفادياً لنقطة الفشل الواحد.
وما الفرق بين المحوّل القومي والمحولات الخاصة المرخصة؟
المحوّل القومي للقيود هو البنية التحتية المركزية للدولة، وهو مملوك للبنك المركزي ويشغله البنك المركزي أو يسند تشغيله لشركة الخدمات المصرفية الالكترونية (EBS) إحدى أذرع البنك المركزي ، وهذا المحول هو الذي تمر عبره القيود الواردة من المحولات الخاصة لأغراض التسوية بين المصارف وتسجيل القيود المالية للمعاملات بين البنوك ومطابقتها وتسوية أرصدتها في منظومة قومية موحدة، ويمثل العمود الفقري لنظام المدفوعات في البلاد ومرجعيته النهائية.
أما المحولات الخاصة المرخصة فهي بنية تشغيلية تقنية تديرها مصارف تجارية أو شركات مرخصة بعد أخذ موافقة من البنك المركزي واستيفاء متطلبات الترخيص المعلنة في موقع البنك المركزي والتي تغطي الجوانب الفنية والتقنية ومتطلبات الحوكمة . والمحولات الخاصة تعمل على تقديم خدمات ربط إضافية للمصارف التي لا تمتلك محولات خاصة، وهي تتيح التوسع في نشر نقاط البيع والبطاقات والخدمات المرتبطة بها .
وتعمل المحولات الخاصة تحت إشراف ورقابة البنك المركزي وفق الضوابط والمعايير التي يحددها، ولا تحل محل المحول القومي المركزي و لا تنافسه في دوره السيادي، وإنما تكمّل دوره في توسيع وتعدد خدمات الدفع الالكتروني.
هل شركة العسجد أول شركة تحصل على هذا النوع من الترخيص؟
لا.. سبق أن تم منح تراخيص مماثلة لتشغيل محولات خاصة لشركتين أخريتين في عامي 2024 و 2025. فالترخيص باب مفتوح لأي شركة تستوفي الشروط الفنية والمالية والرقابية المعلنة، وليس إجراءً استثنائياً لجهة بعينها.
و لماذا لم تُطرح عملية تشغيل المحوّل الخاص الممنوح لشركات القطاع الخاص في مناقصة (عطاء) عامة؟
لأن تشغيل المحولات يخضع لنظام الترخيص لا لنظام المشتريات الحكومية. فالعطاء أداة تستخدمها الدولة حين تشتري سلعة أو خدمة بمالها العام، بينما الترخيص إذنٌ تنظيمي يُتاح لكل شركة مؤهلة تتقدم وتجتاز معايير الفحص المعلنة. وهذا هو المعمول به في تنظيم قطاعات الدفع، وهو ما جرى مع الشركات المرخصة سابقاً.
وبخصوص شركة العسجد، هل ألغى البنك اتفاقاً وقّعه، أم سحب ترخيصاً منحه؟
ما جرى هو سحب تصديق (ترخيص) رقابي، وليس فسخ اتفاق تجاري. والتصديق الممنوح لمقدمي خدمات الدفع هو إذن تشغيلي مشروط بالالتزام المستمر باللوائح والمعايير المعلنة، ويظل خاضعاً للمراجعة الدورية طوال فترة سريانه. وسحبه عند اختلال أحد شروطه إجراء رقابي طبيعي، لا تراجع ولا تناقض.
لماذا يُمنح الترخيص ثم يُسحب بعد فترة وجيزة؟ أليس هذا دليلاً على قصور الفحص الأول؟
الرقابة عملية مستمرة لا تنتهي بمنح الترخيص. فالبنك يواصل مراجعة أوضاع الجهات المرخصة طوال عمر الترخيص، وحين تستجد وقائع أو يختل التزام بالشروط، يتخذ الإجراء المناسب بما فيه السحب. وسحب التصديق استناداً إلى مراجعة لاحقة هو دليل على أن الرقابة فاعلة وحية، لا على قصور الفحص الأول. والمعيار السليم ليس ألا يُسحب ترخيص أبداً، بل أن يُسحب فور توفر مقتضاه.
ما هي الأسباب التفصيلية التي أدت إلى سحب التصديق من العسجد؟
صدر القرار بناءً على توصية لجنة فنية وقانونية مختصة، وبعد مراجعة شاملة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المعلنة. وكما هو معمول به لدى البنوك المركزية والجهات الرقابية حول العالم ، ولا يُفصح البنك عن التفاصيل الرقابية الدقيقة لملفات الجهات الخاضعة لإشرافه، حمايةً لسلامة النظام المصرفي وخصوصية الإجراءات، مع التأكيد على أن القرار استند إلى أسس مؤسسية موثقة لا إلى اعتبارات فردية.
هل جاء القرار استجابةً للضغط الإعلامي والحملة على منصات التواصل؟
القرار صدر عن توصية لجنة مختصة ووفق مسار مؤسسي محدد، لا استجابةً لضغط لحظي وبني على معايير فنية قانونية. وقد سبقه بيان توضيحي وثّق الإطار التنظيمي قبل صدور القرار، بما يؤكد أن البنك كان يدير الملف وفق منهجية معلنة لا كرد فعل. ويثمّن البنك تفاعل المواطنين والمهتمين مع الشأن العام بوصفه صورةً من صور الرقابة المجتمعية، ويقدّر حسّهم الوطني وغيرتهم على مؤسساتهم، كما يؤكد أن هذا التفاعل المسؤول رافدٌ لجهود الإصلاح وحماية المال العام.
هل تأثرت أموال المواطنين أو بياناتهم نتيجة منح الترخيص ثم سحبه؟
لم يبدأ تشغيل فعلي أو ربط بين الشركة والمنظومة المصرفية؛ إذ يشترط البنك الحصول على موافقة كتابية مسبقة قبل أي عملية ربط أو تبادل بيانات، ولم تُمنح هذه الموافقة. وعليه، فإن قرار سحب التصديق جاء قبل دخول أي أموال أو بيانات للعملاء في نطاق تشغيل الشركة. كما أن البنك ملزم جميع الجهات في قطاع المدفوعات بأعلى معايير العالمية لأمن المعلومات وحماية البيانات.
و ما مصير حقوق أي متعاملين مرتبطين بالشركة؟
اتخذ البنك الترتيبات اللازمة لحماية حقوق المتعاملين، وبالرغم من أن الشركة لم تقم بأي معاملات إلا أن البنك سيتخذ من الإجراءات ما يحفظ حقوقهم. ويؤكد البنك أن حماية حقوق المتعاملين وسلامة أموالهم أولوية لا تقبل المساومة في جميع قراراته الرقابية.
ما هو الضمان لعدم تكرار مثل هذه الإشكالات مستقبلاً؟
يواصل البنك تطوير أطره الرقابية على قطاع التقنية المالية، ويؤكد أن اللجنة المختصة مستمرة في فحص الطلبات المقدمة من الشركات الراغبة وفق معايير تُطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز. كما يرحب البنك بشراكة القطاع الخاص الجادة في تطوير خدمات الدفع، ضمن منظومة تنظيمية واضحة تحمي النظام المالي وتخدم المواطن.
ما انعكاسات هذا القرار على الاستثمار في قطاع التقنية المالية ؟
القرار رسالة انضباط تنظيمي تطمئن المستثمر الجاد والملتزم، لأنه يؤكد أن القواعد واحدة للجميع وأن الالتزام بها هو أساس الاستمرار. والتراخيص الممنوحة للشركات الملتزمة سارية ومستقرة، والبنك حريص على بيئة استثمارية واضحة المعالم يُقرأ فيها كل قرار كدليل قواعد راسخة لا كتقلب مفاجئ.




المحول الرقمي .. والرقص في بيت البكا
أخيرا، وبعد أن كادت “الضرورة التقنية” تبيعنا في دلالة المعاصرة، استيقظ بنكنا المركزي الموقر على صرخة الأجهزة الأمنية والأسافير، ليركب موجة “التصحيح الثوري” ويلغي رخصة تلك الشركة الناشئة. ولكي تكتمل الملهاة، خرج علينا مدير إدارة نظم الدفع بالبنك المركزي في حوار “تغطية العورة الإدارية”، محاولاً إقناعنا بأن الجنازة لم تكن بحاجة إلى صياح، وأن الميت مدفونٌ وفقاً “لأعلى المعايير العالمية الحية”!
دعونا نفكك هذه المغالطات:
أولاً: عبقرية “الفحص اللاحق”.. نمنحك الرخصة لنرى هل تستحقها؟
يتحفنا المسؤول المركزي بتبرير يكتب بماء العبث؛ إذ يقول إن سحب الترخيص بعد يومين لا يعني قصوراً في الفحص الأول، بل هو دليل على أن “الرقابة حية”! يا للمفهوم السريالي للرقابة! البنك هنا يتصرف كطبيب يمنح المريض جرعة سم، وحين يموت المريض فوراً، يبتسم الطبيب ويقول: “أرأيتم؟ جهاز فحص الوفاة عندي يشتغل بدقة وبسرعة!”. كيف تمنح لجنة “فنية وقانونية” رخصة سيادية حساسة لشركة ناشئة تحوم حولها شبهات، ثم تكتشف في الـ 48 ساعة التالية أن الشروط “اختلت فجأة” قبل أن يركبوا المولدات؟ هذا ليس فحصاً لاحقاً، هذا “استهبال إداري” تم كبحه بعد أن بلغت القلوب الحناجر.
ثانياً: خطيئة الفرح الغبي ..
القصة الحقيقية تكمن في قلة خبرة وغرور تلك الواجهة؛ فالشركة لشدة فرحتها بالصيد الثمين، أقامت حفل تدشين باذخا وصاخبا بفلاشات سينمائية، وبدلا من أن تلعب في مساحتها كـ “محول خاص” و”تلملم دورها”، خرجت لتقول للإعلام بملء الفم: “لقد دشنّا محولاً قومياً”! وهنا “أوردت الشركة نفسها موارد الهلاك، وفضحت عورة صفتها”. المحول القومي يا سادة هو العمود الفقرى للدولة وسرها العسكري المالي، وحين سمعت الأجهزة الأمنية وقادة المصارف أن شركة حديثة العهد تملك طموحاً لابتلاع سيادة الدولة المالية تحت غطاء الابتكار، أصابهم الفزع السيادي، وصدر الأمر العالي: “اقطعوا الحبل قبل الفأس ما تقع في الرأس، والغوا الصفقة فوراً”.
ثالثاً: إنكار الرضوخ.. “التايم لاين” الذي لم يحرك أحداً ولكن شكراً له!
في مشهد سينمائي مضحك، يصر المسؤول أن قرار الإلغاء نتاج مسار مؤسسي هادئ، ولم يكن استجابة لضغط أو “زوبعة الأسافير”، ثم في السطر التالي مباشرة يتنحنح ويشكر المواطنين على “الرقابة المجتمعية والتايم لاين”! لولا أقلام الصحافة الوطنية اليقظة التي قرعت الطبول (وعلى رأسهم الأستاذ عزمي عبد الرازق)، ولولا الضجيج الذي عرّى الصفقة المريبة في غرف الظلام، لكانت بيانات السودانيين في السهلة ومفاتيح تشفير أموالهم الآن تتجول في دهاليز العواصم المشبوهة والواجهات الغامضة كبضاعة “رخيصة ملقاة على أرصفة العبث الاستخباراتي”.
عزاؤنا الوحيد في هذه الملهاة هو تلك الطمأنة الباردة بأن “الربط الفعلي لم يبدأ، والبيانات لم تُستبح بعد”؛ أي أننا بحمد الله تداركنا النيران قبل أن تأتي على ما تبقى من رماد الدولة. نحن لا نخاصم المستقبل، ولا نقف في وجه التطور الرقمي، لكننا نرفض أن تصبح “عصرنة” النظم المالية مجرد ستارٍ صقيل تُمرر من خلفه صفقات التمكين المشبوه، وتُبيض عبره أموال الحرب. لقد تمزقت مسوح الحداثة الزائفة قبل أن تكتمل فصول المسرحية، وظل الدرس النازف ماثلاً أمامنا: إن الابتكار الحق لا يولد في غرف التنازلات المظلمة، وسياج الوطن لا يحميه الهواة. وتذكروا دائماً.. “كل رخصة.. وأنتم مستيقظون!”