
المحقق – محمد عثمان آدم
إستعرض موقع “المحقق” الإخباري مؤخراً مقالًا حول التوترات المتصاعدة بين السعودية والإمارات وتأثيرها على الوضع في السودان. إلا أن مقالًا نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” تناول الموضوع من زاوية مختلفة وبتفصيل أدق إذ يبدو أن انسحاب الإمارات من منظمة “أوبك”، التي تهيمن عليها السعودية عمليًا، كان بمثابة محاولة لإلحاق الضرر بالمملكة، دون التصريح بذلك علنًا.
والآن، نشرت “فايننشال تايمز” مقالًا يعكس على ما يبدو ردًا سعوديًا مماثلًا. إذ ادعت الصحيفة أن التحويلات المالية من المملكة إلى الشركات والأفراد في دبي غالبًا ما تُعاد أو تتأخر، في مؤشر على توتر اقتصادي من نوع ما زال لم يخرج للعلن سياسةً. لكن ما يعطي هذه الاجراءات أهميتها هو أن حجم التبادل التجاري بين البلدين الخليجيين يتجاوز 20 تريليون دولار.
فقد قالت “فايننشال تايمز” إن البنوك السعودية تعمد إلى عرقلة أو تأخير التحويلات المالية من المملكة إلى حسابات في الإمارات، مما أثار مخاوف لدى الشركات من أن التوتر بين القوى الخليجية الكبرى يمتد إلى التجارة.
ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر متعددة قولها إن المدفوعات من جهات سعودية إلى حسابات شركات وأفراد مقيمين في دبي بالإمارات العربية المتحدة، قد عمد إلى إرجاعها أو تأخيرها منذ شهر مايو من قبل البنوك السعودية، دون أي تفسير واضح.
علاوة على ذلك، أفاد مسؤول تنفيذي غربي في شركة رعاية صحية مقرها دبي، أن ثلاث دفعات من عميل سعودي تتعامل معه الشركة منذ سنوات، قد تم تجميدها وإعادتها من قبل بنوك سعودية منذ منتصف مايو. وأوضح المسؤول أن الأموال “عادةً ما تُحتجز لمدة أسبوع تقريبًا دون أي استفسار من المرسل أو المستفيد، ثم تُرجع ببساطة”.
وأضاف: “حتى أنهم حاولوا إجراء تحويل شخصي، لكن ذلك رُفض أيضًا. لقد تحدثوا مع مسؤولي البنك، وتلقوا إجابات مغلفة يقولون فيها إن هناك تجميدًا من قبل البنك المركزي السعودي، ولا يمكنهم تقديم تفاصيل أكثر من ذلك”.
إلا أنه نُقل عن البنك المركزي السعودي تأكيده على أن القطاع المالي “يعمل ضمن إطار تنظيمي متين”، وأنه “لا توجد قيود مباشرة على دول محددة؛ إذ تطبق البنوك معايير قائمة على تقييم المخاطر بشكل متسق على جميع المعاملات لضمان سلامة النظام المالي”.
ومع ذلك، نقلت الصحيفة عن مسؤول تنفيذي آخر مقيم في دبي قوله إن مدفوعاته من شركة سعودية باتت “تستغرق وقتاً طويلاً”. وأضاف: “لدينا عميل ينتظر بضائعه، لكن الدفع لم يتم”. وتابع: “العديد من الموردين [للمملكة العربية السعودية] يأتون من الإمارات، وبهذا التصرف يضرون بمصالحهم”.
وأشارت الصحيفة إلى سياق التبادل التجاري والاقتصادي بين المملكة العربية السعودية والإمارات، اللتين تتمتعان بأكبر اقتصادين في العالم العربي، وهما شريكان تجاريان رئيسيان بحجم تبادل تجاري ثنائي سنوي يتجاوز 20 مليار دولار.
وأوضحت أن العديد من الشركات تتخذ من دبي مركزاً لخدمة المملكة، وأن الرحلات الجوية إلى المملكة لا تزال مكتظة، بحسب مسؤولين تنفيذيين.
وأوضحت الصحيفة أن التوترات بين البلدين تصاعدت منذ أن اتهمت الرياض أبوظبي بدعم فصيل يمني انفصالي شن هجوماً على القوات الموالية للسعودية في اليمن في ديسمبر الماضي. واتهمت المملكة العربية السعودية الإمارات العربية المتحدة، التي كانت شريكها الرئيس في التحالف الذي قادته السعودية للتدخل في الحرب الأهلية اليمنية منذ عام 2015 لمحاربة الحوثيين المدعومين من إيران، بتهديد مصالحها الأمنية الوطنية بدعمها للهجوم.
وأكدت الصحيفة أن الأزمة أدت إلى أكبر شرخ بين دولتي الخليج الجارتين منذ عقود، وأججت التوترات المتصاعدة منذ فترة طويلة بشأن التنافس الاقتصادي والاختلافات في نهجهما تجاه الصراعات في المنطقة. وبدا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد خففت من حدة الخلاف في البداية، حيث سعت دول الخليج إلى توحيد صفوفها بعد أن أصبحت الهدف الرئيسي لرد الجمهورية الإسلامية. لكن المحللين يرون أن ذلك لم يكن سوى محاولة لتغطية الخلافات، وفي أواخر أبريل ، فاجأت الإمارات جيرانها بإعلان انسحابها من منظمة أوبك، التي تُعتبر السعودية زعيمتها الفعلية.
وأصرت الإمارات، التي كانت ثالث أكبر منتج للنفط في أوبك، على أن هذه الخطوة مرتبطة بـ”رؤيتها الاقتصادية وتطور قطاع الطاقة لديها”. لكن أبوظبي لطالما شعرت بالإحباط من حصص الإنتاج التي فرضتها منظمة أوبك، واعتُبر القرار بمثابة ضربة للسعودية.
وقد أصرّ مسؤولون سعوديون سابقاً على أن الخلاف السياسي مع الإمارات لن يؤثر على العلاقات التجارية أو الاقتصادية. وقال مسؤول إماراتي إن وزارة الاقتصاد لم تتلقَّ أي شكاوى أو تقارير من شركات القطاع الخاص بشأن صعوبات أو تأخيرات غير معتادة في إتمام التحويلات المصرفية بين الإمارات والسعودية.
وأضاف المسؤول: “تربط الإمارات والسعودية علاقات اقتصادية وتجارية عميقة وطويلة الأمد. ونحن على تواصل مستمر مع القطاع الخاص والجهات المعنية، وسنراجع أي مخاوف محددة تُعرض علينا عبر القنوات الرسمية”.
وقد أثار هذا التصريح تساؤلات. حيث نقلت الصحيفة عن رجل أعمال إماراتي قوله إنه بعد أن واجهت شركته حظرًا غير مبرر على التحويلات المصرفية من السعودية إلى الإمارات، اضطر إلى تحويل الأموال عبر البحرين. كما أُلغيَت دفعة مصرفية من عميل سعودي لشركة خدمات أخرى مقرها دبي الشهر الماضي، ما أجبرها على استخدام خيار باي بال الأكثر تكلفة. وقالوا: “لم أتلقَّ أي معلومات من البنك، ولا من المسؤولين السعوديين، فقط ظهرت رسالة “فشلت العملية”.
واختتمت الصحيفة المقال القصير بنقلها عن مسؤول تنفيذي مصرفي رفيع المستوى أن إحدى الشركات متعددة الجنسيات واجهت أيضًا صعوبات في تحويل الأموال من المملكة إلى شركة أخرى في الإمارات. وقال المسؤول: “توقفت بعض التحويلات، وكان الأمر غريبًا للغاية… بعضها مبالغ صغيرة جدًا، نحن لا نتكلم عن ملايين”. وقال مصدر آخر مطلع على الأمر إن الأشخاص الذين يحولون الأموال بين حساباتهم الشخصية أو إلى عائلاتهم وأصدقائهم واجهوا أيضًا مشاكل في الأسابيع الأخيرة.



