
المحقق – نازك شمام
يواجه السودان مأزقاً اقتصادياً جديداً، يُضاف إلى حزمة أرصدته من المشاكل الاقتصادية التي تعيشها البلاد بعد فترة الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع المتمردة. ويعاني الاقتصاد السوداني من اختلالات كبيرة تشمل التراجع المتكرر لعملته الوطنية، وضعف إنتاج القطاعين الزراعي والصناعي، بجانب الدمار الكبير للبنى التحتية الذي خلفته الحرب، وارتفاع معدل الاستيراد وقلة الصادرات.
ومع هذه الصعوبات، جاء قرار الاتحاد الأوروبي أمس (الأثنين) بفرض حظر تام على استيراد الذهب من السودان، وعلى تصدير الزئبق والسيانيد إليه.
وبحسب بيان الاتحاد الأوروبي فإن: “الاتحاد فرض حظراً على شراء أو استيراد أو تسليم الذهب المنتج في السودان، كما حظر بيع أو توريد أو تصدير أو تسليم الزئبق أو السيانيد إلى السودان”.
وأكد مجلس الاتحاد الأوروبي أيضاً أن العقوبات لا تشمل “استيراد الزئبق والسيانيد إلى السودان لأغراض إنسانية أو صحية”. وأن العقوبات الجديدة سوف تقيد قدرة السودان على إدخال الذهب إلى الاتحاد الأوروبي عبر دول أخرى.
وتأتي القيود في إطار محاولات الاتحاد الأوروبي لما يقول إنه “كبح للصناعات التي يمكن أن تؤجج الحرب الأهلية في السودان الجارية منذ عام 2023.”
وتعتبر هذه العقوبات الجديدة هي الأولى من جانب التكتل الأوروبي منذ شهور فيما يتعلق بالصراع الذي غالباً ما يتم تجاهله، كما فرض التكتل عقوبات على العديد من أطراف القتال.
وبلغ إنتاج السودان من الذهب خلال العام الماضي 70 طناً بحسب تقارير وإحصاءات رسمية، وسط اعتماد كلي على المعدن كأهم مورد للنقد الأجنبي، لا سيما في ظل احتدام الحرب المشتعلة منذ ثلاثة أعوام، والتي تسببت للاقتصاد القومي في خسائر فادحة بعد تعطل عجلة الإنتاج.
ويوجد في السودان قطاع آخر للتنقيب عن الذهب، وهو الأهلي أو التقليدي، وهو الأوسع انتشاراً ويساهم بأكثر من 70 بالمئة من الإنتاج الإجمالي للسودان، لكن الدولة غير قادرة على السيطرة عليه.
ويرى مراقبون أن قرار الاتحاد الأوروبي سيفتح الباب واسعاً أمام تهريب الذهب إلى الخارج بدلاً من تصديره عبر القنوات الرسمية لصالح الخزينة العامة.
غير أن الخبير الاقتصادي، أحمد بن عمر، قلل من تأثير قرار الاتحاد الأوروبي على صادرات الذهب لجهة أن معظم الذهب المصدر من السودان لا يصل أوروبا.
وقال بن عمر في حديثه لــ”المحقق” إن هنالك تغيرات مستمرة لتجارة الذهب عبر تغيير سياساتها ومساراتها التي يتحكم فيها التجار بصورة أكبر من الحكومة التي يقتصر دورها على إصدار السياسات المنظمة.
وأضاف إن التغيير الأخير في مسار تجارة الذهب كان بعد الحظر الإماراتي الذي فرض مساراً جديداً لتهريب الذهب عبر مصر.
وأضاف بن عمر أن الذهب السوداني في حالة التهريب يفقد شهادة المنشأ ويعاد صقله وتشكيله في الدول المهرّب إليها، والتي غالباً لا تشمل دولاً أوروبية على حد قوله.
وأكد على أن الذهب الذي يُصدّر بصورة رسمية أيضاً لا يذهب إلى دول أوروبية، مبيناً أن الحكومة دائماً ترغب في الاحتفاظ بالذهب على شكل سيولة تجنباً للصدمات التي يمكن أن تحدث.
وأشار إلى أن تأثير قرار الاتحاد الأوروبي لن يكون على الذهب بقدر ما سيكون التأثير كبيراً على مدخلات إنتاجه المتمثلة في السيانيد والزئبق.
وأبان أن أغلب المستخدمين للسيانيد والزئبق هم المعدنون الأهليون، وغالباً ما يلجأون للتهريب لامتلاك هذه المدخلات وليس عبر الجهات الرسمية.
بدوره، يرى خبير التجارة الدولية، حبيب الله عبد الوهاب، أنه لن يكون للحظر الأوروبي على صادرات الذهب أثر كبير على مسار المعاملات الحالية لجهة أن الاتحاد الأوروبي بدوله وشركاته العابرة للقارات ليس لديه أي شراكة تجارية حالية أو محتملة في المستقبل القريب مع السودان.
وأوضح عبد الوهاب لــ”المحقق” أنه ليس من السهل تتبع مسار عمليات تجارة الذهب، وذلك لأن المتعاملين فيها من منقبين وتجار لديهم هامش مناورة كبير يمكنهم من تجاوز هذا الحظر إذا أدركهم في أسواقهم الحالية بصورة أو بأخرى.
وقال: “سيكون للحظر أثر بالغ حال تبنت الحكومة أي دور أو سياسة أو أي إجراءات تشي أو تؤشر على نيتها للاستحواذ على تجارة الذهب؛ لأن استهداف الحكومة وشركاتها من الأمور السهلة وذلك لضيق هامش المناورة التي تتمتع بها الدوائر الرسمية الحكومية عادة”.
وأوضح حرص العديد من البنوك المركزية حول العالم على بناء احتياطيات كبيرة من المعدن النفيس، وستسعى هذه البنوك إلى إدراك ما تستطيع من المعروض المتاح في السوق العالمي عبر أي بورصة معتمدة أو حتى الشراء المباشر الفعلي.
وشدد عبد الوهاب على أهمية أن تهتم الحكومة بالصادرات الأخرى والتركيز على الخيارات التي بين يديها لتعزيز قوة ميزانها التجاري وتنويع مصادر النقد الأجنبي تحسباً لأي حظر قادم.



