رأي

الورقة التحليلية الثالثة: اقتصاد الحرب … عندما تصبح الحرب نظاماً اقتصادياً

هشام يوسف عبد الرحمن

إذا كانت الحروب الجديدة قد أعادت تعريف طبيعة الصراع، وكانت حروب الوكالة قد أعادت تعريف أساليب إدارته، فإن مفهوم اقتصاد الحرب يفسر سبباً بالغ الأهمية لاستمرار كثير من النزاعات المعاصرة. فالسؤال لم يعد: كيف تبدأ الحروب؟ وإنما أصبح: لماذا تستمر، حتى عندما تتراجع فرص الحسم العسكري، أو تتوافر فرص التسوية السياسية؟

لقد ظل الفكر التقليدي ينظر إلى الحرب باعتبارها حالة استثنائية تنتهي بتحقيق أهدافها السياسية أو العسكرية. غير أن التجارب التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة كشفت عن نمط مختلف من الصراعات، لا يبدو أن نهايتها تمثل مصلحة لجميع الأطراف المنخرطة فيها. ففي كثير من الحالات، تتحول الحرب تدريجياً من وسيلة إلى غاية، ومن حدث مؤقت إلى منظومة اقتصادية وسياسية واجتماعية تعيد إنتاج نفسها.

وقد كان بول كوليير من أوائل من قدموا تفسيراً اقتصادياً لهذا التحول. ففي دراساته حول الحروب الأهلية، يميز بول كوليير بين “المظالم ” (Grievance)، التي قد تفسر اندلاع الصراع، و”المكاسب الاقتصادية ” (Greed) التي قد تسهم في تفسير استمراره. وقد تعرض هذا الطرح لانتقادات واسعة بدعوى أنه يختزل دوافع الحروب الأهلية في “الجشع”. غير أن كوليير أوضح، رداً على منتقديه، أن استخدامه لمصطلح (Greed) لا يراد به وصفٌ أخلاقي للطمع أو الجشع، وإنما مفهوم تحليلي يشير إلى المكاسب والحوافز الاقتصادية التي قد يولدها اقتصاد الحرب، بحيث يصبح استمرار الصراع، بالنسبة لبعض الفاعلين، أكثر جدوى من إنهائه. فالمفهوم هنا لا يحاكم النوايا أو الدوافع الأخلاقية، وإنما يفسر كيف يمكن لبنية الحوافز الاقتصادية أن تسهم في إدامة النزاع بعد اندلاعه، حتى وإن كانت أسبابه الأولى ذات طبيعة سياسية أو اجتماعية أو إثنية.

ومن هذا المنظور، لا يعود استمرار الحرب رهناً باستمرار المظالم وحدها، وإنما بقدرة الاقتصاد الموازي الذي نشأ في ظلها على تمويل نفسه وإعادة إنتاج مصالحه. وكلما توسعت هذه الشبكات، أصبحت الحرب أقل اعتماداً على التمويل التقليدي، وأكثر قدرة على الاستمرار حتى في ظل تغير الظروف السياسية والعسكرية.

ويذهب ديفيد كين إلى أبعد من ذلك حيث يطرح فكرة شديدة الأهمية مفادها أن العنف لا يمثل دائماً انهياراً للنظام، بل قد يتحول هو نفسه إلى وظيفة اقتصادية وسياسية. فالفوضى ليست، في كل الأحوال، نتيجة لفشل النظام؛ إذ قد تصبح، بالنسبة لبعض الفاعلين، البيئة الأكثر ملاءمة لتحقيق النفوذ، وإعادة توزيع الموارد، وخلق مراكز قوة جديدة يصعب قيامها في ظل دولة مستقرة.
وهنا يبرز تحول نوعي في فهم الحرب. فبدلاً من النظر إليها بوصفها انقطاعاً عن الحياة الطبيعية، تصبح الحرب إطاراً يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه. وتظهر أنشطة مالية وتجارية جديدة، وتنشأ شبكات للإمداد، والنقل، والوساطة، والتهريب، والجبايات، والاقتصاد غير الرسمي، بحيث يصبح عدد متزايد من الفاعلين مرتبطاً باستمرار هذا الواقع، لا بانتهائه.

ولذلك، فإن أخطر ما في اقتصاد الحرب ليس حجم الأموال التي يديرها، وإنما قدرته على خلق مصالح متشابكة تجعل إنهاء الصراع أكثر كلفة لبعض المستفيدين من استمراره. وعندما تصل الحرب إلى هذه المرحلة، لا يعود وقف إطلاق النار وحده كافياً لتحقيق السلام، لأن البنية الاقتصادية التي نشأت خلال سنوات الصراع تستمر في إنتاج دوافع جديدة لإدامته.

ومن هنا، فإن اقتصاد الحرب لا يقتصر على الجماعات المسلحة أو الأطراف المتحاربة، بل قد يمتد أثره إلى شبكات أوسع، تتقاطع فيها المصالح المحلية مع الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها الموارد الطبيعية مع طرق التجارة، والأسواق غير الرسمية، وحركة الأموال، والخدمات اللوجستية، والعقود، وسلاسل الإمداد. وكلما ازداد هذا التشابك، أصبحت الحرب أقل قابلية للحسم، لأنها لم تعد ترتبط بقرار عسكري أو سياسي منفرد، وإنما بمنظومة كاملة من المصالح.

وهنا تكتسب أطروحة ماري كالدور بعداً إضافياً؛ إذ ترى أن الحروب الجديدة لا تُموَّل بالطريقة التي كانت تُموَّل بها الحروب التقليدية، وإنما عبر اقتصاد مختلط يجمع بين الموارد المحلية، والدعم الخارجي، والشبكات العابرة للحدود. وبهذا المعنى، يلتقي تحليلها مع كوليير وكين عند نقطة جوهرية، هي أن استمرار الحرب يصبح، في ذاته، شرطاً لاستمرار الاقتصاد الذي نشأ في ظلها.
ولا يقف أثر اقتصاد الحرب عند الجانب المالي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية. فمع مرور الزمن، تتغير أنماط الإنتاج، وتتبدل مراكز النفوذ، وتظهر مصالح جديدة، وتتراجع سلطة المؤسسات الرسمية لصالح شبكات أكثر مرونة، لكنها أقل خضوعاً للقانون. وفي هذه البيئة، تصبح إعادة بناء الدولة أكثر تعقيداً، لأن المطلوب لا يقتصر على إنهاء القتال، بل يتطلب أيضاً تفكيك البنية الاقتصادية التي غذّت الصراع وأطالت أمده.

وهنا تتقاطع أفكار غونار ميردال حول “الدولة الرخوة” مع أطروحات فرانسيس فوكوياما بشأن بناء الدولة. فحين تعجز المؤسسات الرسمية عن أداء وظائفها الأساسية، تتسع المساحات التي تشغلها شبكات الاقتصاد الموازي، وتصبح قدرة الدولة على استعادة سلطتها مرهونة ليس فقط بإعادة بسط الأمن، وإنما بإعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية والإدارية والقانونية.

كما يلتقي هذا التحليل مع رؤية تشارلز تيلي، الذي يؤكد أن الدولة لا تُبنى بالقوة المجردة، وإنما بقدرتها على تنظيم الموارد، وفرض القانون، وبناء علاقة مستدامة مع المجتمع. فإذا انتقلت الموارد إلى شبكات غير رسمية، وانتقلت السلطة الاقتصادية إلى خارج مؤسسات الدولة، فإن استعادة الشرعية تصبح أكثر تعقيداً، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

ومن زاوية أخرى، يقدم عبد الوهاب المسيري قراءة تساعد على فهم كيف يمكن أن تتحول الفوضى إلى بيئة تسمح بإعادة إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة، لا عبر الاحتلال المباشر، وإنما عبر التحكم في الموارد، والأسواق، ومفاصل الاقتصاد، ومسارات إعادة الإعمار. فإدارة الفوضى قد تصبح، في بعض الحالات، أكثر فاعلية من إدارة الاستقرار، لأنها تتيح إعادة تشكيل موازين القوة بأدوات أقل ظهوراً وأكثر استدامة.

وبهذا المعنى، فإن اقتصاد الحرب لا يمثل مجرد أحد نتائج الصراع، وإنما يتحول إلى أحد أهم العوامل التي تفسر استمراره. فكلما توسعت شبكة المصالح المرتبطة بالحرب، تضاءلت فرص إنهائها عبر الحلول العسكرية وحدها، وأصبح السلام نفسه مشروعاً اقتصادياً وسياسياً يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وإعادة دمج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد الوطني.

وعند إسقاط هذا الإطار النظري على الحالة السودانية، لا يبدو الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، وإنما حالة تتقاطع فيها الموارد، وشبكات التمويل، والجغرافيا، والفاعلون المحليون والإقليميون، بصورة تجعل الاقتصاد جزءاً من تفسير الحرب، لا مجرد نتيجة لها. ومن ثم، فإن أي مقاربة تسعى إلى فهم ما يجري، أو إلى استشراف مآلاته، لا يمكن أن تكتفي بتحليل موازين القوى العسكرية، من دون أن تضع في الاعتبار البنية الاقتصادية التي نشأت في ظل الصراع، وما أنتجته من مصالح يصعب تجاوزها بقرارات سياسية أو عسكرية منفردة.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: إذا كانت الحروب تستمر عندما تنشئ اقتصادها الخاص، فما الذي يجعل بعض الدول أكثر قدرة على مقاومة هذا التحول، بينما تنزلق دول أخرى إلى حالة تصبح فيها الحرب جزءاً من بنية الدولة نفسها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى الحلقة التالية في البناء النظري لهذه الرؤية التحليلية، وهي الدولة؛ ليس بوصفها جهازاً إدارياً فحسب، وإنما بوصفها منظومة شرعية، ومؤسسات، ومجتمع، وقدرة على إنتاج المناعة الوطنية.

يتبع ،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى