كيف تعيد التحالفات الإقليمية صياغة معادلة الميدان؟

د. الهيثم الكندي يوسف
تحولت بلادنا إلى ساحة تقاطع معقدة تتأثر وتؤثر بشدة في تشكيل النظام الإقليمي، إذ أن الحرب الدائرة حالياً عندنا ليست شأناً داخلياً محضاُ أو مجرد نزاع محلي على السلطة، فأهمية السودان وموقعه الجيواستراتيجي الفريد على الشريط الساحلي للبحر الأحمر مع ثرواته وموارده الهائلة، يجعل هذا الملف بنداً هاماً لدى القوى الكبرى والإقليمية في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة حالة تشكل متسارعة.
حدد السودان اليوم تموضعه بالوقوف مع المحور الذي يرفض تفكيك مؤسسات الدولة ومحاولات إشاعة الفوضى، مدعوماً برؤية تقاطعت مع أهم الدول التي وقعت (اتفاقية مكة) والتنسيق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان والتي تتبنى رؤية السلطة الشرعية بهدف ترسيخ الاستقرار الإقليمي ودعم السيادة الوطنية، في مواجهة محاولات بعض القوى الإقليمية الأخرى لتوسيع نفوذها عبر التحالفات غير المعلنة لحمل المنطقة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.
وقد زادت حدة حرب الخليج والتصعيد العسكري في مضيق هرمز من القيمة الاستراتيجية للساحل السوداني، إذ أضحى ميناء بورتسودان ممراً حيوياً وبديلاً لحركة التجارة وسلاسل الإمداد الدولية، مما جعل استقرار المؤسسات الوطنية السودانية مطلباً إقليمياً لتأمين التجارة البحرية.
لقد انعكس هذا التموضع الجيوسياسي بشكل مباشر على الميدان العسكري عبر مسارين متوازيين، فمن ناحية تمثل في تضييق الخناق الدبلوماسي على خطوط الإمداد العابر للحدود لصالح مليشيا الدعم السريع، وذلك نتيجة تغير موقف عدد من دول الجوار وإعادة ضبط حساباتها وكذلك نتيجة ليقظة وكفاءة قواتنا الجوية.
ومن ناحية أخرى فإن استغلال القوات المسلحة السودانية لهذا التحول قادها لاستعادة زمام المبادرة وتكثيف عملياتها الميدانية في كردفان والنيل الأزرق وشمال وغرب دارفور، وفرض سيادتها على المنافذ والحدود خاصة تلك القادمة من ليبيا وتشاد، بالإضافة لتفكيك التماسك الداخلي للتمرد عبر استقطاب الكثير من قادة التمرد للرجوع إلي حضن الوطن.
وقد أدى هذا التقدم الميداني إلى كشف عجز المبادرات الدولية، فما بين مبادرتي (الرباعية) و (الخماسية) تراجعت الاطروحات التي كانت تحاول فرض تسويات هشة لا تراعي الواقع على الأرض. فقد فرض هذا التحول ضرورة إنهاء وجود المليشيات المسلحة وبسط سلطة الدولة كمدخل رئيسي لأي عملية سياسية أو تفاوضية مستقبلاً.
ومع اقتراب الحسم العسكري تتجه الأنظار نحو معركة ما بعد الحرب، حيث تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تتجاوز مجرد إيقاف إطلاق النار، إذ يتطلب التعافي تأمين عودة النازحين واللاجئين، واستعادة الحياة المدنية وبناء مؤسسات دولة القانون.
كما تشكل هذه المرحلة فرصة لإطلاق برنامج تشاركي لإعادة الإعمار يستغل ثروات السودان الزراعية والمعدنية وموقعه البحري المميز لجذب الاستثمارات وبناء شراكات اقتصادية مع حلفائه الإقليميين، بما يضمن تثبيت أركان الدولة الوطنية وترسيخ استقرار المنطقة بأكملها.



