
بكين- المحقق
أكد سعادة عمر عيسى، سفير جمهورية السودان لدى جمهورية الصين الشعبية، أن العلاقات السودانية الصينية تقف اليوم أمام مرحلة جديدة تحمل فرصًا واسعة لتعزيز الشراكة الثنائية، مشددًا على أن إمكانات التعاون بين البلدين «لا حدود لها»، وأن سبعة عقود من الصداقة والثقة والتفاهم المشترك يمثل قاعدة صلبة للانتقال بالعلاقات إلى شراكات عملية أكثر تأثيرًا
وقال السفير السوداني، في حوار خاص مع “مجلة طريق الحرير الدولية”، إن عودته إلى بكين سفيراً للمرة الثانية تمثل تجربة استثنائية تجمع بين الحنين والاعتزاز والدهشة، مشيرًا إلى أن الصين التي عرفها خلال دراسته وعمله الدبلوماسي شهدت تحولات هائلة في البنية التحتية والتكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي، مع احتفاظها في الوقت ذاته بقيمها الأساسية المتمثلة في الانضباط والاجتهاد وحسن الضيافة والاحترام المتبادل.
وأوضح عيسى أن تجربته السابقة في الصين رسخت لديه قناعة بأن مجالات التعاون بين البلدين أوسع بكثير من الأطر التقليدية، في ظل ما يمتلكه السودان من موارد زراعية ومعدنية وحيوانية وموقع استراتيجي على البحر الأحمر، وما تمتلكه الصين من خبرات وتقنيات وتجارب في الإنتاج والبناء والتحديث وتطوير المجتمعات الريفية والتعليم والتقانة.
إعادة الإعمار.. الأولوية العاجلة:
وأشار السفير عمر عيسى إلى أن الحرب خلفت دمارًا واسعًا وتداعيات إنسانية واقتصادية وتنموية كبيرة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب استثمار العزيمة السودانية لإعادة البناء، بالتزامن مع الرغبة الصينية في الإسهام في جهود إعادة الإعمار.
وأوضح أن خطة العمل تركز على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، خصوصاً المشروعات التي ساهمت الصين في تشييدها أصلاً، وثانيها استعادة النشاط الاقتصادي وتشجيع الشركات الصينية على العودة إلى السودان والاستثمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتعدين والزراعة والاتصالات، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري وفتح الأسواق أمام الصادرات السودانية.
ويتعلق المحور الثالث بالجانب الإنساني، من خلال تعزيز الدعم الموجه للشعب السوداني في المجالات الإنسانية والصحية والتعليمية، مؤكداً أن الهدف هو تحويل العلاقات السياسية المتميزة بين البلدين إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن السوداني وتدعم التعافي والتنمية وإعادة البناء.

النفط.. نموذج ناجح للشراكة الاستراتيجية:
وأكد عمر عيسى بأن قطاع النفط أحد أبرز نماذج نجاح العلاقات السودانية الصينية، مؤكداً أنه شكّل نقطة تحول استراتيجية في مسيرة التعاون بين البلدين.
وأوضح أن الشركات الصينية لعبت منذ تسعينيات القرن الماضي دورًا محوريًا في عمليات الاستكشاف والإنتاج وإنشاء خطوط الأنابيب والمصافي وتدريب الكوادر السودانية، الأمر الذي أسهم في وضع السودان على خريطة الدول المنتجة للنفط.
وأكد السفير أن الصين لم تفقد اهتمامها بهذا القطاع رغم تداعيات الحرب، مشيرًا إلى أن بعض الأنشطة تأثرت بالظروف الأمنية، إلا أن الاهتمام الصيني بالتعاون النفطي ما يزال قائماً، وأن بكين تنظر إلى السودان باعتباره شريكاً استراتيجياً يمتلك إمكانات واعدة على المدى الطويل.
وأشار إلى أن تحسن البيئة الأمنية والاستثمارية سيفتح الباب أمام استئناف وتوسيع أنشطة الشركات الصينية، بما في ذلك مجالات الغاز والطاقة المتجددة، معرباً عن ثقته في قدرة العلاقات السودانية الصينية على إعادة الزخم لهذا القطاع الحيوي.
الصين لم تتخلَّ عن السودان:
وفي ما يتعلق بالموقف الصيني من الأزمة السودانية، أكد السفير أن بكين تبنت منذ اندلاع الحرب موقفًا ثابتًا يقوم على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ورفض التدخلات التي من شأنها تعقيد الأزمة أو إطالة أمدها.
وقال إن الصين ظلت تدعم السودان في المحافل الدولية، وتؤكد أن مستقبل البلاد يجب أن يقرره السودانيون أنفسهم، إلى جانب استمرار التنسيق والتبادل بين البلدين في مختلف المحافل تحت رعاية قيادتي البلدين.
وأشار كذلك إلى المساعدات الإغاثية والإنسانية الصينية للمتضررين من الحرب، مؤكدًا أن الصين، رغم تضرر مصالحها ومشروعاتها في السودان، لم تتخل عن شراكتها مع الخرطوم ولم تتعامل مع العلاقة بمنطق الربح والخسارة الآنية.
وشدد عيسى على أن العلاقات بين البلدين لم تُبنَ على المصالح الاقتصادية وحدها، وإنما على تاريخ طويل من الاحترام المتبادل والثقة والتعاون، وهو ما مكّنها من الصمود أمام تداعيات الحرب.

الديون لا تختزل علاقة عمرها سبعة عقود:
وحول ملف الديون الصينية على السودان، دعا السفير إلى تناول القضية بهدوء وموضوعية، مؤكداً أن الالتزامات المالية أمر طبيعي في العلاقات التي شهدت تمويل مشروعات تنموية واستراتيجية كبيرة.
وأوضح أن الصين موّلت على مدى عقود مشروعات في قطاعات النفط والكهرباء والطرق والجسور والبنية التحتية، وأن ما ترتب عليها من التزامات مالية لم يكن سبباً في إضعاف العلاقات أو الحد من تطورها.
وأكد أن العلاقة السودانية الصينية «أوسع وأعمق من أن تختزل في ملف مالي»، مشيرًا إلى أن السودان يعمل على طرح مقاربة جديدة لأفضل السبل لمعالجة ملف الديون، وأن الجانب الصيني أبدى تفهمًا ومرونة، مع الإشارة إلى إجراءات سابقة لإعادة جدولة بعض الديون وإعفاء بعضها.
الموانئ والطاقة والزراعة والتعدين على أجندة الإعمار:
وكشف السفير السوداني عن عدد من المشروعات ومذكرات التفاهم التي يجري العمل عليها مع الجانب الصيني، مؤكدًا أن الصين ستكون من أكبر المساهمين في جهود إعادة إعمار السودان وتأهيل بنيته التحتية.
وأشار إلى توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة الموانئ البحرية والشركة الهندسية الصينية للموانئ البحرية للتعاون في إنشاءات الموانئ والأرصفة، إلى جانب مباحثات مع شركات صينية لإعادة تأهيل عدد من محطات الطاقة الرئيسية.
وفي القطاع الزراعي، أوضح أن البنك الزراعي السوداني وقع اتفاقيات مع شركات عاملة في مجال الآليات والمعدات لتوفير مستلزمات الإنتاج والتقانة والميكنة الزراعية.
كما أشار إلى توقيع وزارة المعادن السودانية عددًا من مذكرات التفاهم في مجالات الاستكشاف والتعدين، بالتزامن مع مباحثات بين هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية وهيئة المسح الجيولوجي الصينية بشأن مذكرة تفاهم في الاستكشاف والبحوث الجيولوجية.
وفي مجال التحول الرقمي، كشف عن العمل على مشروعات مشتركة طموحة لتأسيس البنية التحتية لهذا القطاع، بالتعاون مع وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية، مؤكداً أن هذه المشروعات تمثل نماذج أولية للعمل الكبير الجاري الإعداد له بين البلدين.
الدبلوماسية الشعبية.. جسر دائم بين الشعبين:
وأكد السفير عمر عيسى أهمية الدبلوماسية الشعبية وجمعيات الصداقة في دعم العلاقات الرسمية بين الدول، مشدداً على أن الصداقة بين الشعوب تمثل أساساً قوياً لازدهار العلاقات بين البلدان.
وأشاد بالدور الذي اضطلع به السودان في تعزيز أواصر الصداقة العربية الصينية، مشيرًا إلى استضافة الخرطوم المؤتمر الأول لرابطة جمعيات الصداقة العربية الصينية، واحتضان مقرها خلال الأعوام العشرين الماضية، إلى جانب تولي السودان منصب الأمين العام للرابطة.
وهنأ السفير رابطة جمعيات الصداقة العربية الصينية بمناسبة مرور عشرين عامًا على تأسيسها، معتبرًا أنها أدت دورًا مهمًا في تعزيز العلاقات الشعبية بين الشعوب العربية والصينية، وأسهمت في الحوار الثقافي والتواصل الأكاديمي وتبادل الوفود وتعزيز العلاقات الاقتصادية والشعبية.
وأكد ثقته في قدرة السودان، بعد تجاوز الظروف الاستثنائية التي يمر بها، على مواصلة احتضان الرابطة والاضطلاع بدوره التاريخي في دعم العلاقات العربية الصينية.
1665 طالباً سودانياً في الصين:
وفي الجانب التعليمي، كشف السفير السوداني عن وجود 1665 طالبًا ومبعوثًا سودانيًا في الصين، بينهم 720 مبعوثًا لدرجتي الماجستير والدكتوراه، مؤكدًا أن السفارة تعمل على رعاية هذا الوجود الطلابي وتعزيز مشاركته في الأنشطة الثقافية والمجتمعية.
وأشار إلى أن سنوات الحرب شهدت، بصورة لافتة، توافد أعداد أكبر من الطلاب السودانيين إلى الصين، معتبرًا أن هذا التطور يمثل فرصة لتعزيز التبادل العلمي والثقافي والشعبي بين البلدين، وتكوين كوادر سودانية مؤهلة قادرة على الدفع بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع.
كما أشاد بالفرص التي توفرها المؤسسات التعليمية الصينية للسودانيين من خلال المنح والبرامج التدريبية، مؤكداً أن السفارة تعمل على زيادة الفرص الدراسية والتدريبية للطلاب والمختصين السودانيين، لما لذلك من أثر مباشر في دعم التنمية وتعزيز التعاون السوداني الصيني.



