رأي

رماد الجنيه ونار الغلاء: هل ينجو السودان من مقصلة التضخم؟

 

د. الصادق على حاج الشيخ

بين نيلين يختصران حكاية الوجود، ينام السودان على وسادة من الذهب والخيرات، لكنه يستيقظ كل صباح على أنينٍ خفيّ يمزق الجيوب ويثقل كواهل الأسر. السودان، ذلك الوطن المترامي كقصيدة صوفية لم تكتمل، يواجه اليوم إعصاراً لا يضرب الأرض بالزلزال، بل يضرب الأقوات بالزوال؛ إنه التضخم الجامح الذي ينهش جسد الجنيه حتى غدا في عيون كثيرين ورقاً تذروه رياح الغلاء.

ليس التضخم في بلاد الملتقى مجرد أرقام تُتلى في نشرات اقتصادية جافة، ولا منحنيات بيانية يرسمها الخبراء في غرفهم؛ إنه دمعة أم تقف حائرة أمام دكان الحي، وزفرة أب يمضي يومه باحثاً عن ثمن رغيف الخبز أو جرعة دواء استعصت على يده. إنها حكاية طغيان الأسعار على الأحلام، حيث يمشي الغلاء متبختراً في أسواق الخرطوم والجزيرة ودارفور وبورتسودان، تاركاً وراءه مجتمعاً يكافح كي لا تبتلعه دوامة الفقر، ووطنًا يرى مدخرات عمره تتبخر كقطرة ندى تحت شمس الحرب والاضطراب.

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد قراءة لمؤشر اقتصادي: هل يستطيع السودان أن يوقف نزيف الجنيه، ويكسر الحلقة المفرغة التي تربط الحرب بتراجع الإنتاج، وتدهور العملة، وارتفاع الأسعار، واتساع رقعة الفقر؟

ماذا تقول أرقام 2026؟

تشير البيانات الواردة إلى تراجع معدل التضخم السنوي إلى 41.61% في يوليو 2026، مقارنة بـ51.28% في يونيو و44.50% في مايو. وإذا تأكدت هذه الأرقام من المصدر الرسمي، فإنها تعني تباطؤاً في سرعة ارتفاع الأسعار، لا انخفاضاً في الأسعار نفسها.
وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات الاقتصادية: انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة أن حياة المواطن أصبحت أرخص. فإذا ارتفع سعر السلعة اليوم بوتيرة أبطأ من الأمس، فإنها تظل أغلى مما كانت عليه. ولذلك قد لا يشعر المواطن بأي تحسن حقيقي ما دامت أسعار الغذاء والدواء والوقود تواصل الصعود.

وتزداد خطورة الوضع عندما يستحوذ الغذاء على النسبة الأكبر من إنفاق الأسر؛ فكل زيادة في أسعار الحبوب والزيوت والخبز والمواد الأساسية تتحول سريعاً إلى تراجع في القدرة على الإنفاق على الصحة والتعليم والسكن.

جذور التضخم .. أزمة متعددة الوجوه:
1. الحرب وصدمة العرض:
أدت الحرب إلى تعطيل قطاعات واسعة من الزراعة والتجارة والصناعة، وإلى إلحاق أضرار بالطرق والجسور وسلاسل الإمداد. كما خرجت مناطق إنتاجية مهمة من دورة الإنتاج المنتظم.
ومع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والمخاطر الأمنية، تصل السلع إلى الأسواق بتكلفة أعلى، فينشأ ما يعرف بـتضخم دفع التكلفة. وكلما انخفض المعروض من الغذاء والسلع الأساسية، ازدادت الضغوط على الأسعار.

2. انهيار الجنيه والتضخم المستورد:
يعتمد السودان على الاستيراد في توفير عدد من السلع والمدخلات الحيوية، بينما أدت الحرب إلى إضعاف الصادرات وتدفقات النقد الأجنبي.
ومع اتساع الفجوة بين الطلب على العملات الأجنبية والمعروض منها، تتراجع قيمة الجنيه، فترتفع تكلفة الاستيراد، ثم تنتقل الزيادة إلى المستهلك. وهكذا يصبح سعر الصرف أحد أهم قنوات انتقال التضخم إلى الحياة اليومية.

3. العجز المالي والتمويل النقدي:
أدى تراجع الإيرادات العامة مع استمرار الاحتياجات الحكومية إلى اتساع الضغوط على المالية العامة. وعندما يُموّل العجز بصورة نقدية متكررة من دون زيادة مماثلة في الإنتاج، يمكن أن تتزايد السيولة في اقتصاد يعاني أصلاً من نقص السلع والنقد الأجنبي.
لذلك فإن مواجهة التضخم لا يمكن أن تكون مسؤولية السياسة النقدية وحدها؛ بل تتطلب انضباطاً مالياً يضع حداً للدائرة التي تربط العجز بالنقود ثم الأسعار وسعر الصرف.

4. الاقتصاد الموازي وتشوهات السوق:
أضعفت الحرب قدرة المؤسسات على الرقابة والتنظيم، واتسعت مساحة الاقتصاد غير الرسمي. وفي مثل هذه البيئة تنشط المضاربات والاحتكارات والتسعير بناءً على توقعات مستقبلية لسعر الصرف.
لكن تحميل التجار وحدهم مسؤولية التضخم سيكون تبسيطاً للأزمة؛ فالمضاربة قد تزيد المشكلة، لكنها لا تفسر جذورها التي ترتبط بالإنتاج والمالية العامة وسعر الصرف والسيولة والحرب.

بنك السودان والتشريعات: الحلقة الغائبة
لا يمكن استقرار الجنيه من دون مؤسسات وقوانين تجعل الاستقرار النقدي سياسة مستدامة لا قراراً مؤقتاً.
ويحتاج السودان إلى تعزيز استقلالية بنك السودان المركزي، مع الحفاظ على مساءلته وشفافيته. فالبنك يجب أن يمتلك القدرة على إدارة السياسة النقدية بعيداً عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل، ولا سيما فيما يتعلق بتمويل عجز الموازنة.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة الإطار التشريعي المنظم للبنك والقطاع المصرفي، بما يضمن:
● وضع قيود واضحة على التمويل النقدي المباشر للعجز الحكومي.
● تعزيز استقلالية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية.
● إلزام البنك بنشر بيانات دورية وشفافة حول التضخم والسيولة والاحتياطيات.
● تطوير الرقابة المصرفية القائمة على المخاطر.
● تقوية قواعد الحوكمة وضمان الودائع.
● تحديث التشريعات الخاصة بالمدفوعات الإلكترونية والصرف الأجنبي.
● تشديد الرقابة على حصائل الصادرات، ولا سيما الذهب.

فالاستقلالية لا تعني أن يعمل البنك المركزي بلا رقابة، بل تعني استقلال القرار مع خضوع المؤسسة للمساءلة.
وفي الجانب الآخر، تحتاج وزارة المالية إلى إطار قانوني أكثر صرامة للمالية العامة، يضع قواعد واضحة للعجز والدين والإنفاق، ويمنع تحول الموازنة العامة إلى مصدر دائم للضغط على البنك المركزي.

كيف يمكن كسر مقصلة التضخم؟
أولاً: إصلاح نقدي ومالي متزامن
يجب ضبط نمو الكتلة النقدية، وتحسين إدارة السيولة والنقد الأجنبي، وتقليص التمويل النقدي للعجز، بالتوازي مع إصلاح النظام الضريبي والجمركي وترشيد الإنفاق العام.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد «سحب النقود»، بل تحقيق توازن بين استقرار الأسعار وتوفير التمويل الضروري للإنتاج.

ثانياً: إعادة تشغيل الإنتاج
لا يمكن محاربة التضخم في اقتصاد يعاني من نقص السلع من خلال السياسة النقدية وحدها.
لذلك ينبغي إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل المشاريع الزراعية، ودعم صغار المزارعين بمدخلات الإنتاج، وتأهيل الطرق ومرافق التخزين والنقل، وتشجيع الصناعات الغذائية والدوائية.
كل زيادة في الإنتاج المحلي تعني عرضاً أكبر للسلع، وحاجة أقل إلى الاستيراد، وضغطاً أقل على النقد الأجنبي.

ثالثاً: إصلاح الجهاز المصرفي
استعادة الثقة في المصارف شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد. ويتطلب ذلك تحديث أنظمة الدفع، وتحسين الوصول إلى السيولة، وحماية الودائع، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية.

كما أن إعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي تساعد على تقليص الاقتصاد الموازي وتحسن قدرة السلطات النقدية على إدارة السيولة.
رابعاً: إصلاح سوق الصرف
لا يكفي تجريم السوق الموازي إذا ظلت القنوات الرسمية عاجزة عن توفير النقد الأجنبي بصورة شفافة وفعالة.

المطلوب هو تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتشجيع الصادرات، وضمان عودة حصائلها عبر الجهاز المصرفي، ومحاربة تهريب الذهب والسلع، مع بناء سوق صرف أكثر شفافية.

خريطة طريق مختصرة
في المدى القصير، من شهر إلى ستة أشهر:
تأمين ممرات الغذاء والدواء، حماية الأسواق من الاحتكار، دعم الأسر الأكثر فقراً، توسيع المدفوعات الإلكترونية، وتحسين تدفق السلع الأساسية.
في المدى المتوسط، من ستة أشهر إلى سنتين:
إعادة تأهيل المصارف، دعم الزراعة، إعادة تشغيل المشاريع الإنتاجية، تطوير الصناعات الغذائية والدوائية، وإصلاح النظام الضريبي والجمركي.

في المدى الطويل:
تعزيز استقلالية بنك السودان، بناء مؤسسات مالية مستقرة، تطوير التشريعات الاقتصادية، جذب الاستثمار، وزيادة القيمة المضافة للصادرات في الذهب والزراعة والثروة الحيوانية.

خاتمة:
ومهما اشتدت حلكة الليالي، وتمادت عواصف التضخم في بعثرة تفاصيل الحياة اليومية، يبقى السودان بلداً عصياً على الانكسار، يحمل في أحشائه بذور بعث اقتصادي لم تمت، وإن غطاها الركام.

إن الجنيه الذي ينزف اليوم كبرياءه في ردهات الأسواق، ليس محكوماً بأن يظل أسيراً لهذا النزيف إلى الأبد. فاستعادة قيمته لن تأتي بقرار إداري عابر، ولا بشعار يرفع في موسم سياسي، وإنما حين تلتئم جراح الوطن، وتعود عجلات المصانع إلى الدوران، وتخضر حقول الجزيرة وسنار ودارفور وكردفان، وتعود الطرق آمنة، والأسواق عامرة، والإنتاج قادراً على منافسة الغلاء.

التضخم ليس قدراً سرمدياً كُتب على جبين هذا الشعب، لكنه أيضاً ليس سحابة صيف يمكن أن تتبدد بالتمني. إنه حصيلة تراكمات اقتصادية وسياسية وأمنية، ولذلك فإن الخروج منه يبدأ من المكان الذي بدأت فيه الأزمة: من استعادة الاستقرار، وبناء المؤسسات، وإحياء الإنتاج، وإعادة الثقة إلى الجنيه والاقتصاد معاً.

وغداً، عندما تتشابك الأيادي فوق ركام الحرب، وتبدأ رحلة البناء الحقيقي، قد لا يعود النيلان مجرد شاهدين على مأساة وطن، بل يصبحان مجدداً رمزين للحياة والخصب والانبعاث.
عندها، حين تدور عجلات الإنتاج، وتعود الحقول إلى خضرتها، ويستعيد السوداني قدرته على شراء حاجاته بعرق جبينه لا بمدخرات تتآكل كل صباح، ستبدأ أغصان الأمل في الإزهار من جديد.

ولعل السودان، الذي طالما خرج من قلب المحن أكثر صلابة، يثبت مرة أخرى أن الأوطان لا تُقاس بما أصابها من جراح، وإنما بما تملك من قدرة على النهوض.
فهل ينجو السودان من مقصلة التضخم؟
نعم، يمكنه ذلك؛ لكن الطريق إلى النجاة لن يمر عبر الجنيه وحده، بل عبر إعادة بناء الاقتصاد والوطن معاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى