
الخرطوم- المحقق
نظّم اتحاد طلاب القانون الأفارقة – مكتب السودان (FALAS Sudan)، مساء أمس (السبت)، ندوة علمية عبر منصة «Google Meet» بعنوان: «الأمن المائي السوداني بين الإنصاف القانوني وتحديات سد النهضة»، شارك فيها عدد من الخبراء السودانيين في مجالات الموارد المائية والقانون والتفاوض، وشهدت حضوراً واسعاً من الباحثين والقانونيين والطلاب والمهتمين بقضايا المياه.
شارك في الندوة البروفيسور الدكتور المهندس سيف الدين حمد عبدالله – وزير الري والموارد المائية السوداني الأسبق، ورئيس فريق التفاوض حول سد النهضة سابقاً، والمدير التنفيذي الأسبق لمبادرة حوض النيل؛ والدكتور المهندس صالح حمد حامد – الرئيس الأسبق للجهاز الفني للموارد المائية ورئيس اللجنة الفنية لمفاوضات سد النهضة، والأستاذة سلمى مروان الرشيد – المستشارة القانونية السابقة لفريق التفاوض حول السد.
تطور التعاون بين دول الحوض:
استهل البروفيسور سيف الدين حمد عبد الله الندوة بورقة تناول فيها تطور التعاون بين دول حوض النيل، ابتداءً من مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية، ومشروع التعاون الفني لتطوير وحماية حوض النيل، وصولاً إلى تأسيس مبادرة حوض النيل وما ارتبط بها من برامج ومؤسسات مشتركة.
واستعرضت الورقة مسار التفاوض حول الإطار المؤسسي والقانوني لحوض النيل، ومراحل عمل فريق الخبراء واللجان الانتقالية والتفاوضية، والاجتماعات الوزارية التي سبقت صياغة الاتفاقية الإطارية التعاونية لحوض النيل، المعروفة باتفاقية عنتيبي، والقضايا القانونية والمالية والمؤسسية التي صاحبتها.
كما تناول البروفيسور سيف الدين الاتفاقيات والترتيبات التاريخية التي حكمت العلاقات المائية بين دول الحوض، ومن بينها اتفاقية مياه النيل لعام 1959، وإعلان الخرطوم للسلام والصداقة بين السودان وإثيوبيا، والأطر الثنائية والإقليمية اللاحقة، إلى جانب إعلان المبادئ الموقع بين السودان ومصر وإثيوبيا حول سد النهضة في الخرطوم عام 2015.
وناقشت الورقة علاقة الإطار المؤسسي والقانوني لحوض النيل بقواعد القانون الدولي للمياه، ولا سيما مبادئ الاستغلال المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والإخطار المسبق، وحماية النظم البيئية والأراضي الرطبة، فضلاً عن تأثير الظروف الجيوسياسية والتغير المناخي في حاضر الحوض ومستقبله.
وتطرق البروفيسور سيف الدين إلى مساعي الانتقال من مبادرة حوض النيل إلى مفوضية دائمة، وأهمية بناء الثقة بين دول الحوض، وتعزيز دور القمم الرئاسية والاجتماعات الوزارية في تقريب المواقف وتحقيق التعاون القائم على المصالح المشتركة.
الآثار البيئية والتنموية لسد النهضة:
و قدّم الدكتور صالح حمد حامد، ورقته التي ركزت على الآثار التنموية والبيئية لسد النهضة على السودان، ومآلات المسار التفاوضي بين السودان ومصر وإثيوبيا.
واستعرض صالح حمد الأهمية الاستراتيجية للمياه بالنسبة إلى السودان، موضحاً أن موقع البلاد الجغرافي يجعل جانباً كبيراً من مواردها المائية مرتبطاً بأحواض وأنهار مشتركة مع دول الجوار، الأمر الذي يتطلب إدارة مؤسسية متكاملة تقوم على المعرفة الفنية والتخطيط الاستراتيجي والتعاون الإقليمي، مع المحافظة على الحقوق والمصالح الوطنية.
وتناولت الورقة موارد السودان من مياه النيل والأمطار والمياه الجوفية، والتحديات التي تواجه الاستفادة المثلى منها، وفي مقدمتها التذبذب المناخي، وضعف البنية الأساسية، وارتفاع تكاليف استثمار بعض الموارد، والحاجة إلى التخطيط المستقبلي لمقابلة الطلب المتزايد على المياه لأغراض الشرب والزراعة والطاقة والتنمية الاقتصادية.
كما ناقش صالح حمد الفرص التنموية التي يمكن أن يوفرها سد النهضة للسودان، إلى جانب المخاطر والتحديات البيئية والفنية المحتملة، مؤكداً ضرورة توفر المعلومات والبيانات الدقيقة، والتنسيق المستمر بين الدول الثلاث، والاتفاق على قواعد واضحة للملء والتشغيل، خاصة خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد. وتوقف العرض عند مراحل مفاوضات سد النهضة، والترتيبات الثنائية بين السودان وإثيوبيا، وجولات التفاوض التي جرت تحت مبادرات ووساطات مختلفة، بما فيها الجولات التي عُقدت خلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر 2023، مشيراً إلى استمرار الخلافات حول بعض القضايا الأساسية، وفي مقدمتها قواعد التشغيل، وتبادل البيانات، والتعامل مع الظروف الهيدرولوجية المختلفة، والطبيعة القانونية للاتفاق المنشود.
مداخلات الخبراء والمهتمين:
أعقبت الأوراق العلمية مداخلات ونقاشات من عدد من الخبراء والباحثين والقانونيين والمهتمين، تركزت حول مستقبل مفاوضات سد النهضة، والجهة المؤسسية التي ينبغي أن تتولى إدارة ملف المياه في السودان، وآليات صناعة القرار والفصل في النزاعات المائية، ومدى قدرة السودان على الاستفادة من الفرص التنموية للسد وتقليل مخاطره المحتملة.
وفي مداخلته، قدّم الدكتور عمار أبكر عبدالله، المقيم في مونتريال بكندا، عرضاً مختصراً لتجارب التعاون في إدارة المياه المشتركة بين كندا والولايات المتحدة، مستنداً إلى عمله البحثي في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية والحوكمة وقوانين التعاون وإدارة المياه العابرة للحدود، واهتمامه بتجربة الوكالة الكندية للمياه، فضلاً عن مشاركته في دورتين من اجتماعات مجلس حوض نهر ميلك – الجانب الكندي.
وأوضح دكتور عمار أن نهر ميلك، بوصفه نهراً عابراً للحدود بين كندا والولايات المتحدة، تُنظّم مياهه معاهدة مياه الحدود لعام 1909 وأمر اللجنة الدولية المشتركة الصادر عام 1921، مشيراً إلى أن تجربة الحوض تؤكد أن إدارة المياه المشتركة لا تقتصر على التفاهمات السياسية، وإنما تحتاج إلى قياسات وبيانات دقيقة، ومؤسسات مستمرة، ومشاركة حقيقية للمزارعين والبلديات والخبراء والجهات الحكومية والمجتمعات المحلية. وأشار إلى دور اللجنة الدولية المشتركة بين كندا والولايات المتحدة، والمكونة من ستة مفوضين بالتساوي بين البلدين، في دراسة المشروعات المؤثرة في مناسيب المياه وتدفقاتها، والإشراف على المجالس الفنية، والاستماع إلى المجتمعات، والمساعدة على منع الخلافات قبل تحولها إلى أزمات. كما استعرض تجربة معاهدة نهر كولومبيا، الموقعة عام 1961 والنافذة منذ عام 1964، بوصفها نموذجاً للانتقال من مجرد تقاسم المياه إلى تقاسم المنافع في مجالات إنتاج الكهرباء والحد من مخاطر الفيضانات، مع ضرورة مراجعة الاتفاقيات وتطويرها لاستيعاب قضايا البيئة والتغير المناخي وحقوق المجتمعات والشعوب الأصلية.
وأكد عمار أن السودان، بحكم موقعه الجغرافي، يُعد من أكثر دول حوض النيل تأثراً، وفي الوقت نفسه من أكثرها قدرة على بناء جسور التعاون، مشدداً على أن حماية حقوق السودان المائية تحتاج إلى العلم والقانون والقياسات الدقيقة والمؤسسات المستمرة والموقف الوطني الموحد.
رسالة لطلاب القانون:
ووجّه دكتور عمار رسالة إلى طلاب القانون وأعضاء اتحاد طلاب القانون الأفارقة – مكتب السودان، دعاهم فيها إلى الاهتمام بالقانون الدولي للمياه، والاتفاقيات العابرة للحدود، والتفاوض وتسوية النزاعات، والاستفادة من التجارب الأفريقية والدولية. وأكد أن قضايا المياه ليست شأناً هندسياً وفنياً فحسب، وإنما هي أيضاً قضايا قانون وحقوق وعدالة وتنمية وأمن قومي، وأن السودان يحتاج إلى جيل جديد يجمع بين القانون والعلم والسياسة والدبلوماسية، ويقدم رؤى علمية هادئة تحفظ حقوق البلاد وتدعم التعاون بين شعوب حوض النيل.
إطار وطني لإدارة المياه:
وشددت بقية المداخلات على أن قضايا المياه لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مسائل فنية مؤقتة أو مرتبطة بحكومة بعينها، وإنما بوصفها قضايا استراتيجية تتصل بالأمن القومي والسيادة والاستقرار والتنمية وحقوق الأجيال المقبلة.
ودعا المشاركون إلى بناء إطار وطني دائم لإدارة المياه المشتركة، يجمع الخبرات الهندسية والقانونية والبيئية والاقتصادية والدبلوماسية، ويضمن مشاركة الجامعات ومراكز البحوث والخبراء والمجتمعات المتأثرة في دراسة القضايا وصناعة السياسات واتخاذ القرارات.
كما شددت النقاشات على أهمية توثيق الخبرة التفاوضية السودانية المتراكمة، وإتاحة المعلومات والدراسات للباحثين، وتأهيل جيل جديد من المتخصصين في القانون الدولي للمياه والدبلوماسية المائية وإدارة الأحواض المشتركة.
وخلصت الندوة إلى ضرورة صياغة موقف وطني سوداني متماسك يستند إلى العلم والقانون والمعلومات الدقيقة، مع مواصلة الحوار والتعاون بين دول حوض النيل، والعمل للوصول إلى ترتيبات قانونية وفنية عادلة تحفظ حقوق السودان وأمنه المائي، وتدعم في الوقت نفسه التنمية والاستقرار والتعاون الإقليمي.
وأكد المشاركون في ختام الندوة أن المياه إرث ومسؤولية وأمانة للأجيال المقبلة ..وأن حمايتها تبدأ بالعلم والوعي والعمل المشترك.



