ما قبل الانفجار… كيف صُنع المشـهد؟

عادل الرفاعي أبوالحسن
لم تكن الحرب في السودان، وفق قراءة عدد من المراقبين، مجرد خلاف داخلي تحول إلى مواجهة عسكرية، بل جاءت بعد سلسلة طويلة من التحولات السياسية والأمنية والإقليمية التي أعادت تشكيل المشهد وموازين القوى. ويرى أصحاب هذا التحليل أن محاولة السيطرة على السلطة لم تكن وليدة لحظة اندلاع القتال، وإنما سبقتها مرحلة من الإعداد والتهيئة شملت جوانب سياسية وإعلامية وعسكرية.
ففي الفترة التي سبقت الحرب، شهد المشهد السياسي – بحسب هذه القراءة – تغيرات لافتة، تمثلت في تراجع أو غياب أدوار عدد من القيادات المؤثرة، وتحييد بعض القوى والشخصيات السياسية بوسائل وظروف مختلفة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف قدرة بعض الأطراف على التأثير في مسار الأحداث. كما يرى هذا الاتجاه أن التحولات التي شهدتها بعض دوائر الإقليم أسهمت في خلق بيئة أكثر تعقيدًا، وأثرت على طبيعة التوازنات المحيطة بالسودان.
ويرى أصحاب هذا التحليل أن أي مشروع كبير يحتاج إلى بيئة مناسبة قبل ظهوره، وأن إضعاف أو تحييد القوى القادرة على الاعتراض يمثل جزءًا من صراع النفوذ الذي يسبق عادة التحولات الكبرى. ولذلك فإن فهم مرحلة ما قبل الحرب يعد مفتاحًا لفهم طبيعة المواجهة نفسها.
وفي السياق السياسي والإعلامي، يشير بعض المراقبين إلى أن الجناح السياسي للميليشيا تمكن من الوصول إلى عدد من المنابر والمنظمات والهيئات الدولية، وطرح خطابه تحت عناوين مثل الدولة المدنية والتحول الديمقراطي. ويرى منتقدو هذا المسار أن بعض الشخصيات التي لم تكن تمتلك وزنًا سياسيًا أو تمثيلًا انتخابيًا واضحًا حصلت على مساحات تأثير واسعة، ما منح المشروع غطاءً سياسيًا وإعلاميًا في مراحل مهمة.
أما على المستوى العسكري، فإن هذه القوة لا تشبه – وفق هذا التحليل – نماذج الميليشيات التقليدية التي عرفتها العديد من مناطق العالم، بل تتميز بتعدد مصادر الدعم، وتنوع عناصرها، وامتلاكها شبكات واسعة من العلاقات والاتصالات، إضافة إلى قدرات كبيرة في التسليح والحركة والإمداد.
وقد أثار حجم الإمكانات التي ظهرت خلال الحرب تساؤلات واسعة حول مصادر التمويل والقدرة على تعويض الخسائر والاستمرار في القتال لفترات طويلة. ويرى بعض المحللين أن وجود موارد مالية وشبكات دعم متعددة ساعد هذه القوة على الحفاظ على قدرتها العملياتية، وجعل المواجهة معها أكثر تعقيدًا من صراع محدود بين طرفين محليين.
ولم تقتصر المواجهة على ساحات القتال، بل امتدت إلى المجال الإعلامي والمعلوماتي. فقد شهدت الحرب نشاطًا واسعًا في صناعة الروايات، والتأثير على الرأي العام، ونشر الأخبار المضللة أو المتضاربة، عبر منصات وغرف إعلامية داخلية وخارجية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه المعركة الإعلامية كانت جزءًا من محاولة التأثير على الوعي الشعبي، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، والتشكيك في مسار الأحداث.
كما يرى بعض المحللين أن سرعة انتقال الميليشيا بين مراحل مختلفة من القتال، وقدرتها على إعادة الانتشار بعد تعرضها لضربات قوية، تشير إلى وجود خطط بديلة ومرونة تنظيمية تجاوزت ما هو متوقع من قوة مسلحة غير نظامية. كما أثارت بعض تحركاتها داخل المدن تساؤلات حول طبيعة المعلومات التي امتلكتها، خاصة في ما يتعلق بالمواقع الحيوية ومسارات الحركة، وهو ما فتح باب النقاش حول مصادر المعلومات والإسناد الذي اعتمدت عليه.
وفي الجانب الأمني والاجتماعي، يرى مراقبون أن استخدام الفوضى والترهيب وبث الخوف بين المواطنين كان له تأثير كبير في مسار الحرب، إذ إن السيطرة لا تتحقق فقط بالسلاح، بل أيضًا بمحاولة كسر الروح المعنوية للمجتمع وإضعاف قدرة الدولة على الصمود.
وفي المحصلة، فإن هذه القراءة ترى أن الميليشيا لم تكن مجرد قوة عسكرية منفردة، بل جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الحسابات السياسية والعسكرية والإعلامية والإقليمية. ومع ذلك، فإن تحديد طبيعة الجهات الداعمة أو حجم الأدوار الخارجية يظل بحاجة إلى أدلة موثقة وتحقيقات مستقلة.
لكن الدرس الأهم الذي تكشفه هذه الحرب هو وجود حاجة ملحة إلى تطوير منظومات الإنذار المبكر والرصد الاستراتيجي. فظهور قوة بهذا الحجم، ونمو قدراتها تدريجيًا، واتساع شبكاتها، كلها مؤشرات كان يجب أن تخضع لمتابعة وتحليل مستمرين من الجهات المختصة، ليس فقط لمعرفة حجم التهديد، بل لفهم أهدافه ومسارات تطوره وتأثيره المحتمل على أمن الدولة والمنطقة.
إن القصور الحقيقي لا يكمن فقط في التعامل مع الخطر بعد ظهوره، بل في عدم اكتشاف مقدماته في الوقت المناسب. فالدول القوية لا تنتظر وقوع الأزمات، وإنما تبني قدراتها على قراءة التحولات، وربط المؤشرات، واستباق المخاطر قبل أن تتحول إلى تهديدات كبرى.
ولهذا فإن حماية السودان مستقبلًا لا تتطلب تطوير القوة العسكرية فقط، بل تحتاج إلى دولة تمتلك مؤسسات استراتيجية قادرة على الرصد والتحليل والاستشراف، لأن العمل المبكر والوعي بالمخاطر هو خط الدفاع الأول عن أمن الدول واستقرارها.



