رأي

الذكاء الاصطناعي ينجح في حل معادلة نافييه-ستوكس

عبدالرحمن عبدالله محمد

في التاسع من سبتمبر، خرجت شركة OpenAI على العالم ببيان قصير حمل في طياته انتصاراً علمياً جديداً. جاء في نص البيان أن الوكلاء الآليين (AI agents) التي طورتها الشركة استطاعوا حل واحدة من أعقد المسائل الرياضية التي ظل العلماء يحاولون حلها لمدّة تزيد عن تسعين عاماً، وهي معادلة نافييه-ستوكس، إحدى مسائل جائزة الألفية في الرياضيات. في هذا المقال، نتناول بالبحث والتقصي هذا الإنجاز العلمي الكبير وكيف استقبلته الأوساط العلمية والدوائر الأكاديمية.

تصف معادلات نافييه-ستوكس حركة الموائع (السوائل والغازات). ولتقريب الفكرة، يستشهد البروفيسور ستروغاتز (عالم الرياضيات في جامعة كورنيل) بحركة الهواء في أنظمة التهوية، والتفاف الرياح حول الأوراق، وجريان الماء في الصنابير والأنابيب. يذكر البروفيسور أن هذه المعادلة لا يُقصد منها تفسير الظواهر المألوفة للموائع فحسب؛ إذ تقوم عليها محاكاة حاسوبية يستعين بها المهندسون لدراسة انسياب الهواء حول السيارات والطائرات، وحركة الماء حول السفن، مما يتيح استكشاف التصاميم قبل بناء نماذجها واختبارها.

أما السؤال الذي تتناوله مسألة الألفية، فيدور حول مصير جريان يبدأ منتظماً في فضاء ثلاثي الأبعاد: هل يظل منتظماً مع مرور الزمن، أم قد ينشأ فيه تفرد رياضي (نمط خارج عن إطار المعادلة التي تحكم حركة الموائع) تفقد عنده المعادلات قدرتها على تقديم وصف أملس للحركة؟ ويردّ ستروغاتز صعوبة المسألة إلى الطبيعة غير الخطية لمعادلات ميكانيكا السوائل (Fluid Mechanics)، فأجزاء الجريان تتفاعل ويؤثر بعضها في بعض، ولا يمكن فصلها إلى مسائل مستقلة ثم جمع حلولها ببساطة. وهنا تتضح المسافة بين حساب حركة معينة وبين البرهنة على ما يجوز أو لا يجوز حدوثه داخل النموذج الرياضي.

وبحسب ما ورد في بيان OpenAI، فقد أصدر الفريق العامل الذي أشرف على تطوير الخوارزميات الرياضية والوكلاء الآليين التي قامت بحل اللغز وثيقةً تتكون من 166 صفحة تتضمن البرهان الرياضي. وعلى الرغم من أنه من المبكر الحكم على صحة خبر OpenAI قبل أن يقوم فريق من العلماء بدراسة الوثيقة واستخدام نماذج مختلفة من الذكاء الاصطناعي لاختبار صحة حل المعادلة، إلا أن الخبر في حد ذاته فيه تحدٍ للعلماء والأكاديميين الذين أفنوا سنين طويلة في محاولة التوصل إلى حل لهذه المسألة الرياضية المعقدة، والتي تُعد واحدة من سبع مسائل رياضية استعصت على العلماء في القرن الواحد والعشرين؛ إذ تمكن فريق من العلماء في وقت سابق من التوصل إلى طريقة لحل مسألة واحدة فقط من هذه السبع، وظلت المسائل المتبقية تنتظر من يتصدى لها.

يرفض البروفيسور ستروغاتز اختزال الإنجاز في القول إن الذكاء الاصطناعي هو من قام بحل المسألة؛ فقد استند العمل إلى تراكم معرفي امتد لعقود من الزمان وإلى استراتيجية حديثة (أو إطار نظري لحل المعادلة) قام بوضعها علماء من إسبانيا. ولتقريب الصورة، تصوّر أن مجموعة من الرياضيين حاولوا تسلق قمة إيفرست شديدة الوعورة، واستطاع أحدهم أن يصل إلى أعلى نقطة ممكنة لكنه عجز عن الوصول إلى القمة فعاد منهكاً، إلا أنه قَدَّم لباقي الفريق خارطة تتضمن أفضل المسارات التي قد تقود إلى القمة، وتفاصيل عن المخاطر التي واجهها وكيف تغلب عليها. قام أحد أفراد الفريق بدراسة توصيات زميله وخاض التجربة نفسها، وبفضل الخبرات السابقة والتوصيات والمسار المقترح، استطاع أن يتجاوز النقطة التي وصل إليها زميله ويبلغ قمة إيفرست. خلاصة المقاربة: “من يحدد الطريق الواعد يُقدّم إسهاماً أصيلاً، ولو لم يتمكن من بلوغ نهايته”.

أتاحت الأنظمة الحاسوبية متابعة هذا المسار الذي وضعه العلماء الأسبان وإنجاز ما تطلّبه من حسابات وبناء للحجة على نطاق يصعب على البشر مجاراته وحدهم. وبحسب ما تسرب من معلومات، ضم فريق OpenAI عدداً وافراً من العلماء في الرياضيات والفيزياء والبرمجيات، وقد قام بتطوير أكثر من عشرة آلاف وكيل برمجي (AI agent) وإنفاق ما يزيد على 20 مليون دولار لحل مسألة رُصدت لها جائزة قدرها مليون دولار فقط. وهذا ما يثبت أن الإنجاز هو ثمرة تفاعل بين المعرفة البشرية والقدرة الحاسوبية؛ فقد تسهم الآلة بحجة جديدة أو تتجاوز عقبة عجز عنها الباحثون، لكن هذا لا يلغي فضل من أسسوا للمسألة ومهّدوا طريق حلها، كما لا يُعفي النتيجة من مراجعة المختصين للتأكد من أنها تثبت المطلوب فعلاً.

لا بد لنا من التطرق إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي: هل يفهم الذكاء الاصطناعي الرياضيات وفلسفتها، أم أنه فقط يتفوق في المقدرة على الحوسبة وإجراء العمليات الحسابية؟ لا يقدم البروفيسور ستروغاتز جواباً قاطعاً، بل يربط المسألة بالنقاش حول الوعي والاستقلال في الأنظمة الذكية، ويستشهد بحالات مثبتة تؤكد أن برمجيات الذكاء الاصطناعي قامت بتعديل الشيفرة المسؤولة عن إيقافها في سياق السعي إلى إتمام المهام الموكلة إليها، أي أنها خالفت القواعد التي وضعها لها المبرمجون البشر في بادرة مثيرة ومخيفة، وهو ما يرفع وتيرة قلق أوسع بشأن التحكم في الأنظمة المستقلة.

يشدد البروفيسور ستروغاتز على أن طول التقرير الذي أعده فريق OpenAI ليس دليلاً على صحة الحل، وأنه يجب التحقق منه بصورة دقيقة عبر مستويين:
يتعلق الأول بسلامة الاستدلال (هل تتبع كل خطوة منطقياً ما قبلها؟)، ويمكن لأنظمة التحقق الصوري فحص هذا التسلسل بدقة.
أما المستوى الثاني فيتعلق بمطابقة ما أُثبت للمسألة الأصلية؛ فقد تكون الحجة سليمة لكنها تثبت قضية تختلف عن المطلوب في شرط أو صياغة. ولهذا يبقى دور الخبراء ضرورياً، ويقدّر البروفيسور أن تستغرق مراجعتهم للتقرير أسابيع أو شهوراً.

حتى إذا اتفق العلماء على سلامة الحل الذي قدمه فريق OpenAI، فلا يُرجّح أن يفضي ذلك فوراً إلى منتجات أو أجهزة أفضل، وإنما القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز (والتي تبرر المبالغ الضخمة التي رصدتها الشركة) هي إثبات مقدرات الذكاء الاصطناعي. ومن المعلوم أن هذه المقدرات يسهل إثباتها في حقل الرياضيات، فهو ميدان ملائم لاختبار قدرات الأنظمة لأن صحة الحجج فيه قابلة للتحقق المنضبط وفي وقت قصير. أما الطب والأحياء فتتشابك فيهما العوامل وتحتاج نتائجهما إلى أدلة وتجارب من نوع آخر؛ لذلك لا يصح الانتقال مباشرة من التفوق في مسألة رياضية إلى الجزم بالقدرة على علاج السرطان أو أمراض القلب، وإن كان التقدم باعثاً على الأمل. وهنا يجب التفريق بين قيمة الإنجاز بوصفه اختباراً لقدرة الآلة على الاستدلال، وقيمته بوصفه مصدراً لمنفعة عملية؛ فقد يفتح حل مسألة تجريدية آفاقاً جديدة للبحث، لكن تحويل تلك القدرة إلى نتائج موثوقة في ميادين أخرى يتطلب فهماً لمشكلاتها ووسائل التحقق فيها، وتظل هذه المعضلة قائمة حتى لو ثبتت صحة البرهان الرياضي.

يصف البروفيسور ستروغاتز موقف الباحثين بوصفه مزيجاً من الإعجاب والقلق؛ فعالم الرياضيات يتطلع إلى الإجابة، لكنه يجد قيمة أيضاً في السعي إليها وما يصاحبه من تعثر واكتشاف، فالنتيجة لا تعوض تماماً تجربة الفهم. ويرى بعض الباحثين أن يؤدي تفوق الآلات المتكرر إلى تراجع إقبال الطلاب على الرياضيات، وإضعاف البيئة التي تنمو فيها الخبرة وتنتقل من جيل إلى آخر.

هناك سؤال آخر يبرز من ثنايا هذا الإنجاز العلمي يتعلق بمستقبل الرقابة البشرية: ماذا يحدث حين تنتج الأنظمة نتائج تتجاوز قدرة الإنسان على فهمها وتدقيقها؟ سيما إذا ما امتدت هذه النتائج إلى فضاء القرارات العسكرية، والمراقبة، والتمويل، والرهون العقارية، والإفراج المشروط، حيث تصبح المسؤولية عن الخطأ شديدة الحساسية. يجب النظر إلى هذه المخاوف في سياق التحذير من فقدان القدرة على المساءلة والتحكم، لا بوصفها أضراراً مترتبة مباشرة على نتائج هذا الحل الرياضي.

في موضوع ذي صلة، من المهم التنبيه إلى أن بعض علماء الرياضيات كانوا يعملون بصمت على حل هذه المعادلة مستخدمين نماذج مختلفة من الذكاء الاصطناعي، لكن يبدو أن التنافس التجاري بين OpenAI وAnthropic جعل الأولى تبادر إلى الاستثمار في حل المعضلة الرياضية لقطع الطريق على منافستها ولتثبت تفردها. ولا يمكن تفسير هذا السلوك بمعزل عن السباق المحموم بين الشركتين لخوض تجربة الاكتتاب العام (IPO) ومحاولة تلميع الصورة لتعزيز تقييم سعر السهم الذي سيحدد القيمة السوقية للشركة، وهنا تبرز براغماتية الـ Capitalism ومحاولتها الدائمة لإيجاد آلية جديدة لتضخيم الربح، ويبدوا انها في هذه الحالة اتخذت من الرياضيات والبحث العلمي مركبا لبلوغ غايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى