التقاعد الوظيفي والاستثمار في الأعمار

د حسن عيسى الطالب
خاض الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، آخر معركة في حياته في تبوك في العام التاسع الهجري، ومات بعد 6 أشهر من ذلكم التاريخ، وكان عمره نحو 63 سنة، وقُتل عثمان بن عفان، الخليفة الثالث للمسلمين، رضي الله عنه، وهو على رأس الخلافة ورئاسة الدولة، وعمره نحو 82 عاما. وعندما استشهد أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، كان في ساحات الجهاد ضد البغاة ومسعرّي الفتن، وكان عمره نحو 63 عاما.
تلكم هي النماذج المأثورة في تاريخ المسلمين، وأنماط رموزهم المأثورين، وسيرة سلوكهم في مسيرة الحياة القيادية المهنية، تظل عبرة يقتدي بها من بعدهم للتأسي بالرشد الذي كانوا عليه. فليس في شرعة الإسلام تقاعد ولا تقاعس عن العمل، ولا الجلوس على كراسي البطالة تحت الظلال، والخلود إلى الدعة، وترك جلائل الأعمال؛ وإنما هي حياة مستمرة، من المهد إلى اللحد، تتبدل مواقعها بحسب الأحوال، وتتحول ساحات الأعمال فيها وفقا لذلك. فالجهاد مستمر، لا ينتهي، بل تتبدل صوره ومواقعه، ولكن التولّي عن المعركة محرّم: “إلا متحرِّفا لقتال أو متحيّزا إلى فئة” ومجرى كل ذلك على مبدأ: “إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه”.
فالصالحون من هذه الأمة كانت هجيراهم: “لا راحة لمؤمن حتى يلقى الله”.. لعلمهم أن ما عند الله خير وأبقى. وما طرأ على المسلمين بعد اضمحلال الخلافة، وعهود الإذلال، وعصور التخلف، وتبدّل الحكم والأحكام، ومن تلقاء سيطرة الحضارة الغربية الوافدة، واستحداث الوظائف المأجورة من قبل الدولة، والمؤسسات التجارية الربوية، التي تتبع لمواطنيها، ومن تلقاء أنماط الحياة الاجتماعية والسلوكية، واللوائح الديوانية النمطية، التي فرضتها سلطات الاستعمار الغربي على المستعمَرين، والنمط المادي الآسر لمفهوم الحياة عندهم، لا سيما بعد الثورة الفرنسية عام 1789م، التي نبذت الدين جملة وتفصيلا، وجاءت كرد فعل ساخط على مظالم الرأسمالية المتوحشة، وظلم الحكام، وتجاوزات الكنيسة الفظيعة، وتدليس المرجفين من كهنتها، الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فباعوا دينهم، وأفسدوا الدنيا بتحريفهم الدين، فابتدعوا صكوك الغفران Indulgenes لكل طاغية وظالم ومسرف، ليدفع مبلغا يتفق عليه مع الكهنة، فيصدرون له صكّا يعلق على عنقه، ويوضع على كفنه، ليدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، حسب افترائهم المزعوم؛ وذلك رغم ظلمه الضعفاء، وقتله الأبرياء، وإسرافه في الأرض، وإهلاكه الحرث والنسل، واقترافه أفظع مما جاء في ملفات جيفري إبستين الفاضحة.
فثارت عليهم الجموع، وزهد الناس في الكنيسة وشرعها، وامتهنوا رعاة الدين فيها وحقّروهم؛ ثم صدر قانون في عام 1790م يطالب جميع القساوسة بالولاء للدستور المدني للثورة، بدلا من الإنجيل الذي نبذه الثوار وحقّروه، فتم شنق حوالي 200 من القساوسة فيما عرف ب: “مجازر سبتمبر عام 1792م” على قارعة الطرقات في باريس وغيرها، وخاصة في كاتدرائية كارمليت Carmelite Monastery وأغلقت الكنيسة، وبُدل الدين للعلمانية اللادينية، فاستشرت الفوضى الاجتماعية والممارسات اللأخلاقية. وقدر عدد الضحايا لاستشراء الحروب الأهلية، والحروب على جيران فرنسا، مثل إسبانيا وبروسيا وانجلترا، نحو 300 ألف؛ وتم شنق الملك لويس السادس عشر وزوجه ميري انطوانيت بتهمة الخيانة العظمى وتهديد الأمن الوطني، وتم الغاء الملكية والتحول للجمهورية العلمانية، وتم الغاء الدين، ومُنع المتدينون من الترشح للمناصب النيابية، وتم حذف المواد الدينية، ومنع القانون تبني شعارات الكنيسة في النشاط السياسي بموجب دستور 1905م، ولم ينشأ حزب ذو ميول دينية منذ الثورة الفرنسية إلا في عام 1924م بمسمى الحزب الديمقراطي الشعبي PDP.
هذا العداء الصارخ للدين في فرنسا لا مثيل له في كل دول أوروبا التي تحولت ملكياتها للدستورية، مثل بريطانيا، والسويد، وإسبانيا، وهولندا؛ ولا في الولايات المتحدة التي رفضت الملكية وأعلنت الجمهورية، دون معاداة للدين، فبرز فيها التوجه الديني للدولة باعتماد وطباعة عبارة: ” باسم الإله الذي نثق فيه” على وجه ورقة الدولار. ويستند الحزب الجمهوري على تأييد رعاة الكنيسة والمحافظين، وخاصة من أتباع البروتستانتية، والمسيحية الصهيونية. وكذا الحال في أحزاب ألمانيا: الديمقراطي المسيحي، والحزب الاشتراكي المسيحي؛ وفي بلجيكا، وهولندا. وأما في إسرائيل، فقد أعلنت الدولة يهوديتها في دستورها، وبرزت فيها أحزاب دينية أصولية متطرفة، ترفض أي دين غير اليهودية، مثل أحزاب الليكود، وشاس، ويهود التوراه والخ..
وعموما فالديمقراطيات الأوروبية لا تعارض قوانينها قيام الأحزاب الدينية، بل يعارض بعضها اتخاذ الكنائس كساحات لانطلاق الحملات الانتخابية؛ وعموما فالأمر عندهم متروك للناخبين في صناديق الاقتراع، ليحددوا عبرها من يحكمهم.
وفي غالب الأحزاب في أوروبا وأمريكا لا يشترط العمر التقاعدي للسياسيين، بيد أن عمر المشاركة في الاقتراع يتحدد ببلوغ الثامنة عشرة، كما هو الحال في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا.
أما في شريعة أهل القبلة، فإن مسألة العمر، التي هي في الواقع تراكم حسابي للفترة التي مكثها الإنسان على الأرض، وما أعدّه من كسب للقاء ربه في اليوم الموعود؛ فالعبرة ليست بعدد السنين المحسوبة، ولا الأعوام المعدودة، وإنما هي بالأعمال المكتوبة؛ وأي الخيارين كان عليهما هذا المُعمّر في مسيرة حياته، وما الذي أعدّ وفق ما شُرع له. والخياران هما:
“فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا..”
و “من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى..”.
فالتنافس في هذه المساحة الزمنية المحدودة، المعلومة البداية، المجهولة النهاية، هو بين الهروب من الجحيم المأوى أو الدخول في جنة المأوى. ذلك هو المشروع الاستثماري الأبدي للمسلم.
ثم طرأ على بعض أجيال المسلمين المتأخرين من المُستغرَبين المُقلّدين، غبش في المفاهيم المؤسسة للشريعة، وأصول فقهها المرجعي، وضعف في فهم أصول الدين، فاستُلبوا ثقافيا، وفكريا، وانبهروا ببهرج الحضارة الغربية وزخارفها البارقة، وبماديتها الآسرة، ومتاع معايشها الظاهرة، وتحررها من قيود الدين، والتراث الاجتماعي، والتقليد الموروث، فأصبحوا يتنادون بتقليد الغربيين في نظم التقاعد الوظيفي والمعايش؛ بل أضحى البعض منهم يدعو جهرة بنبذ حكم الدين وشريعة الإسلام، والرمي بكل تراثه في الحكم والقضاء والتشريع، والدعوى بأنه سبب تقهقر وتخلف المسلمين؛ والدعوة للدولة العلمانية على الطريقة الفرنسية، ونبذ الدين، والمطالبة بإلغاء الأحزاب الإسلامية، دونما استفتاء عام، ولا رجوع للشعب، ولا انتخابات، ولا قانون؛ وذلك اقتداء بما كان عليه سلف الفرنسيين، أيام ثورتهم على كنيستهم، متناسين أن التخلف الذي يرون هو في سلوك بعض الأشخاص وفي بعض مجتمعات ممن ينتسب للمسلمين، وليس في أصل الدين، ولا يتوافق بما شرعه.
فقد ابتدر المسلمون أسس الحضارة الإنسانية الحديثة، ومبادئ الحكم الراشد، منذ أيام الخلافة الراشدة؛ وكان شعار حقوق الإنسان، الذي احتفي به العالم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” هو شعار وقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، ثاني خلفاء الدولة الإسلامية.
وفي عهد المأمون والرشيد أيام خلافة بني العباس في القرن الثامن الميلادي، أشاعت حضارة المسلمين أنوارها على كل العالم. وكانت “دار الحكمة” التي أسسها أبو جعفر المنصور ببغداد، بمثابة أكاديمية وطنية وعالمية للبحوث والعلوم والدراسات والترجمة، تضم كل العلوم، وكل ما كتب من بحوث، منذ عهود الإغريق والرومان وما قبلهم؛ فبرز العلماء الجهابذة، من أمثال إبن سينا، والفارابي، والرازي، وإبن الهيثم، آباء العلوم الحديثة ومؤسسوها.
ثم بزغت شمس الحضارة في الأندلس، فبرز فيها إبن رشد، الذي صحح المذهب الفلسفي الذي كان عليه سقراط وأرسطوا أحقابا طويلة ومنذ أيام الإغريق، فأطلق عليه الغربيون لقب: “المعلم الثاني” وشيدوا له تمثالا في قرطبة ظل قائما حتى اليوم تعظيما لشأنه. ثم جاء العبقري عبدالرحمن بن خلدون، صاحب “المقدمة” الذي وضع أسس ومبادئ علوم الاجتماع، والاقتصاد، وبناء الدول ونهاياتها، والحكم الراشد.
فالتخلف ليس في الحكم بشريعة الإسلام، ولا في خاتمة الرسالات للأنام، بل في قصور الأفهام.



