
المحقق – متابعات
يحمد الشارع السوداني للتطبيق الإلكتروني التابع لبنك الخرطوم (بنكك) صموده معهم أيام الحرب الأولى عقب انهيار المنظومة المصرفية في البلاد، والدمار الممنهج الذي مارسته المليشيا ضد البنوك في كافة أنحاء البلاد؛ حينها أنقذ (بنكك) ملايين المواطنين النازحين واللاجئين داخل وخارج السودان، واستطاعت التحويلات تأمين معيشتهم خلال تلك الفترة الصعبة.
بالأمس، أكدت المدير التنفيذي لبنك الخرطوم، لمياء ساتي، في تصريحات صحفية، دور التطبيق ذاته في ارتفاع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، عقب الارتفاع الكبير الذي شهدته الأسواق الموازية خلال الأسبوع الماضي ثم بدء حركة التراجع، والذي بررته لمياء باستقرار التطبيق وعمله بشكل جيد.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث كشفت ساتي أن بنك الخرطوم استطاع توفير مليار دولار من مصادر خارجية كتمويل دائري لاستيراد السلع الاستراتيجية، موضحة أن الخطوة تأتي في إطار تشجيع بنك السودان المركزي للبنوك على المساهمة في توفير خطوط الائتمان لاستيراد السلع الاستراتيجية، داعية المستوردين الراغبين في الاستيراد إلى استكمال إجراءاتهم.
وبهذا التصريح، يفتح بنك الخرطوم الباب واسعاً أمام أدوار المصارف التجارية وإسهامها في حركة الاقتصاد الكلي.
وتقول لمياء إن بنك الخرطوم تمكن من توفير أكثر من ملياري دولار لاستيراد السلع الاستراتيجية، مما ساهم في استقرار سعر صرف الجنيه خلال فترة الحرب الأولى، مؤكدة أن دور بنك الخرطوم الوطني تجاه عملائه والاقتصاد السوداني واضح من خلال أعماله التي تتحدث عن نفسها.
من جانبها، تقول الخبيرة في التخطيط الاستراتيجي والتحول الرقمي، د. مروة فؤاد قباني، إن تراجع أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني يأتي في إطار تحسن كفاءة المعاملات المالية إلى جانب مؤشرات التدفقات النقدية.
وشددت قباني في حديثها لــ”المحقق” على أن الاستقرار التقني للخدمات المصرفية يمثل بنية تحتية رئيسية للاقتصاد، ولا يمثل وحده حلاً كاملاً لأزمة سعر الصرف.
وأوضحت قباني أن استقرار تطبيق (بنكك) التابع لبنك الخرطوم يسهم بشكل مباشر في رفع كفاءة حركة الأموال وتقليل الاختناقات المالية، مما يعزز الثقة في النظام المصرفي ويقلل الاعتماد على القنوات غير الرسمية.
وأشارت في الوقت ذاته إلى أن سعر الصرف يظل محكوماً بالمعادلات الاقتصادية الكلية، مثل حجم المعروض والطلب على النقد الأجنبي، وتدفقات التحويلات الخارجية، وحركة الصادرات، والسيولة المحلية، والسياسات النقدية والمالية المتبعة.
وأرجعت قباني الأثر الأكبر على سوق الصرف إلى إعلان بنك الخرطوم عن ضخ مليار دولار كتمويل دائري لاستيراد السلع الاستراتيجية، مشيرة إلى أن توجيه هذه الموارد عبر الجهاز المصرفي يحد من لجوء المستوردين للسوق الموازية ويخفف الضغط عليها.
ودعت إلى ضرورة توافر بيانات تفصيلية حول حجم الاستخدام الفعلي وتوقيت التدفقات لقياس الأثر المباشر والمستدام على الأسواق.
وطالبت بالاستفادة من تجارب التمويل السابقة وإعادة هيكلة بناء الثقة في القطاع المصرفي السوداني عبر الربط بين ثلاثة مسارات رئيسية، تتمثل في: استقرار نظم المدفوعات الإلكترونية، وتغذية موارد النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والصادرات والسلع الأساسية، مؤكدة أن التكامل بين هذه المسارات هو السبيل الوحيد لتحويل التعافي المؤقت للجنيه إلى اتجاه اقتصادي مستدام.
بدوره، أكد الخبير المصرفي واستشاري التطوير المؤسسي، نعمان يوسف محمد، أن التصريحات الأخيرة للمدير التنفيذي لبنك الخرطوم تحمل أهمية بالغة.
وأشار إلى ضرورة الفصل بين ثلاثة مفاهيم اقتصادية أساسية، استقرار تطبيق “بنكك”، وتوفير النقد الأجنبي لتمويل الاستيراد، وتحسن سعر صرف الجنيه السوداني.
وأوضح يوسف في حديثه مع “المحقق” أن استقرار تطبيق “بنكك” يعد ركيزة أساسية لاستدامة المعاملات وتعزيز الثقة في القنوات المصرفية الرسمية، إلا أنه ينبغي عدم تحميل هذه العوامل الفنية أكثر مما تحتمل إذ يستحيل اقتصادياً إرجاع تراجع أسعار العملات الأجنبية خلال يومين إلى استقرار التطبيق وحده دون استناد إلى بيانات دقيقة حول حجم التحويلات وحركة السيولة والطلب على النقد الأجنبي.
وحول إعلان توفير مليار دولار عبر محفظة تمويلية لتمويل السلع الاستراتيجية، أشار نعمان إلى أن هذه الخطوة تُعد من الأدوات الأكثر تأثيراً ومباشرة على السوق الموازي، مشيداً بما أعلنه بنك السودان المركزي بشأن عمل المحفظة التي يقودها بنك الخرطوم تحت إشرافه ورقابته المباشرة، وهو ما يضمن توجيه الموارد نحو الأغراض الاستراتيجية.
وأكد يوسف أن توفير أكثر من ملياري دولار خلال الأشهر الأولى للنزاع يعد إنجازاً مهماً يستوجب التقييم بناءً على أرقام وجداول زمنية واضحة للتمييز بين مساهمة البنك الفردية والعوامل الاقتصادية الشاملة الأخرى.
وقطع بأن استقرار العملة الوطنية لا يصنعه عامل واحد، بل هو محصلة لتوازن المعروض والطلب على النقد الأجنبي، وحجم الصادرات والتحويلات، وتدفقات الذهب، والسيولة المحلية، ومدى الثقة في السياسات النقدية، مشدداً على أن “السوق الموازي لا يستجيب للإعلانات والنوايا بقدر ما يستجيب للتدفقات الفعلية والمنتظمة للنقد الأجنبي عندما تلامس أرض الواقع وتغطي الطلب الحقيقي”.



