تقاريرسياسية

رفع العقوبات عن إريتريا… كيف تعيد واشنطن رسم معادلات البحر الأحمر وما الذي ينتظر السودان؟

القاهرة- المحقق- صباح موسى

لم يكن رفع الولايات المتحدة العقوبات عن إريتريا، في هذا التوقيت تحديدا، مجرد إغلاق لملف قديم ارتبط بحرب تيغراي، وإنما خطوة تفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول إعادة ترتيب النفوذ الأمريكي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وما يمكن أن يترتب عليها من انعكاسات على السودان والمنطقة.

رفع العقوبات

أنهت وزارة الخزانة الأمريكية أمس “الجمعة”، حالة الطوارئ التي فرضتها واشنطن عام 2021 على خلفية الأزمة الإثيوبية بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيغراي، وأزالت عدداً من الأشخاص والكيانات المرتبطة بالملف من قائمة العقوبات، من بينها الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في إريتريا وشخصيات وكيانات إريترية، إلى جانب قوات الدفاع الإريترية. وكانت العقوبات قد ارتبطت بدور إريتريا في حرب تيغراي وقضايا حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية، لكن رفعها يأتي الآن في ظل تحولات إقليمية جعلت البحر الأحمر وباب المندب أكثر حساسية في الحسابات الدولية، خصوصاً مع التوترات الأمنية واشتداد التنافس على الموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي.

وتطرح الخطوة تساؤلات عدة حول ماذا تريد واشنطن من أسمرا؟ وهل تبحث عن شريك جديد في البحر الأحمر؟ وأين يقف السودان في هذه المعادلة؟

السودان قريب

يصعب قراءة التحول الأمريكي تجاه إريتريا بعيدا عن السودان، فالدولتان تتقاسمان حدوداً مباشرة، فيما تقع إريتريا على مقربة من ساحل البحر الأحمر السوداني. ومع استمرار الحرب في السودان، ازدادت الأهمية الأمنية والسياسية لشرق البلاد، في ظل ارتباط المنطقة بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة واللاجئين، ومن ثم فإن تحسين العلاقات الأمريكية مع أسمرا يمنح واشنطن نافذة إضافية على شرق السودان والبحر الأحمر، دون أن يعني ذلك بالضرورة رغبتها في استخدام إريتريا ضد السودان. لكنه في المقابل يرفع من القيمة الاستراتيجية لإريتريا في لحظة أصبح فيها السودان جزءا من صراع إقليمي ودولي أوسع.

شريك جديد؟

لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إن واشنطن قررت تحويل إريتريا إلى حليف استراتيجي، لكن رفع العقوبات عن الجيش الإريتري والحزب الحاكم وكيانات مرتبطة به يمثل انتقالا من سياسة الضغط إلى مساحة أوسع من الانخراط. وكانت «رويترز» قد ربطت الخطوة بالموقع الاستراتيجي لإريتريا على طريق الملاحة في البحر الأحمر، فيما ربطت تقارير أخرى التحول بالمنافسة المتصاعدة حول المنطقة، لذلك يبقى الحديث عن “شريك جديد” في إطار الاحتمال السياسي، بينما المؤكد أن واشنطن فتحت الباب أمام علاقة مختلفة مع أسمرا، وإذا تطورت هذه العلاقة إلى تعاون سياسي أو أمني أو بحري، فقد تصبح إريتريا أكثر حضورا في الملفات المتعلقة بالسودان والبحر الأحمر والحدود وحركة اللاجئين وأمن الملاحة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحول أسمرا إلى “أداة أمريكية” في السودان، إذ تملك إريتريا حساباتها الخاصة، كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع مصر، وتتبنى موقفاً معلنا بشأن وحدة السودان وسيادته.

صعوبة الاستبدال

من جانبه استبعد الخبير المصري في الشأن الأفريقي الدكتور حمدي عبد الرحمن أن تكون الولايات المتحدة بصدد استبدال إريتريا بإثيوبيا في معادلاتها بمنطقة القرن الأفريقي، مؤكدا أن واشنطن تسعى إلى بناء علاقات مع البلدين في الوقت نفسه، وإن اختلفت طبيعة ومجالات هذه العلاقات. وقال عبد الرحمن لـ “المحقق” إن الظروف التي دفعت واشنطن إلى فرض العقوبات على إريتريا عام 2021 تغيرت بصورة كبيرة، موضحا أن العقوبات ارتبطت بحرب تيغراي وقضايا حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية، بينما تفرض التطورات الحالية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي أجندة مختلفة، مشيرا إلى أن أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، والتوترات المرتبطة بالحوثيين وباب المندب، إلى جانب التنافس على الموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي، أصبحت ملفات رئيسية في الحسابات الأمريكية، لافتا إلى أن امتلاك إريتريا ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر يمنحها أهمية استراتيجية خاصة، مضيفا أن إريتريا يمكن أن تكون “شريكا” للولايات المتحدة أكثر من كونها “حليفا”، وفق مبدأ قائم على المصالح، معتبرا أن هذا النهج يتسق مع توجهات الإدارة الأمريكية الحالية.

تحديات مصرية

وأوضح عبد الرحمن أن تحسن العلاقات الأمريكية مع إريتريا ليس بالضرورة موجهاً ضد مصر، مشيرا إلى لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة قبل نحو شهرين، حيث كانت قضايا البحر الأحمر وحرية الملاحة حاضرة، بالتزامن مع تحركات وتنسيق مصري-إريتري-صومالي واتصالات أمريكية بشأن أمن البحر الأحمر، وقال إن من بين السيناريوهات التي تثير اهتمام القاهرة احتمال أن يؤدي تحسن العلاقات الأمريكية مع أسمرا إلى زيادة الاهتمام الأمريكي بالساحل الإريتري، بما قد يغير بعض معادلات القوى في البحر الأحمر، مؤكدا أن مصر لديها تنسيق مع إريتريا، لكن الولايات المتحدة لن تتخلى عن إثيوبيا، في ظل استمرار أهميتها بالنسبة إلى واشنطن، موضحا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تتعامل مع أديس أبابا وأسمرا باعتبارهما طرفين متنافسين، وإنما يعكس تعقيد علاقاتها مع دول المنطقة، مشيرا إلى أن الملف السوداني أكثر حساسية بالنسبة لمصر، نظرا للحدود المباشرة بين السودان وإريتريا والمصالح المصرية الواسعة في السودان، معتبرا أن إريتريا يمكن أن تمثل حلقة وصل بين البحر الأحمر والسودان والقرن الأفريقي.

تحرك منقوص

من جهته أوضح الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، رئيس تحرير صحيفة “إيلاف” الدكتور خالد التيجاني أن مباحثات طويلة جرت خلال الفترة الماضية بين الولايات المتحدة وإريتريا بوساطة مصرية، في إطار التحركات المرتبطة بأوضاع القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وقال التيجاني لـ “المحقق” إن واشنطن تشعر بقلق متزايد إزاء التطورات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خصوصاً في أعقاب التطورات المرتبطة بحرب الخليج والتوترات في مضيق هرمز، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، وهو ما يتطلب بناء علاقات مع مختلف الأطراف ذات الصلة، وتساءل عن مدى قدرة واشنطن على إدارة التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، وعن أهمية إثيوبيا في الحسابات الأمريكية في ظل تعقيداتها الداخلية، مؤكدا أن المشهد الإثيوبي ينطوي على تعقيدات كبيرة، مضيفا أن التحركات الأمريكية قد تصطدم بحسابات وطنية وتعقيدات داخلية في كل من إثيوبيا وإريتريا، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى حلول نهائية في ظل الإرث التاريخي المعقد بين البلدين، مؤكدا أن أي تحرك أمريكي لإعادة ترتيب المشهد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر سيكون “منقوصا” إذا جرى بمعزل عن السودان، باعتباره طرفا فاعلا ومؤثرا في معادلات المنطقة، مشددا على أن موقع السودان وتشابكاته الإقليمية تجعل من الصعب تجاهله في أي ترتيبات جديدة.

تحولات متسارعة

أما الباحث السوداني في الشأن الأفريقي الدكتور محمد تورشين فيرى أن رفع العقوبات الأمريكية عن إريتريا يأتي في إطار التحولات السياسية والأمنية المتسارعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وقال تورشين لـ “المحقق” إن التطورات المرتبطة بجماعة الحوثي والتهديدات الأمنية في مضيق هرمز فرضت واقعاً جديداً على الحسابات الأمريكية، إلى جانب النفوذ الإثيوبي ورغبة أديس أبابا المستمرة في الحصول على إطلالة بحرية على البحر الأحمر، موضحا أن تداخل هذه العوامل دفع واشنطن إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إريتريا والسعي إلى إيجاد موطئ قدم بحري لها، مشيرا إلى أن أسمرا يمكن أن تدخل في تفاهمات مع واشنطن، حتى وإن لم تصل إلى مستوى التحالفات، بما يعزز الحضور الأمريكي في ترتيبات أمن البحر الأحمر، مضيفا أن علاقات إريتريا الجيدة مع مصر والسعودية والأردن، إلى جانب عدم رغبتها، بحسب تقديره، في فتح المجال أمام قوى مثل روسيا والصين، تساعد في تفسير الاهتمام الأمريكي المتزايد بأسمرا، مؤكدا أن إثيوبيا استطاعت إعادة بناء علاقاتها مع واشنطن، وأنها تحتل أهمية كبيرة في الحسابات الأمريكية بالقرن الأفريقي، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن إريتريا، كما أن إريتريا لا يمكن أن تكون بديلا عن إثيوبيا، نظرا لاختلاف أدوار ومصالح كل منهما، موضحا أن الموقع الجغرافي لإريتريا على البحر الأحمر يجعل التعاون الأمريكي معها مهما في الحسابات البحرية والأمنية، بينما تمثل إثيوبيا دولة محورية في ملفات إقليمية أخرى، من بينها مكافحة الجماعات المسلحة، ومنها حركة الشباب، ومواجهة تنامي النفوذ الصيني في القرن الأفريقي، وتابع أن الحضور الأمريكي عبر إريتريا لا يمكن تعويضه بالكامل بأي طرف آخر، بما في ذلك السودان، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن السودان لا يقل أهمية في الحسابات الإقليمية بحكم موقعه وإطلالته على البحر الأحمر ودوره في معادلات القرن الأفريقي، وخلص إلى أن واشنطن تسعى إلى أن تكون ضفتا البحر الأحمر ضمن بيئة إقليمية صديقة لمصالحها، وبعيدة عن القوى التي تعتبرها منافسة أو مصدر تهديد، سواء روسيا أو الصين أو بعض القوى الإقليمية الأخرى.

الخلاصة

ويبقى أن رفع العقوبات عن إريتريا إما أن تكون مجرد إجراء قانوني لإنهاء عقوبات مرتبطة بمرحلة تيغراي، وإما إذا تبعته خطوات أمريكية أخرى، مثل توسيع العلاقات الدبلوماسية أو التعاون الأمني أو البحري أو الاستثمارات، فسيكون لذلك أثر استراتيجي أوسع، وعندها ستكون واشنطن قد أضافت إلى شبكة علاقاتها في المنطقة دولة ذات موقع استثنائي على البحر الأحمر، بينما سيكون السودان من أكثر الدول المعنية بهذا التحول، ليس لأن إريتريا تملك قرار السودان، وإنما لأن موقعها يجعلها جزءا مباشرا من البيئة الاستراتيجية المحيطة به، وهكذا يجد السودان نفسه أمام سيناريوهين متداخلين، سيناريو الحرب الداخلية التي تحدد مستقبل الدولة، وسيناريو التنافس الإقليمي والدولي الذي يحدد إلى حد كبير حجم الضغوط والتدخلات والفرص المحيطة بها، ورفع العقوبات عن إريتريا يخص السيناريو الثاني مباشرة، وقد يوسع أدوات واشنطن في التعامل مع البيئة المحيطة بالسودان، دون أن يعني بالضرورة تغيرا تلقائيا في الموقف الأمريكي من الحرب السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى