الطريقة مائة وواحد

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
يحكى أن مساعد باحث، وكان حديث عهد بالعمل، قال للبروفيسور، كبير الباحثين: «لا فائدة، لقد جربنا مائة طريقة ولم نجد حلاً».
رد عليه البروفيسور: «بل هناك فائدة كبيرة. نحن الآن نعرف أن المائة طريقة التي جربناها لا تصلح. هيا نجرب الطريقة مائة وواحد».
تذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع حال الاقتصاد السوداني وما وصل إليه معاش الناس. فقد ظللنا لسنوات نبحث عن مخرج، نجرب سياسات ونغير أخرى، وتتبدل الوجوه، بينما يبقى السؤال نفسه قائماً: إلى متى؟
وكما قال الشاعر محمد الحسن سالم حميد:
«والسوق فيك يسوق حالاً مابتسر».
لا شك أن الحرب عامل أساسي في الأزمة الحالية، ولا يمكن الحديث عن الاقتصاد ومعاش الناس اليوم من دون وضع آثار الحرب في الاعتبار. فقد ألحقت أضراراً هائلة بالإنتاج والتجارة والأسواق ومصادر الدخل، وضاعفت معاناة الناس بصورة كبيرة.
لكن، حتى نضع الأمور في سياقها الصحيح، علينا أن نسأل سؤالاً بسيطاً: هل كانت أوضاعنا الاقتصادية ومعاش الناس قبل الحرب على ما يرام؟
الإجابة، بكل تأكيد: كلا.. فالأزمة الاقتصادية لم تبدأ مع الحرب. كانت هناك مشكلات واضحة قبلها؛ ارتفاع في الأسعار، وتراجع في قيمة الجنيه، وضعف في القوة الشرائية، وقلق متزايد بشأن المستقبل. جاءت الحرب، فأضافت إلى تلك الأزمات أزمات أخرى، ودفعت الوضع إلى مستويات أكثر صعوبة.. وهذه النقطة مهمة؛ لأن انتهاء الحرب، وهو أمر يتمناه كل سوداني، لن يمحو تلقائياً المشكلات الاقتصادية التي كانت موجودة قبلها.
أنا لست اقتصادياً، ولا أملك وصفة أقدمها للخروج من الأزمة. لكن من حق المواطن أن يسأل: إذا جربنا كل هذه الطرق ولم يتغير الحال، فأين الطريق الذي لم نجربه بعد؟
ربما يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في طريقة إدارة الملف الاقتصادي، وفي الأشخاص والأفكار والأدوات التي ظلت تتعامل معه خلال السنوات الماضية. ليس من باب إدانة أحد، وإنما لأن النتائج نفسها تفرض علينا أن نسأل عن طريقة مختلفة.
لقد استنفد كثير من الذين تولوا هذا الملف ما لديهم، أو ربما وصلوا إلى حدود الأدوات التي يعرفونها. وهذا يحدث في كل المجالات. أحياناً لا يكون المطلوب مزيداً من الجهد في الطريق نفسه، وإنما البحث عن طريق آخر.
وهنا تعود بي الحكاية إلى البروفيسور.. المائة طريقة التي لم تنجح لا تعني أن الحل غير موجود. تعني فقط أننا عرفنا مائة طريقة لم تصل بنا إليه.
ويبقى السؤال الذي نحتاج إلى إجابة عنه: أين هي الطريقة مائة وواحد؟
وأين هو البروفيسور الذي يستطيع أن يقول لنا، بثقة ومعرفة: جربنا ما جربناه، وتعلمنا مما أخطأنا فيه، والآن لدينا طريق آخر؟
السودان ليس خارج قوانين الاقتصاد، وليس في ثقب أسود. أزمتنا لها أسباب، وما دامت لها أسباب، فلا بد أن يكون لها مخرج..
المطلوب فقط أن نجده.



