
المحقق – هالة حمزة
طالب مختصون تحدثوا لـ “المحقق” الحكومة بوضع سعر تشجيعي لشركات التعدين يتناسب والفارق الكبير مع أسعار السوق الموازي، لإنهاء تهديدها بالتوقف عن الإنتاج.
وكانت نحو 23 شركة تعدين واستثمار في السودان أعلنت أمس التوقف التدريجي عن إنتاج الذهب اعتباراً من نهاية الشهر الجاري، والتوقف بشكل نهائي في الأول من أكتوبر 2026، احتجاجاً على سياسات وآلية الشراء والتسعير الحالية المعمول بها لدى بنك السودان المركزي.
وأكد القيادي بشعبة الذهب، عاطف عبد القادر، لـ “المحقق” أن قرارات وآلية التسعير التي يفرضها بنك السودان والشركة السودانية للموارد المعدنية فيها إجحاف بحق شركات التعدين. وقال إن الجهات الحكومية المذكورة تحدد للشركات سعراً لا يتناسب مع السعر السائد في السوق الموازي “والفرقة كبيرة بين السعرين”، مشيراً إلى ضرورة تحديد سعر رسمي تشجيعي لأن إنتاج هذه الشركات من الذهب مضمون.
وزاد: “من غير المعقول أن يكون هناك سعر في البورد وسعر في السوق الموازي، مع ما تفرضه الحكومة على هذه الشركات من عوائد جليلة”، مجدداً مطالبته للحكومة بشراء الذهب من هذه الشركات بسعر تشجيعي أو إلزامها بتصديره ورد الحصائل.
وأوضحت شركات التعدين، في مذكرة عاجلة لوزير المعادن ومدير شركة الموارد المعدنية، أن منشورات البنك المركزي (رقم 11 لسنة 2026 ورقم 2/2025) تفرض أسعاراً مجحفة لا تعكس القيمة الاقتصادية الفعلية للذهب، وتُحمل المنتج تكاليف وخسائر اختلالات سوق الصرف والتضخم، فضلاً عن تأخر سداد المستحقات المالية بسبب الأعطال المصرفية.
وطالبت الشركات -التي تمثل نحو 17% من إجمالي إنتاج الذهب في البلاد- بعقد اجتماع طارئ مع وزارة المعادن والبنك المركزي قبل نهاية المهلة المحددة للتوقف؛ لإلغاء آلية التسعير الحالية واعتماد آلية شراء عادلة وشفافة تضمن استدامة الإنتاج وتحفظ حقوق الطرفين.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي وليد دليل لـ “المحقق”: إن الشكاوى من آلية تسعير الذهب لشركات التعدين -التي لا تعكس القيمة الاقتصادية الفعلية للذهب وتُحمّل المنتج أعباء اختلالات سعر الصرف والتضخم بدلاً من أن تحميه منها، فضلاً عن تأخر سداد المستحقات المالية بسبب أعطال مصرفية متكررة- ليست جديدة على قطاع الذهب السوداني، بل هي الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من التعديلات المتلاحقة على سياسات الشراء والتصدير، امتدت من منشور 2018 إلى منشور مايو 2026 الذي اعتمد تسعيراً يومياً للذهب باقتطاع عشرة دولارات للأونصة من السعر العالمي لعيار 24، مروراً بمنشورات نوفمبر وسبتمبر 2025 التي تناقضت في قراراتها بشأن السماح بالتصدير من عدمه خلال أشهر قليلة.
ولفت دليل إلى محاذير الخبراء الاقتصاديين المتكررة من سلبيات تضارب هذه المنشورات، والتي بدلاً من أن تعمل على ضبط السوق، تزيد من التعامل في القنوات غير الرسمية بسبب الفجوة السعرية بينها وبين القنوات الرسمية، وهو ما يفسر جزئياً لماذا لا يمر عبر القنوات الرسمية سوى 60% فقط من صادرات الذهب السودانية حتى قبل هذا التصعيد الأخير.
وأضاف دليل: “إن المنطق الاقتصادي وراء اعتماد البنك المركزي لآلية تسعير مقتطعة من السعر العالمي مفهوم من حيث المبدأ، فالبنك يحاول ضمان هامش تفضيلي يشجع المصدرين على تسليم حصيلتهم عبر القنوات الرسمية بدلاً من تهريبها، مع تعظيم موارد النقد الأجنبي المتاحة للدولة في وقت تشتد فيه الحاجة إليها”. وأوضح أن آلية التسعير صُممت في بيئة سعر صرف مستقرة نسبياً، بينما في الوضع الراهن فإن أي خصم ثابت من السعر العالمي، محسوباً بالدولار، يتحول تلقائياً إلى عبء متصاعد على المنتج.
وزاد: “حين يُباع الذهب اليوم بسعر محدد لكن يُدفع مقابلُه بعد أسابيع في ظل تضخم يتجاوز 50% سنوياً، فإن المنتج يخسر فعلياً جزءاً من القيمة الحقيقية لمستحقاته بين لحظة التسليم ولحظة التسلم، وهي خسارة تراكمية لا تظهر في نص المنشور لكنها تتجسد في دفاتر الشركات المنتجة شهراً بعد شهر. وهذا يفسر لماذا تتجاوز مطالب الشركات مجرد تعديل السعر إلى المطالبة بآلية شراء عادلة وشفافة تضمن استدامة الإنتاج، أي آلية ديناميكية تراعي حركة سعر الصرف والتضخم لحظة الصرف الفعلي لا لحظة التسليم فقط”.
وأشار دليل إلى أن التداعيات المحتملة لتوقف هذه الشركات، إن تحقق فعلياً، تتجاوز بكثير حجم حصتها الظاهري البالغ 17%، موضحاً أن قطاع الذهب يمثل اليوم العمود الفقري لتدفقات النقد الأجنبي الرسمية للبلاد، وأي انكماش فيه -خاصة من الشركات المنظمة العاملة عبر القنوات الرسمية أصلاً- سيدفع مزيداً من الإنتاج نحو التهريب والأسواق غير الرسمية التي تستوعب بالفعل نسبة كبيرة من الإنتاج الكلي، مما يقوّض الهدف الذي صُممت من أجله آليات التسعير هذه لتعظيم حصيلة النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.
ودفع دليل بمقترحات عدة لحل المشكلة، شملت: مراجعة آلية الخصم الثابت لتصبح متحركة تعكس فروق سعر الصرف الفعلية بين لحظة التسليم ولحظة السداد، وإلزام الجهاز المصرفي بجداول زمنية واضحة وملزمة لتسوية مستحقات المنتجين بما يحد من الخسائر الناتجة عن التأخير، إضافة إلى إشراك ممثلي شركات التعدين الكبرى في صياغة أي منشور جديد بدلاً من إصداره أحادياً ثم التعامل مع ردود الفعل لاحقاً.



