رأي

من تجارب المصالحة إلى الحالة السودانية: أين يكمن مفتاح التعافي؟

 

رمضان أحمد

كثيراً ما يتحدث الناس عن تجارب رواندا وجنوب أفريقيا إلى جانب تجارب أخرى مماثلة، على أمل الاسترشاد بها في السودان في سياق البحث عن مخرج من أزمة السودان الراهنة. سنتعرض في هذا المقال إلى مدى ملاءمة التجارب المذكورة لسياق السودان لنكشف الفروق الجوهرية التي ينبغي التوقف عندها قبل التفكير في النسخ واللصق.

أولاً: القيادة والرؤية والمشروع الوطني

العامل المشترك الأبرز بين تجارب جنوب أفريقيا ورواندا هو وجود قيادة سياسية تمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وتملك في الوقت ذاته تصوراً للبديل الذي تريد الوصول إليه.
ففي التجربة الرواندية كان وجود بول كاغامي، بوصفه قائداً سياسياً وعسكرياً يمتلك تصوراً للمستقبل، أثر واضح في إعادة توجيه البلاد بعد المأساة، والانتقال تدريجياً من جراح الماضي إلى مشروع البناء الوطني والنهوض الاقتصادي.
بالطبع، لا تخلو التجربة الرواندية من المآخذ والانتقادات، إلا أن ما يهمنا في سياق المقارنة هو وجود قيادة ورؤية أنشأت مؤسسات الدولة واستطاعت أن تحرك الناس في اتجاه واحد.

والأمر نفسه، وإن اختلفت التفاصيل، يظهر بوضوح في تجربة جنوب أفريقيا، وهي تجربة زاخرة بالدروس والعبر. ومن أهم عناصر قوتها وجود المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) كحركة سياسية ذات جذور تاريخية عميقة، تأسست عام 1912 على قاعدة التمثيل السياسي لمختلف الدوائر. وبذلك كانت الممارسة الديمقراطية داخل الحزب قد قطعت شوطاً مهماً قبل قيام نظام الفصل العنصري واستمرت، رغم الظروف الاستثنائية، كجزء من التكوين السياسي للحركة. أضف إلى ذلك، كان لشخصية الزعيم نلسون مانديلا الدور الأبرز في ترسيخ الثقافة المؤسسية والمشاركة المجتمعية، وتعزيز الخطاب السياسي.

وهنا تكمن نقطة مهمة: التجارب الناجحة في تجاوز الأزمات العميقة لم تعتمد فقط على الرغبة في إنهاء الصراع، وإنما احتاجت أيضاً إلى قوى سياسية تمتلك تصوراً لما بعد الصراع، وقادرة على تحويل ذلك التصور إلى مشروع سياسي ومؤسسي.

ثانياً: طبيعة الانقسامات الاجتماعية والعرقية

هناك اختلاف آخر لا يقل أهمية، يتعلق بطبيعة التركيبة الاجتماعية والعرقية.
في رواندا، كان البعد العرقي في الصراع واضحاً ومحدداً إلى حد كبير، إذ أمكن التمييز بين الهوتو والتوتسي، وبالتالي التعامل مع أحد الجذور الأساسية للصراع بصورة مباشرة. وكذلك في جنوب أفريقيا، كانت الفوارق بين السود والبيض واضحة ومحددة، الأمر الذي جعل أحد محاور الصراع قابلاً للتشخيص والمعالجة ضمن عملية سياسية واجتماعية طويلة.
أما السودان، فالصورة أكثر تعقيداً.

إذا أسقطنا هذه التجارب على الحالة السودانية، سنجد أن أو الفروق هو غياب قيادة تاريخية تحظى بإجماع وطني واسع، إلى جانب هشاشة البناء المؤسسي للدولة، وتعطل الإطار الدستوري المستقر الذي يمكن أن تنتظم داخله عملية الانتقال السياسي.

الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومع تقديرنا لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ونسأل الله أن يوفقه في الوفاء بها، فقد جاءت به الظروف إلى موقع القيادة بدون أي تخطيط مسبق. وقد أسهمت طبيعة هذا الصعود غير المخطط في إنتاج قرارات ومواقف أرى أنها أخطاء ألحقت أضراراً كبيرة بالبلاد، سواء في ما يتعلق بالعلاقة مع قوى الحرية والتغيير ومشروعها التدميري، أو في تقدير مخاطر تمدد قوات الدعم السريع وطموحاتها السياسية والعسكرية.

وبصرف النظر عن تقييم هذه المواقف وتفاصيلها، فإن النتيجة التي ينبغي التوقف عندها هي أن المؤشرات التي أمامنا تقول بأن السودان سيخرج من الحرب وهو يفتقر إلى مشروع سياسي وطني متفق عليه، وإلى قيادة سياسية تمتلك تصوراً واضحاً ومتكاملاً لما ينبغي أن تكون عليه الدولة بعد نهاية الحرب.

أما الدولة السودانية نفسها، فإن أحد أعمق إشكالاتها يتمثل في أن مشروع بناء دولة المواطنة والمؤسسات لم يكتمل منذ الاستقلال. فقد ظلت الدولة، على مدى عقود، تعاني من اختلال العلاقة بين المركز والأطراف، ومن ضعف المؤسسات، ومن سيطرة النخب السياسية على المجال العام، الأمر الذي أعاق ترسيخ دولة القانون والمواطنة المتساوية. وظل المواطن غائباً في سياسة الدولة.

الاختلاف الثاني يتعلق بالتركيبة السكانية والاجتماعية.. فمن الصعب في السودان رسم حدود عرقية واضحة على غرار ما هو موجود في بعض التجارب الأفريقية الأخرى. فقد شهد المجتمع السوداني، على مدى قرون، قدراً كبيراً من الاندماج المجتمعي، ازداد بصورة ملحوظة خلال النصف الثاني من القرن العشرين بفعل التصاهر والنزوح والتداخل السكاني والتساكن وتغير أنماط الحياة في المناطق الريفية والحضرية.

ولهذا يصعب القول إن هناك مساحات جغرافية واسعة يسكنها حصراً مكوّن عرقي واحد، على النحو الذي نجده في بعض الدول الأفريقية، مثل إثيوبيا، حيث ترتبط بعض القوميات بأقاليم ذات خصوصية لغوية وثقافية ودينية واضحة مما يجعلها دولة داخل الدولة.

ومع ذلك، فإن وضوح الحدود العرقية ليس شرطاً لوجود خطاب عرقي قوي. والمفارقة السودانية أن هذا الاندماج الاجتماعي لم يمنع تصاعد النبرة العرقية، وساعد غياب المشروع الوطني الجامع على إبقاء الهويات الجزئية حاضرة بقوة في المجال السياسي.

وهنا يمكن الإشارة إلى عاملين رئيسيين: أولهما توظيف الانتماءات العرقية في الصراع السياسي لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، وثانيهما غياب مشروع وطني قادر على استيعاب التنوع وتحويله من مصدر للتنافس والصراع إلى مصدر للقوة والتكامل.

ما الذي يحتاجه السودان؟

الخلاصة أن اتساع رقعة الأزمة السودانية وعمق الجراح التي خلفتها الحرب لا يعنيان استحالة التعافي. بل على العكس، فإن السودان يمتلك من عناصر التداخل الاجتماعي والثقافي والتاريخ المشترك ما يمكن أن يشكل أساساً قوياً لإعادة بناء الدولة والمجتمع.

وقد يكون التعافي الوطني في السودان أسرع وأكثر استدامة مما توحي به ضخامة الأزمة، إذا توافرت العناصر التي ما زالت غائبة عن المشهد السياسي: قيادة تمتلك رؤية، ومشروع وطني واضح، ومؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع.

المطلوب ليس مجرد قيادة تدير الأزمة يوماً بيوم، وإنما قيادة سياسية تنظر إلى ما بعد الحرب، وتمتلك تصوراً واضحاً للدولة التي يريد السودانيون بناءها.
والمطلوب كذلك مشروع وطني طموح يصوغ خطاباً سياسياً راقياً، يضع المشتركات الوطنية في مقدمة الأولويات، ويعترف بالتنوع من دون أن يحوله إلى أداة للانقسام، ويوحد السودانيين حول مصالحهم المشتركة، ويرفع الهمم، ويبعث الأمل، ويرسم صورة واضحة للمستقبل المنشود. فالمشكلة، في جوهرها، ليست في تنوع السودان، وإنما في غياب المشروع القادر على إدارة هذا التنوع وتوجيهه نحو بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن والمستقبل.

وقد يكون الطريق إلى التعافي الوطني، في نهاية المطاف، أقل تعقيداً مما نتصور: قيادة ذات رؤية، ومشروع وطني جامع، ودولة مؤسسات، وشعب يرى في المستقبل المشترك بديلاً عن صراعات الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى