من المواقف إلى التحالف… هل تؤسس قمة العلمين لجبهة رباعية في مواجهة إثيوبيا؟

القاهرة- المحقق- صباح موسى
في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، تأتي القمة الرباعية اليوم، والتي تجمع مصر والسودان وإريتريا والصومال لتطرح أسئلة تتجاوز حدود الإجتماع نفسه، فالدول الأربع تتحرك في محيط واحد تتشابك فيه أزمات السودان، والتوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا، والخلاف المصري الإثيوبي في سد النهضة، إلى جانب التنافس على الموانئ والنفوذ وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
إعلان العلمين
وأكد رؤساء مصر والسودان وإريتريا والصومال في إعلان العلمين المشترك عقب القمة الرباعية التشاورية، أهمية احترام سيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم المؤسسات الوطنية والحلول السياسية والسلمية للنزاعات، وشدد القادة على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري بين الدول الأربع، وتكثيف التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وأكدوا دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية، مع دعم استئناف العملية السياسية بملكية وقيادة سودانية والرفض الكامل لأي دعم للمرتزقة. وبشأن الصومال، جدد القادة دعم وحدته وسيادته، ورفض أي اعتراف أو دعم لما يسمى أرض الصومال، مؤكدين مساندة جهود مقديشو في مكافحة الإرهاب وبسط سيطرة مؤسسات الدولة على كامل أراضيها، وأكد القادة أن حرية الملاحة مبدأ أساسي، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، كما شددوا بشأن الأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها النيل، على احترام القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار، ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي المصب، واتفق القادة على إنشاء آلية لمتابعة مخرجات القمة، وعقدها بصورة دورية وكلما دعت الحاجة، لتعزيز التشاور والتنسيق بين الدول الأربع.
إدراك متزايد
تبدو القمة في جانب منها، محاولة لتنسيق المواقف بين دول تجمعها مصالح أمنية وجغرافية متقاطعة، وفي جانب آخر تعكس إدراكا متزايدا بأن التطورات في أي دولة من دول الإقليم لم تعد شأنا داخليا، بل يمكن أن تمتد تداعياتها سريعا إلى الجوار، ومن هنا تبرز أهمية اجتماع العلمين، فهل يقتصر الأمر على تنسيق المواقف تجاه أزمات قائمة، أم يؤسس لمسار إقليمي أكثر انتظاما؟ وما الذي تريده القاهرة والخرطوم وأسمرة ومقديشو من هذا التقارب؟ وكيف يمكن أن تنعكس مخرجات القمة على الحرب في السودان، وأمن البحر الأحمر، ومستقبل العلاقات مع إثيوبيا؟.
بالغة الأهمية
من جانبه أكد وزير الخارجية السوداني السابق السفير علي يوسف أن القمة الرباعية التي تجمع مصر والسودان وإريتريا والصومال اليوم، بالغة الأهمية، مشيرا إلى أنها تنعقد في ظل تطورات متسارعة تشهدها منطقة القرن الأفريقي، ولا سيما في الدول الأربع المشاركة في القمة، والتي ترتبط بخلافات وعداءات مع إثيوبيا. وقال يوسف لـ “المحقق” إن القمة تنعقد في توقيت بالغ الحساسية، مشددا على ضرورة أن يتخذ الرؤساء الأربعة موقفا موحدا، وأن يخرجوا بسياسات وقرارات واضحة تجاه ما يجري في إثيوبيا، ورأى أن القمة من المؤكد أن تحترم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية، وألا تؤيد طرفا على حساب طرف آخر داخل إثيوبيا، لكنه شدد في المقابل على ضرورة أن تحترم إثيوبيا الدول الأربع وقضاياها وخلافاتها معها.
موقف جماعي
وأوضح يوسف أن الخلافات بين الدول الأربع وإثيوبيا تتعدد ملفاتها، سواء فيما يتعلق بمحاولات أديس أبابا إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، عبر صوماليلاند أو ميناء مصوع في إريتريا، أو فرض سياسات أحادية على مصر والسودان فيما يتعلق بسد النهضة، فضلا عن المواقف العدائية تجاه السودان، وانطلاق مسيرات من الأراضي الإثيوبية لضرب السودان، مشددا على ضرورة أن تراعي إثيوبيا حرمة الجوار، مؤكدا أن السودان لم يتخذ أي مواقف عدائية ضد إثيوبيا، وقال أميل إلى ضرورة أن تكون هناك محاولات جادة وواضحة للتوصل إلى تواصل سلمي مع إثيوبيا، لأنه ليس من مصلحة الشعوب الأربعة أن ينتقل الخلاف إلى صراع مسلح، مؤكدا أن انتقال الخلافات إلى مواجهة عسكرية من شأنه أن يشكل خطرا على أمن المنطقة واستقرارها، معربا عن أمله في أن تخرج القمة بموقف قوي يمكن أن يكون كفيلا بردع إثيوبيا، مضيفا إذا كان الموقف واضحا من الدول الأربع، أعتقد أنه من الممكن أن يؤثر ذلك على إثيوبيا، لأنها لم تقابل بموقف جماعي من قبل، وتابع أنه في حال لم يؤثر الموقف الموحد للدول الأربع على إثيوبيا، فمن المؤكد وقتها أنه ستكون هناك بدائل.

خطوة مهمة
من جهته رأى أستاذ الدراسات الأمنية بالمعهد العالي للدراسات الأمنية والإستراتيجية في مقديشو الدكتور حسن شيخ علي نور أن القمة الرباعية التي جمعت مصر والسودان والصومال وإريتريا تمثل خطوة مهمة، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لهذه الدول وارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وقناة السويس، باعتبارها ممرات حيوية للتجارة والأمن والطاقة على المستويين الإقليمي والدولي. وقال نور لـ “المحقق”، إن أهمية القمة تنبع من هذه المعطيات الاستراتيجية، مضيفا أنه من هذا المنطلق أرى أهمية إحياء هذا الإطار وتطويره إلى آلية تشاور منتظمة، مع إشراك جيبوتي بحكم موقعها الاستراتيجي، لبحث أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، لافتا إلى أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن الاستقرار السياسي والأمني للدول المطلة عليه، خصوصا الصومال والسودان، في ظل ما تواجهه المنطقة من أزمات داخلية وتنافس وتدخلات إقليمية ودولية، مؤكدا أن معالجة جذور عدم الاستقرار يجب أن تكون جزءا أساسيا من أي رؤية للأمن البحري، وتابع نور بالنسبة إلى مصر فإن البحر الأحمر وقناة السويس يمثلان جزءا أساسيا من أمنها القومي وعمقها الاستراتيجي، الأمر الذي يجعل تنامي النفوذ والتحركات الإقليمية والدولية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما في ذلك الدوران الإسرائيلي والإثيوبي، جديرا بدراسة دقيقة ومتوازنة، كما رأى أن المطلوب في المرحلة الحالية هو الانتقال من المؤتمرات والتوصيات إلى آليات عملية ومستدامة للتنسيق والتعاون، بما يعزز سيادة دول المنطقة، ويحمي حرية الملاحة، ويحد من الصراعات بالوكالة، ويسهم في بناء منظومة إقليمية أكثر استقرارا لأمن البحر الأحمر وخليج عدن، وقال نور إن تحقيق ذلك من شأنه أن يحول القمة من مبادرة مؤقتة إلى إطار استراتيجي مستدام يخدم المصالح المشتركة لدول المنطقة.
لحظة فارقة
بدوره اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الإريتري أدوليس فارس أن القمة الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال جاءت في لحظة فارقة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات في القرن الأفريقي وحوض النيل، على خلفية ما وصفه بالسياسات الخارجية الإثيوبية الهجومية وأزماتها الداخلية. وقال فارس لـ “المحقق” إن الدول الأربع تلتقي في مواجهة ما تعتبره تهديدات مشتركة لأمنها وسيادتها، متوقعا أن تفتح القمة الباب أمام تنسيق أمني واستخباري وعسكري رباعي وتبادل المعلومات حول التحركات التي تهدد استقرار المنطقة، ورأى أن القمة يمكن أن تعزز دعم مؤسسات الدول الأربع، مع تقديم دعم سياسي واستراتيجي للجيش السوداني، ورفض أي دعم خارجي لقوات الدعم السريع، إلى جانب مساندة الحكومة والجيش الصومالي ورفض أي اتفاقات تمس سيادة مقديشو، خصوصًا المتعلقة بالموانئ أو الاعتراف بـ “صوماليلاند” دون موافقة الحكومة الصومالية.
الردع الجماعي
وفي الشأن الإريتري، دعا فارس إلى توفير غطاء سياسي ودفاعي لإريتريا في مواجهة أي محاولات إثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر أو ميناء عصب، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بشأن أمن البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدا أن أمن الملاحة مسؤولية الدول المشاطئة، ورافضًا أي وجود عسكري إثيوبي غير مشروع على الساحل، مشيرا إلى أن ملف سد النهضة لم يعد، من وجهة نظره، قضية فنية مرتبطة بالملء والتشغيل فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، داعيًا إلى ربط حماية الحقوق المائية لمصر والسودان باستقرار المنطقة ككل، معتبرا أن أبرز انعكاسات القمة تتمثل في إمكانية تشكيل جبهة دبلوماسية وأمنية أكثر تماسكا تضم دول الجوار المباشر لإثيوبيا، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها ويحد من سياسة فرض الأمر الواقع، وقال إن هذا التنسيق قد ينعكس كذلك على السودان من خلال الحد من منافذ الإمداد الخارجي لقوات الدعم السريع، وعلى أمن البحر الأحمر وسواحل الصومال، مع إمكانية زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على أديس أبابا، مضيفا أن أهمية القمة تكمن في إمكانية الانتقال من إدارة الأزمات بصورة منفردة إلى الردع الجماعي، ومن التنسيق الثنائي إلى شراكة استراتيجية شاملة بين الدول الأربع، بما يعيد رسم موازين النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
مستوى جديد
ويبقى أن المخرج الأكثر أهمية للقمة قد لا يكون قرارا واحدا محددا، وإنما تأسيس مستوى جديد من التنسيق الإقليمي، فالقمة تجمع دولا تقع على امتداد جغرافي يبدأ من وادي النيل والساحل السوداني والإريتري، وصولا إلى خليج عدن، وهو ما يمنحها إمكانية بناء مقاربة مشتركة لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لكن قياس نجاح القمة سيظل مرتبطا بما إذا كانت ستنتقل من بيانات المواقف العامة إلى آليات تنفيذ ومتابعة واضحة، خصوصا في ملفات السودان، وأمن البحر الأحمر، واحتواء تداعيات الأزمة الإثيوبية.



