رأي

إثيوبيا: انقلاب المشهد… و ما الذي يعنيه ذلك للسودان؟

 

 

عادل الرفاعي ابوالحسن

 

قبل أيام قليلة، بدا أن حكومة أبي أحمد تواجه اختباراً بالغ الخطورة. سبع جماعات مسلحة و سياسية، بينها قوى كانت بينها خلافات وخصومات عميقة، ظهرت في تحالف واحد ضد الحكومة، و حققت خلال فترة قصيرة تقدماً ميدانياً كبيراً، حتى بدا أن المشهد الإثيوبي يتجه إلى تحول واسع.

 

لكن المشهد انقلب سريعاً. استعادت القوات الحكومية و حلفاؤها المبادرة، و دخلت مكلي بعد انسحاب قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فيما استمر القتال في مناطق أخرى.

 

و هنا تبدأ القراءة الاستراتيجية.. كيف اجتمعت جماعات بينها خلافات و حسابات مختلفة بهذه السرعة؟ و كيف استطاعت أن تضغط على الحكومة و تحقق تقدماً كبيراً، ثم ينحسر هذا الضغط بهذه السرعة؟

 

هل كان الهدف منذ البداية إسقاط أبي أحمد؟ أم أن الضغط العسكري و السياسي كان وسيلة لدفعه إلى موقف معين، أو قبول ترتيبات أو تقديم تنازلات لم يكن من السهل الحصول عليها في الظروف العادية؟

 

لا يمكن الجزم بأن المشهد كان معداً لهذا الغرض، و لا توجد معلومات علنية تثبت وجود صفقة سرية. لكن مراكز القرار الجادة لا تنتظر الدليل النهائي؛ بل تضع الفرضيات، و ترصد القرائن، و تبني السيناريوهات.

 

و هنا السؤال الذي يعني السودان مباشرة: إذا كان هذا الضغط قد أدى وظيفته، فما الذي كان المقابل؟ و ماذا يمكن أن تكون حكومة أبي أحمد قد قبلته أو التزمت به؟

 

الخطر الذي يواجه السودان:

 

إذا انتهى هذا التحول إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل إثيوبيا، و منح حكومة أبي أحمد مساحة أوسع للحركة، فإن الخطر لا يظل داخل الحدود الإثيوبية. فقد تكون النتيجة فتح مجال لتحركات جديدة في الإقليم، و خصوصاً تجاه السودان.

 

و لا يلزم أن يكون ذلك عبر مسار واحد. فقد تستخدم إثيوبيا أكثر من أداة في الوقت نفسه، أو تنتقل من أداة إلى أخرى بحسب تطورات الميدان.

 

أحد المسارات المحتملة هو تقديم دعم أكبر للميليشيا المتمردة بالسلاح أو التدريب أو الإمداد أو توفير العمق اللوجستي، بما يقوي قدرتها على الاستمرار و يطيل أمد الحرب.

 

و مسار آخر قد يكون عبر إعادة تنظيم و تدريب و تسليح عصابات الشفتة الإثيوبية المنتشرة في المناطق الحدودية، و تحويلها من مجموعات متفرقة إلى قوة أكثر تنظيماً و قدرة على تنفيذ عمليات منسقة. و في هذا السيناريو يمكن أن تتحول إلى ميليشيا تعمل بالوكالة، تستخدم للضغط على السودان و استنزافه و فرض أمر واقع جديد على الحدود، خصوصاً في منطقة الفشقة.

 

أما المسار الأخطر، فهو الانتقال إلى تدخل إثيوبي مباشر، تحت ذرائع حماية الأمن القومي، أو تأمين الحدود، أو ملاحقة جماعات مسلحة. و ليس بالضرورة أن يبدأ ذلك بحرب واسعة؛ فقد يبدأ بتحرك محدود ثم يتوسع مع تغير الظروف.

 

و الأخطر أن تجتمع هذه الأدوات معاً: دعم المتمردين من جهة، و تقوية ميليشيا الشفتة من جهة أخرى، مع الاحتفاظ بخيار التدخل المباشر عند الحاجة. عندها لا يكون السودان أمام حوادث حدودية متفرقة، بل أمام ضغط متعدد الأدوات يستهدف أمنه و حدوده و قدرته على إدارة الحرب.

 

و إذا جرت مثل هذه التحركات في ظل صمت دولي، أو جرى التعامل معها باعتبارها شأناً حدودياً أو نزاعاً محلياً، فقد تجد إثيوبيا مساحة أكبر للمناورة، بينما يتحمل السودان كلفة الاستنزاف و تغير موازين القوى على حدوده.

 

هذه ليست نبوءة و لا اتهاماً بأن هذه الخطوات اتُخذت بالفعل؛ إنها سيناريوهات ينبغي أن تكون أمام الدولة السودانية قبل أن تتحول الاحتمالات إلى وقائع.

 

الفشقة:

الفشقة أرض سودانية، و أهميتها اقتصادية و استراتيجية في آن واحد. فهي من أهم المناطق الزراعية في شرق السودان، و موقعها يجعلها جزءاً مهماً من منظومة حماية الحدود و العمق الشرقي.

 

و قد سمح السودان تاريخياً لمزارعين من المجتمعات الإثيوبية المتاخمة للحدود بزراعة أجزاء منها، لكن السماح بالزراعة لا يعني نقل السيادة، و الانتفاع لا يعني الملكية.

 

و للفشقة كذلك حضور في بعض الروايات و القراءات التاريخية القديمة المرتبطة بسيدنا موسى عليه السلام، و ما يُروى عن جبل طوى و القضارف. و سواء اتفقنا مع هذه الروايات أو اختلفنا حول دقتها، تبقى الفشقة أرضاً سودانية، و أي محاولة لفرض أمر واقع عليها هي مسألة أمن قومي لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف زراعي حدودي.

 

و ماذا عن إريتريا؟

قد تدخل إريتريا في ترتيبات إقليمية أوسع إذا اتجهت إثيوبيا لاحقاً نحو البحر الأحمر أو الحدود الإريترية، لكن ذلك يبقى مساراً موازياً؛ أما الخطر الذي يعني السودان مباشرة فهو تحويل حدوده الشرقية إلى مجال للضغط و الاستنزاف و التدخل.

 

و يبقى السؤال الأوسع: هل ما حدث في إثيوبيا كان مجرد تحول داخل المشهد الإثيوبي، أم أنه كان تمهيداً لمشهد أو مشاهد أخرى قد نشهدها قريباً في الإقليم؟

 

لا تتكرر المفاجأة:

لقد فاجأ تمرد ميليشيا دقلو الحكومة السودانية في أبريل 2023، عندما انتقل التمرد إلى مواجهة واسعة داخل العاصمة و مؤسسات الدولة. و اليوم لا ينبغي أن تتكرر المفاجأة على الحدود.

 

أمام السودان مؤشرات لا تسمح بالانتظار: تحالفات مسلحة ظهرت فجأة، و موازين قوى انقلبت بسرعة، و توترات إقليمية متصاعدة، و حدود شرقية حساسة، و الفشقة و النيل الأزرق كجزء من منظومة الأمن القومي السوداني.

 

المطلوب ليس صناعة حرب، و لا التصعيد من أجل التصعيد؛ المطلوب أن تكون الدولة جاهزة قبل أن تفرض عليها الظروف قرارها.

 

و هنا تقع المسؤولية المباشرة على الدولة و الحكومة: رفع الجاهزية العسكرية و الأمنية، و تأمين الحدود الشرقية، و حماية الفشقة و النيل الأزرق، و تعزيز حماية القضارف و كسلا و الدمازين، و تأمين المنشآت الحيوية، و إعداد الدولة للتعامل مع أي تدخل خارجي أو اعتداء مباشر أو غير مباشر.

 

كما تقتضي المرحلة توجيه موارد الدولة و إمكاناتها إلى حماية الدولة و دعم المجهود العسكري، و تعبئة مؤسساتها و أجهزتها و طاقاتها لما تتطلبه حماية البلاد، و إعلان الاستنفار أو حالة الطوارئ حيث تقتضي الضرورة.

 

فالاستعداد لا يصنع الحرب؛ الاستعداد يحمي الدولة عندما تتغير الظروف.

 

مراكز القرار لا تنتظر الدليل النهائي حتى تبدأ التفكير؛ تضع الفرضيات، و ترصد القرائن، و تبني السيناريوهات، و تستعد لما قد يأتي بعدها.

 

و الرسالة هنا للحكومة: أنتم الآن في دفة الحكم، و مسؤوليتكم أن تكونوا أسبق من الحدث، و أسرع من المفاجأة، و أكثر استعداداً لحماية الشعب و الدولة.

 

المرحلة لا تحتمل التباطؤ، و لا تحتمل المبررات. المرحلة تتطلب دولة جاهزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى