تقارير

السودان في التقرير الأمريكي حول الاتجار بالبشر .. نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْد قوة انْكَاثًا !!

 

المحقق – محمد عثمان آدم

أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً “تقرير الاتجار بالبشر لعام 2026″، وتضمن تصنيفاً للسودان ضمن “الفئة الثالثة” (Tier 3).
في الجزء المتعلق بالسودان، خلص التقييم العام للتقرير إلى عدم وجود أي تحسن في الوضع داخل السودان هذا العام مقارنة بالعام السابق. وتبرز نقطة لافتة هذه المرة تتمثل في استخدام وصف “الحكومة التابعة للقوات المسلحة السودانية” (SAF-affiliated government)؛ وهو توصيف ينطوي على رأي مسبق ومسيس بوضوح – وإن كان التقرير برمته لا يعدو كونه عملاً سياسياً – وهل يُعد القول بأن هذا التغيير مدفوع بالتطورات السياسية الأخيرة مجرد تكهنات؟
لا، ففي العام الماضي لم تُوصف الحكومة السودانية بأنها “تابعة للقوات المسلحة”. إذن، ما الذي استجد هذا العام ليتم التخلي عن مصطلحات استُخدمت لعامين أو ثلاثة متتالية – مثل “حكومة الخرطوم”، أو “الحكومة في الخرطوم”، أو “الحكومة القائمة بحكم الأمر الواقع”؟ الأمر بسيط: الهدف هو تجريد حكومة السودان تماماً من أي شرعية ومساواتها بجهات وكيانات أخرى – وتحديداً ميليشيات قوات الدعم السريع المتمردة – وذلك لإبطال الحجة التي ترفض بموجبها الخرطوم مساواة جيش البلاد الوطني بتلك القوات.

ومن الواضح أن هذا التحرك مدفوع بالتطورات داخل مجلس الأمن الدولي والموقف المتخذ بشأن تمديد العقوبات. فالآن، ومع تمديد العقوبات لمدة شهرين فقط دون توسيع نطاقها، سيسعى السيد مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب لأفريقيا و العالم العربي، لاستخدام كافة الوسائل الممكنة للضغط على القيادة السودانية لإجبارها على الرضوخ. وقد بدأ هذا المسار بتجديد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتفويض فريق الخبراء، تلاه تقرير الاتجار بالبشر هذا، وبالطبع سيصاحب ذلك ضغط عسكري – بما في ذلك غض الطرف (على أقل تقدير) عمّا ترتكبه قوات الدعم السريع المتمردة في مدينة الأبيض (غرب السودان) وفي منطقة الدمازين (أقصى الجنوب الغربي) ومحيطها. وستكثف قوات الدعم السريع استخدام الطائرات المسيرة وإلحاق الأذى بالمدنيين، ليُستخدم ذلك في النهاية كمبرر وحجة لتوسيع نطاق العقوبات وفرض حظر جوي وحظر لاستخدام الطائرات المسيرة.

ماذا يتضمن التقرير؟

استهل التقرير سرده بعبارة قوية ومباشرة: “لا تستوفي الحكومة السودانية -المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية- الحد الأدنى من المعايير اللازمة للقضاء على الاتجار بالبشر بشكل كامل، كما أنها لا تبذل جهوداً ملموسة لتحقيق ذلك؛ وعليه، ظل السودان مصنفاً ضمن ‘الفئة الثالثة’ (Tier 3).”

قد يتساءل المرء عن سبب ذلك، لكن عند التدقيق في تفاصيل التقرير، نجد أنه يوضح الأمر قائلاً: “على الرغم من غياب الجهود الملموسة، اتخذت الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة بعض الخطوات للتصدي للإتجار بالبشر، بما في ذلك مواصلة ‘اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر ‘العمل على إعداد’ خطة عمل وطنية’.”

ولم يكتفِ التقرير بذلك، بل أشار بخجل – وهذا اقتباس مباشر منه- إلى أن: “الصراع المستمر في أنحاء البلاد واصل عرقلة عمليات مكافحة الاتجار بالبشر، وأعاق قدرة الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة على جمع الإحصاءات الضرورية المتعلقة بإنفاذ القانون.”

وبعد الإشارة إلى تقاعس الحكومة عن اتخاذ إجراءات فعلية وفشل أجهزة إنفاذ القانون في تقديم أي من الجناة أو المجرمين إلى المحاكمة، ذكر التقرير -وهذا اقتباس مباشر أيضاً- ما يلي:
“كانت وحدة مكافحة الاتجار بالبشر التابعة لوزارة الداخلية (المرتبطة بالقوات المسلحة) مسؤولة عن إنفاذ القوانين ذات الصلة، إلا أن المؤسسات الحكومية – بما في ذلك أجهزة إنفاذ القانون- استمرت في مواجهة قيود تشغيلية كبيرة بسبب الصراع الدائر، مما حدّ من فعاليتها في مواجهة الاتجار بالبشر.”

ثم أضاف التقرير – وهنا الحديث ليس عن حكومة الخرطوم بل عن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية ذاته- أن:
“الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة قامت بتشكيل وتمويل لجان متخصصة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي، بما في ذلك قضايا الاتجار بالبشر؛ وذلك بهدف التحقيق في جرائم ارتُكبت في الغالب بمناطق خاضعة لسيطرة ‘قوات الدعم السريع’ (RSF) ، وبالتالي كانت بعيدة عن متناول المسؤولين المرتبطين بالقوات المسلحة خلال فترة إعداد التقرير.”

فاذا كان الحال كذلك يتوقع المرء أن يجد التقرير تبريراً أو عذراً لا أن يكون ذلك مدعاة للتبكيت و الادانة. فالعقل و المنطق و الحجة تقول ينبغي للنتيجة أن تكون انعكاسا للمقدمات و خلاصة لها لا أن تكون المقدمات شيء و تأتي النتيجة “مشاترة” كما نقول في الدارجة السودانية.

وهنا يتبادر إلى الذهن ذلك المثل القائل عن شخص يُلقى في المحيط مقيد اليدين ثم يُطلب منه السباحة؛ إذ يتبادر هذا المعنى إلى ذهنك وأنت تقرأ التقرير ذاته وهو يلوم “الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة” لفشلها في منع الميليشيات من تجنيد الأطفال كجنود!!

نعم، ورد هذا في التقرير نفسه، وإليك ما جاء فيه: “لم تبلغ الحكومة -التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية (SAF)- عن أي جهود لمنع تجنيد واستخدام الأطفال الجنود ضمن وحداتها خلال فترة التقرير، كما أنها عجزت عن منع قوات الدعم السريع (RSF) وجماعات مسلحة أخرى من تجنيد أو استخدام الأطفال الجنود”.
ألا يُعد هذا دليلاً على أن التقرير كُتب على عجل وجرى تعديله بسرعة ليتماشى مع التطورات الجديدة، وليتم تطويعه بما يخدم الغاية التي أشرتُ إليها سابقاً؟

ثمة نقطة قبل الختام في التقرير -وهناك نقاط عديدة لمن يرغب في قراءته من منظور سياسي، وإن لم يكن ذلك هدفنا هنا- وهي أنه تحاشى و فشل فشلاً ذريعاً في الإشارة إلى حالات تم توثيقها وتقارير صدرت عن منظمات حقوقية ودولية غير حكومية أكدت تورط قوات الدعم السريع في الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، وكذلك التقارير والمصادر المفتوحة الموثقة التي تظهر في مقاطع فيديو أطفالاً جُنِّدوا في صفوف هذه القوات (إذا عرّفنا الطفل بأنه كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره)؛ إذ يكفي الاطلاع على أي مقطع فيديو تنشره قوات الدعم السريع لترى بوضوح أعداداً كبيرة من الجنود الأطفال في صفوفها.

وعندما يتطرق التقرير إلى قوات الدعم السريع، فإنه يفعل ذلك بأسلوب خجول ومتحفظ للتخفيف من حدة الانحياز الواضح ضد القوات المسلحة السودانية؛ وحين يرد في التقرير اقتباس مثل: “أفاد مراقبون بوجود آلاف المزاعم حول قيام مقاتلين بتجنيد واستخدام أطفال كجنود منذ أبريل 2023، حيث أُجبر الأطفال على العمل القسري أو الاستعباد الجنسي أو القيام بأدوار قتالية مثل الاستطلاع أو العمل كدروع بشرية”، فإن النص يغفل تحديد المسؤول أو الجهة المتورطة بدقة؛ وبالطبع، يتجنب التقرير بوضوح الإشارة إلى قوات الدعم السريع.

تقديري عند قراءة هذا التقرير هو أنه يفتقر إلى الحيادية والمهنية، وأنه مشبع بالتوجهات السياسية ومُوجَّه عمداً لخدمة غاية واضحة.
إذ يحمل التقرير في طياته ما يفقده مصداقيته؛ فهو يوجه الاتهام “للحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية،” ثم يعود ليبرر ذلك بأنه ناجم عن الحرب، لكنه يغفل توضيح أن هذا الأمر لم يكن سياسة رسمية لتلك الحكومة و الحال هكذا لا يعقل أن تلام علي أمر ليس في وسعها فعله، وهل تتلقي مليشيا الدعم السريع توجيهات من حكومة الخرطوم؟؟

مرة أخرى، فشل التقرير فشلاً ذريعاً في الإشارة ولو لمرة واحدة إلى نجاح قوات الشرطة والأمن في شرق السودان في إحباط مخططات لمهربي البشر، وتحرير عشرات الضحايا، وما نتج عن ذلك من إصابات ووفيات في صفوف عناصر إنفاذ القانون السودانيين في كسلا ومحيط القضارف أثناء تصديهم للمهربين؛ وهي أحداث وقعت مؤخراً وتندرج ضمن نطاق التقرير نفسه. لقد نقض التقرير ما بناه بيده، أو كما يُقال عند الفرنجة “أطلق النار على قدمه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى