رأي

نحـنُ نحـب مصر لكـنـنا نُحـبُّ السـودان أكثـر 

محجوب فضل بدري

كان السودانيون عموماً منذ الأزل يرتبطون بمصر ثقافياً ووجدانياً لما فيها من أولياء الله الصالحين، فهى مهد الأزهر الشريف الذى يحوي رواق السنارية، وهي مكان الاغتراب الأول لطلاب العلم أو الباحثين عن العمل في الجندية، ولم يُؤَثِق ضد مصر احتلال محمد على باشا للسودان ولا حملات صهره محمد بك الدفتردار الانتقامية لمقتل أسماعيل باشا والتي راح ضحيتها مايقارب العشرين ألفاً من الأنفس مابين شندي والمتمة والدامر . فقد كان أهل السودان عموماً يؤمنون ببراءة المصريين من دم السودانيين، بحسبان أن الفئة الحاكمة من أسرة محمد على باشا، وصهره محمد بك الدفتردار ليسوا من أهل مصر فأصول الأسرة الخديوية تتوزع ما بين كورتشة في (ألبانيا) وقونية في (تركيا) وكافالا في (اليونان) ولم يكن لسانهم عربياً وإن كانوا مسلمين. ويُسمي السودانيون تلك الحقبة بـ(التركية السابقة)، التي أسقطتها الثورة المهدية، بما يعني بداهةً أن الأستعمار الأنجليزي المصري، أو الحكم الثنائي هو (التركية اللاحقة) لأن مصر كانت مغلوبة على أمرها فهي تحت الاحتلال الأنجليزي، وهكذا لم يَحمِل أهل السودان أيّ غلٍّ أو حقد تجاه أهل مصر وينظرون إليهم باعتبارهم (ضحايا استعمار) مثلهم تماماً .

وبعد أن نال السودان أستقلاله لم تتغير نظرة أهل السودان تجاه مصر غضَّ النظر عن المظالم التاريخية والخلافات في الحدود الدولية الفاصلة بينهما في مثلث حلايب أو نتوء وادي حلفا وتضحية السودان بوادي حلفا أرضاً وسُكاناً في سبيل انشاء السد العالي، والسُلفة المائية غير المستردة والوعود التي لم تنفذ وكل المظالم التي وقعت بعد وقبل ذلك !!

ومن نافلة القول أن العلاقات بين الدول ليست مثل العلاقات بين الشعوب، لذا فإننا نجد أن الشعب السوداني يحب الشعب المصري ولا يُحمِّله وِزْر أفعال حكوماته مهما كانت، وبلادنا تخوض حرباً وجودية تجد السند السياسي والدبلوماسي وربما العسكري من مصر بلا أدنى ريب. وهذا ما يجد الترحيب من الشعب السوداني ومن الحكومة.

لا ينكر عاقل حقَّ أَيَّ دولة في الدفاع عن سيادتها وحدودها ومواطنيها بما تراه مناسباً، دون إفراطٍ أو تفريط، لكن أستخدام مصر للقوة المفرطة تجاه المعدنين فى حدود الدولتين يُعد تجاوزاً للعرف السائد بين الدول لمعالجة أي مشكلة مثل عبور أفراد أبرياء للحدود (غير المُعَلَّمة) وهم لا يملكون من أمرهم شيئاً ولم يقصدوا حتماً تحدي الحكومة المصرية التي كان بوسعها اتخاذ الأجراءات المناسبة لا أن تقصفهم بالطائرات دفعةً واحدة!!

ومن الجانب الآخر فإن الحادث الفردي الذي أوقع قتلى و جرحى مصريين فى السودان، ويبدو أنه جاء كردةِ فعلٍ لمقتل عشرات المعدنيين الشباب، أمرٌ يجب أن لا يُنظر إليه اِلًّا في إطار التصرف المعزول الذي لا يُعبِّر عن المزاج العام السوداني الذي لا يخطر بباله أن يوجه الجيش المصري سلاحه إلى صدر أخيه السوداني الذي سانده في حروبه كلها وفتح له أراضيه ومعسكراته!!

إن أستضافة مصر للسودانيين عند وقوع حرب الكرامة وأعتبارهم ضيوفاً ينفقون على أنفسهم من أموالهم ولا يتلقَّون عوناً كلاجئين ،لا يمنعنا من استنكار القصف الذي أوقع ضحايا وإن لم يكتمل التحقيق في ملابسات العملية التى أوقعتهم.

المطلوب الآن من الحكومتين أن تقوما بما يلزم لإحقاق الحق ووأد الفتنة في مهدها بأعجل ما يمكن، حتى لا يتسع الفتق على الراتق ويكفي أهل السودان ما هم فيه من حرب أتت على الأخضر واليابس ولا حاجة لنا في المزيد من المـآسي.

وبعيداً عن نظرة الاستعلاء أو عقدة الدونية فنحن نحب مصر ولكننا [نحب السودان أكثر] .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى