السودان في حسابات واشنطن: حين تصبح الثروات أداة ضغط ووعداً بالشراكة

هشام يوسف عبد الرحمن
لم يعد اقتصاد الحرب في السودان مجرد وسيلة لتمويل القتال، بل أصبح أحد أهم مفاتيح فهم الصراع ومواقف القوى الإقليمية والدولية منه. فالموارد التي تُستخدم اليوم في تغذية الحرب، من الذهب إلى شبكات التجارة والتمويل، هي نفسها التي يمكن أن تصبح غداً أساساً لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، أو مدخلاً جديداً للتنافس على النفوذ فيه. وبين الاحتمالين تقف قضية أكثر أهمية من حجم الثروات نفسها: من يملك سلطة التصرف فيها، ولمن تذهب عائداتها، ومن يحدد شروط استثمارها؟
في سلسلة من القراءات التحليلية السابقة التي نشرناها على موقع “المحقق الإخباري” حول الحرب السودانية وارتداداتها الإقليمية، تناولنا كيف تسبق الوقائع الميدانية القرارات الدولية، وكيف أصبحت شبكات المصالح والتمويل والإمداد جزءاً من آليات استمرار الصراع، وكيف تتداخل أزمته الداخلية مع حسابات القوى الإقليمية والدولية. ثم جاء مقالنا “السودان بين بكين وواشنطن: حين يعيد الآخرون ترتيب الإقليم والسودان غارق في الحرب” ليطرح سؤالاً يتجاوز تطورات الميدان: أين يقف السودان من التحولات الاستراتيجية الجارية حوله، وكيف يستعيد قدرته على المبادرة بدلاً من أن يبقى موضوعاً لحسابات الآخرين؟
واليوم تضيف التطورات التشريعية في الكونغرس الأمريكي بعداً جديداً إلى هذا السؤال. فبين مشروعات تستهدف التضييق على مصادر تمويل الحرب، ومشروع آخر يفتح الباب لشراكة مستقبلية تقوم على التكنولوجيا والزراعة والمعادن، تبرز قضية أعمق من مجرد اختلاف الأدوات التشريعية: هل يمثل الاهتمام الأمريكي الراهن بثروات السودان تحولاً جديداً في السياسة الأمريكية، أم امتداداً لرؤية استراتيجية قديمة أدركت مبكراً أهمية موارده وموقعه وإمكاناته الاقتصادية المستقبلية؟
ولعل الإجابة تستدعي العودة إلى تاريخ العلاقات السودانية الأمريكية، وإلى وثائق رسمية تكشف أن السودان لم يكن غائباً عن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، وأن الاهتمام بإمكاناته الاقتصادية سبق اكتشاف النفط، ودخول الصين إلى قطاع الطاقة، والحرب الراهنة بعقود طويلة.
ففي مارس 1957، زار ريتشارد نيكسون السودان وهو نائب للرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، ضمن جولة أفريقية شملت عدداً من الدول التي كانت تستقل حديثاً عن الاستعمار. وتحتفظ مكتبة نيكسون الرئاسية بملفات تلك الزيارة، بما فيها مواد إحاطة وخرائط وتقارير، إلى جانب تقرير عن جولته الأفريقية أُعد للرئيس الأمريكي. وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من توقيتها، بعد نحو عام واحد من استقلال السودان، حين كانت واشنطن تسعى إلى فهم التحولات السياسية والاقتصادية في أفريقيا، وتحديد مواقع مصالحها في القارة خلال الحرب الباردة.
ولم يكن ذلك الاهتمام مجرد نشاط دبلوماسي عابر. ففي وثيقة أمريكية تعود إلى عام 1957، تتناول أهداف السياسة الأمريكية تجاه السودان، ورد ضمن الأهداف العامة للولايات المتحدة في المنطقة ضمان إتاحة الموارد والمواقع الاستراتيجية وحقوق المرور للولايات المتحدة وحلفائها، ومنع الكتلة السوفيتية من الوصول إليها. وعند تناول السودان تحديداً، دعت الوثيقة إلى تقييم موارده الزراعية والطبيعية، وتشجيع مشاركة الشركات والمصالح الصناعية الأمريكية في تنميته، مع إبقاء إمكاناته العسكرية والجغرافية قيد المراجعة تحسباً لاحتياجات استراتيجية مستقبلية.
وهذه اللغة، في سياقها التاريخي، تكشف أن السودان كان يُنظر إليه من زاويتين متلازمتين: موقعه الجيوسياسي في منطقة تتقاطع فيها المصالح العربية والأفريقية والدولية، وما يمكن أن توفره موارده الطبيعية من فرص اقتصادية واستراتيجية.
ثم جاءت زيارة الفريق إبراهيم عبود إلى الولايات المتحدة في أكتوبر 1961، ولقاؤه الرئيس جون كينيدي، لتؤكد أهمية السودان في العلاقات الأمريكية مع الدول الأفريقية المستقلة حديثاً. ففي خطاب استقباله لعبود، أشار كينيدي إلى موقع السودان وصلاته بجيرانه وإلى أهمية دوره الإقليمي، في مرحلة كانت فيها واشنطن تولي اهتماماً متزايداً بأفريقيا وموقعها في التنافس الدولي.
غير أن ما يستحق التوقف عنده بصورة أعمق هو التفكير الاقتصادي لريتشارد نيكسون نفسه. ففي دراسة له حول الموارد الطبيعية، أُعدت عندما كان نائباً للرئيس، تناول ضرورة المحافظة على الموارد وتنميتها بصورة منظمة، وتعزيز البحث العلمي والتكنولوجي لتجنب نقص المواد في المستقبل، والحفاظ على المخزونات الاستراتيجية من المعادن والمواد الحيوية التي يتطلبها الأمن القومي الأمريكي. كما تحدث عن أهمية موارد أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية غير المستغلة، وضرورة إدخالها في آفاق التنمية والاقتصاد العالمي.
ولا يعني ذلك أن نيكسون أصدر، وفق ما هو متاح من هذه الوثيقة، توجيهاً خاصاً بإبقاء موارد السودان غير مستغلة. لكنه يكشف أن التفكير في الموارد من منظور الندرة المستقبلية والأمن الاقتصادي والمخزونات الاستراتيجية كان حاضراً بوضوح في الرؤية الاقتصادية الأمريكية، وأن الموارد الطبيعية لم تكن تُقاس بقيمتها التجارية الآنية وحدها، وإنما بأهميتها المحتملة في موازين القوة الدولية.
وتعزز هذا الاتجاه في سبعينيات القرن الماضي، حين أصبحت قضايا الطاقة والمواد الخام والأمن الاقتصادي أكثر حضوراً في الاستراتيجية الأمريكية، خصوصاً بعد أزمة النفط العالمية عام 1973. ففي أبريل 1974، أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي مذكرة الدراسة رقم 200، المعروفة اختصاراً بـNSSM 200، بتوجيه من الرئيس نيكسون، لدراسة تأثير النمو السكاني العالمي على الأمن القومي والمصالح الأمريكية حتى نهاية القرن العشرين.
وقد تناولت الدراسة العلاقة بين النمو السكاني والغذاء والطاقة والمعادن والموارد الطبيعية، وأشارت إلى تزايد اعتماد الولايات المتحدة على واردات المعادن من الدول النامية. والأكثر دلالة أنها رأت أن مشكلة الموارد المعدنية لا تتعلق فقط بمدى كفاية الاحتياطيات الطبيعية، بل بالقضايا السياسية والاقتصادية المرتبطة بالوصول إليها، وشروط التنقيب عنها واستغلالها، وكيفية توزيع عائداتها بين الدول المنتجة والمستهلكة والحكومات المالكة للموارد.
وهنا تتضح إحدى السمات الأساسية للتفكير الاستراتيجي الأمريكي في تلك المرحلة: لم تعد السيطرة على الموارد تعني بالضرورة امتلاك الأرض التي توجد فيها، وإنما القدرة على ضمان الوصول إليها، والتأثير في شروط استغلالها، وتأمين تدفقها عند الحاجة إليها.
لكن الوثيقة الأكثر اتصالاً بالسودان، والأوضح في التعبير عن قيمته الاقتصادية المستقبلية، جاءت في برقية رسمية بعثت بها السفارة الأمريكية بالخرطوم إلى وزارة الخارجية في الحادي والعشرين من سبتمبر 1976، تحت الرقم 2751، بعنوان “السودان بعد محاولة الانقلاب: الآثار المترتبة على الولايات المتحدة”.
ففي هذه البرقية، قدم الفريق الدبلوماسي الأمريكي تقييماً لافتاً، رأى فيه أن الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للسودان مرشحة للارتفاع بصورة كبيرة خلال الفترة من 1980 إلى 1990، وأن المصالح الأمريكية فيه ستكون اقتصادية بالدرجة الأولى. ولم يقتصر التقييم على موقع السودان، بل تناول إمكاناته الزراعية والغذائية الواسعة، واحتمال تحوله إلى مصدر رئيسي للغذاء، فضلاً عن موارده المحتملة من الحديد والنحاس والذهب واليورانيوم والنفط. ولم تكتف البرقية بتعداد هذه الإمكانات، وإنما أوصت واشنطن بالاستفادة من الظروف السياسية المواتية آنذاك لبناء علاقات ومواقع اقتصادية في السودان تؤتي ثمارها خلال السنوات والعقود التالية. واستحضرت في هذا السياق تجربة العلاقات الأمريكية مع السعودية، وما حققته من مكاسب استراتيجية نتيجة الوجود الأمريكي المبكر والممتد.
وتكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها تكشف أن المؤسسات الأمريكية كانت تنظر إلى السودان باعتباره دولة قد تتجاوز أهميتها الاقتصادية في المستقبل وزنها السياسي والاقتصادي القائم آنذاك. كما أنها تؤكد أن الاهتمام بموارده الزراعية والمعدنية والنفطية لم يكن وليد التطورات الراهنة، بل جزءاً من تقديرات استراتيجية رسمية تعود إلى نحو نصف قرن.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الروايات المتداولة عن اهتمام نيكسون بخرائط الموارد العالمية، وعن النظر إلى السودان بوصفه مخزوناً استراتيجياً مهماً للمستقبل، في إطار مناخ فكري وسياسي كانت فيه واشنطن تعيد تقييم مصادر الطاقة والغذاء والمعادن في العالم. غير أن الوثائق المتاحة التي أمكن الاستناد إليها تثبت الاهتمام الأمريكي المبكر بتلك الموارد وبضمان الوصول إليها مستقبلاً، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار محدد بتعطيل استغلالها أو الاحتفاظ بها دون استخراج حتى تنضب الموارد العالمية.
والتمييز هنا مهم؛ لأن القيمة السياسية للوثائق لا تتوقف على إثبات وجود خطة سرية شاملة. فمجرد أن تحدد مؤسسات دولة كبرى موارد بلد آخر بوصفها عنصراً مهماً في مصالحها المستقبلية، ثم تدعو إلى بناء مواقع اقتصادية واستراتيجية مبكرة فيه، يكفي للدلالة على أن ذلك البلد أصبح جزءاً من حساباتها بعيدة المدى.
ولم يبق الاهتمام الأمريكي بالموارد السودانية حبيس التقارير الدبلوماسية. فقد دخلت شركة شيفرون الأمريكية قطاع النفط السوداني في السبعينيات، وأسهمت في أعمال الاستكشاف التي كشفت عن حقول مهمة في أحواض النفط السودانية، ومنها مناطق بانتيو وهجليج وعدار ييل. وكان من الممكن أن تمثل تلك الاكتشافات بداية مبكرة لتحول اقتصادي كبير، لولا أن الحرب الأهلية الثانية وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية أعاقا تطوير القطاع.
غير أن تطور قطاع النفط السوداني تزامن مع تحولات سياسية داخلية عميقة أعادت البلاد إلى الحرب الأهلية. ففي مايو 1983، اندلع التمرد العسكري في الجنوب الذي نشأت منه الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، في ظل تصاعد الخلافات حول الحكم الذاتي وترتيبات اتفاق أديس أبابا لعام 1972، وقرارات نميري بإعادة تقسيم الإقليم الجنوبي. ثم جاء إعلان قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983 ليضيف بعداً دينياً وسياسياً بالغ الحساسية إلى الصراع، ويعمق مخاوف الجنوبيين وغير المسلمين بشأن طبيعة الدولة وحقوق المواطنة، ويزيد تعقيد فرص التسوية الوطنية.
ولم تكن هذه التطورات بعيدة عن حسابات واشنطن. فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تناقض بين تحالفها الاستراتيجي مع نظام نميري، الذي كانت تنظر إليه باعتباره شريكاً في مواجهة النفوذ السوفيتي والليبي في المنطقة، وبين التداعيات السياسية والحقوقية لسياساته الداخلية وتجدد الحرب في الجنوب. ومن اللافت أن الرئيس رونالد ريغان استقبل نميري في واشنطن في نوفمبر 1983، بعد إعلان قوانين سبتمبر، وأكد أهمية العلاقات بين البلدين، بما يدل على أن المصالح الاستراتيجية الأمريكية ظلت حاضرة بقوة، ولم يؤد تطبيق الشريعة في حد ذاته إلى قطيعة فورية مع الخرطوم.
لكن الحرب سرعان ما انتقلت من المجال السياسي والعسكري إلى قلب المشروع النفطي نفسه. ففي فبراير 1984، تعرض أحد معسكرات شيفرون في منطقة أعالي النيل لهجوم نفذته قوات من أنانيا الثانية، وأسفر عن مقتل ثلاثة من العاملين الأجانب وإصابة آخرين، الأمر الذي دفع الشركة إلى تعليق عملياتها في المنطقة. ومع استمرار الحرب وتدهور الأمن، تعثرت محاولات استئناف النشاط النفطي بصورة مستقرة، إلى أن انتهى الأمر بخروج شيفرون من السودان نهائياً عام 1992.
ولا يمكن اختزال هذا الانسحاب في سبب واحد. فالحرب وانعدام الأمن شكّلا عائقاً مباشراً أمام عمليات الشركة، بينما أسهمت التحولات السياسية وتدهور العلاقات بين الخرطوم وواشنطن والضغوط الأمريكية اللاحقة في تعقيد استمرار الاستثمار. وقد أشار تقرير لصندوق النقد الدولي صدر عام 2020 إلى أثر عدم الاستقرار السياسي والضغوط الأمريكية في انسحاب شيفرون، كما أكدت دراسات أكاديمية أن قرارات شركات النفط العاملة في السودان تأثرت بدرجة كبيرة بسياسات الدول والعلاقات الدولية، ولم تكن قرارات تجارية خالصة.
وهكذا تكشف تجربة شيفرون عن تداخل بالغ التعقيد بين طبيعة الحكم في السودان، وتجدد الحرب الأهلية، والتنافس الإقليمي والدولي، ومصالح شركات الطاقة. وهي تجربة تستحق القراءة في ضوء السؤال الأوسع الذي يطرحه تاريخ الاهتمام الأمريكي بموارد السودان: إلى أي مدى تحدد الجدوى الاقتصادية مصير الاستثمارات الاستراتيجية، وإلى أي مدى تستطيع السياسة أن تعيد توجيهها، حتى عندما تكون الموارد نفسها ذات قيمة مستقبلية كبيرة؟
ولعل المفارقة التاريخية أن خروج شيفرون من قطاع النفط السوداني لم يؤد إلى بقاء النفط خارج دائرة الاستغلال إلى أجل غير مسمى، وإنما فتح المجال، بعد سنوات قليلة، لدخول شركات آسيوية، وفي مقدمتها الشركات الصينية. وهكذا تحولت فرصة اقتصادية كانت الشركات الأمريكية من أوائل من استكشفوها إلى أحد أبرز ميادين التعاون الاقتصادي بين السودان والصين.
وفي المقابل، أتاح انسحاب شيفرون دخول الصين إلى قطاع النفط السوداني في منتصف التسعينيات، حين التقت حاجة السودان إلى التمويل والتكنولوجيا مع تطلع بكين إلى تأمين مصادر الطاقة. وأثمرت تلك الشراكة عن قيام صناعة نفطية متكاملة وبدء تصدير النفط عام 1999. وقد تناولنا هذه التجربة في مقالات سابقة، لكن أهميتها في سياقنا الراهن تكمن في أنها تكشف كيف يمكن لتحولات السياسة الدولية أن تعيد توزيع فرص الاستثمار والنفوذ الاقتصادي، وكيف يستطيع السودان، متى امتلك رؤية واضحة لمصالحه، أن يستفيد من تعدد الشركاء دون الارتهان لأي منهم.
وبالعودة إلى الحاضر، فإن قراءة مشروعات القوانين المطروحة في الكونغرس الأمريكي تكتسب معنى أوسع في ضوء هذا التاريخ. فالمسألة لا تتعلق باهتمام أمريكي طارئ بموارد السودان، وإنما بإعادة ظهور تلك الموارد في صلب النقاش التشريعي الأمريكي، هذه المرة في سياق الحرب الراهنة، والتنافس على سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والمعادن ذات الأهمية الاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن واشنطن قد حسمت خياراتها، أو أن الكونغرس انقسم بالفعل إلى معسكرين متعارضين، أحدهما للعقوبات والآخر للاستثمار. فالمشروعات المطروحة لم تصبح جميعها قوانين نافذة، ولا توجد أدلة كافية على انقسام تشريعي بهذه الصورة. لكن قراءة مضامينها معاً تكشف عن مسارين مختلفين في أدواتهما وتوقيتهما، يمكن أن يتكاملا أو تتعارض نتائجهما بحسب الكيفية التي يجري بها تطبيقهما.
ففي السادس من مارس 2025، قُدّم إلى مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون المشاركة الأمريكية في السلام السوداني (H.R. 1939)، برعاية النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، متضمناً تدابير تستهدف الأشخاص والكيانات المتورطة في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وانتهاك حظر السلاح المفروض على دارفور. وتشمل العقوبات المقترحة تجميد الأصول، وقيود التأشيرات، وبعض القيود المالية، إلى جانب تدابير تتعلق بحماية المدنيين والعمل الدبلوماسي والإنساني.
ثم جاء مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان (S. 4726)، الذي قدمه السيناتور الجمهوري جيم ريش في التاسع من يونيو 2026، ليضيف اهتماماً أوضح بالشبكات الاقتصادية والتجارية المرتبطة بالحرب، وبالأدوار الخارجية التي تسهم في استمرارها. ومن أبرز أحكامه المقترحة تحديث التحذير الأمريكي بشأن مخاطر ممارسة الأعمال التجارية في السودان، مع التركيز على الذهب والصمغ العربي وسلاسل الإمداد والتهريب، والمخاطر المرتبطة بالتعامل مع الجهات المتصلة بالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والجماعات المسلحة الأخرى.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه ينقل النظر من المقاتل وسلاحه إلى المنظومة الاقتصادية التي تتيح استمرار القتال. فالذهب الذي يغادر مناطق الإنتاج عبر شبكات معقدة، والتجارة التي تتحرك خارج القنوات الرسمية، والأموال التي تعبر الحدود، والخدمات اللوجستية التي تصل بين المورد والمشتري، كلها قد تصبح أجزاء من اقتصاد موازٍ يستمد قوته من ضعف الدولة، ويعيد إنتاج الظروف التي تسمح باستمرار الحرب.
وهنا تتأكد إحدى القضايا التي تناولناها في قراءاتنا السابقة: الحرب التي تتمكن من بناء اقتصاد يمول استمرارها لا تعود رهينة للقرار السياسي أو العسكري وحده. فقد تتوقف معركة وتستمر شبكات التمويل، وقد تتغير التحالفات وتبقى المصالح الاقتصادية التي نشأت في ظل الصراع. ولهذا فإن تفكيك اقتصاد الحرب ليس إجراءً مالياً مكملاً للتسوية السياسية، وإنما أحد شروط استدامتها.
لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام جاء في الثالث عشر من أكتوبر 2026، عندما قدم النائب الجمهوري جيم بيرد مشروع قانون السودان للاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة، المعروف اختصاراً بقانون IMPACT، تحت الرقم H.R. 10795.
فعلى خلاف المشروعات التي تركز على العقوبات والمساءلة، يقترح هذا المشروع إطاراً لشراكة اقتصادية مستقبلية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على توفير معدات وتقنيات زراعية وتعدينية أمريكية، مقابل إتاحة الوصول إلى طيف واسع من الموارد السودانية، تشمل الذهب، واليورانيوم، والنفط الخام، والكروم، والحديد، والنحاس، والمنغنيز، والزنك، والفضة، والنيكل، والصمغ العربي.
وهي قائمة لافتة لا تقتصر على الثروات التقليدية، بل تمتد إلى معادن تدخل في الصناعات الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب الصمغ العربي ذي الأهمية الخاصة في الصناعات الغذائية والدوائية. ويكشف هذا التنوع عن اتساع المصالح الاقتصادية المحتملة التي يتناولها المشروع، دون أن يعني بالضرورة ثبوت احتياطيات تجارية من جميع هذه الموارد أو وجود اتفاق فعلي لاستغلالها.
وتشمل التقنيات المقترحة المعدات الزراعية الحديثة، ونظم الري الدقيق، ومعدات التصنيع الزراعي، وتقنيات المسح الجيولوجي والتعدين الآمن والمعالجة البيئية، فضلاً عن الخبرات المتعلقة بسلاسل الإمداد. غير أن المشروع لا يفتح الباب لهذه الشراكة فوراً؛ إذ يشترط أن يقرر وزير الخارجية الأمريكي وجود سلطة حكم شرعية بقيادة مدنية في السودان، تكون قد أحرزت تقدماً ملموساً في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة المسؤولة للموارد.
وبذلك لا يتعلق الأمر باتفاق استثماري قائم، ولا بالتزام أمريكي بضخ مليارات الدولارات، وإنما بتصور تشريعي مشروط لما يمكن أن تكون عليه العلاقة الاقتصادية بين البلدين في مرحلة لاحقة.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية تستحق التأمل. فالموارد التي تناولتها التقديرات الأمريكية منذ السبعينيات، وفي مقدمتها الذهب واليورانيوم والنفط والحديد والنحاس والإمكانات الزراعية، تعود اليوم إلى واجهة التفكير التشريعي الأمريكي، ولكن في ظروف سياسية واقتصادية مختلفة تماماً.
فإذا كانت وثائق الماضي قد نظرت إلى السودان بوصفه مصدراً مستقبلياً محتملاً للغذاء والطاقة والمعادن، فإن مشروعات اليوم تتعامل مع الموارد نفسها من زاويتين متداخلتين: قدرتها الحالية على تمويل الحرب، وقدرتها المستقبلية على تأسيس شراكة اقتصادية بعد انتهائها.
ولا يكفي هذا التشابه لإثبات وجود خطة أمريكية واحدة متصلة لم تتغير منذ عهد نيكسون حتى اليوم؛ فقد تبدلت الإدارات والظروف الدولية والأولويات الاقتصادية. لكنه يسمح باستنتاج أكثر انضباطاً وأهمية: إن القيمة الاستراتيجية لموارد السودان ظلت حاضرة، بدرجات وأشكال مختلفة، في التفكير الأمريكي، بينما تغيرت الأدوات التي تسعى واشنطن من خلالها إلى التعامل مع تلك القيمة.
فالذهب الذي تسعى التشريعات إلى التضييق على مسارات استغلاله في تمويل الصراع، يصبح أحد الموارد التي يمكن أن تقوم عليها شراكة استثمارية بعد الحرب. والصمغ العربي، الذي يرتبط بمعيشة أعداد كبيرة من المنتجين والتجار، يظهر في سياق مخاطر سلاسل الإمداد، ثم يعود ضمن الموارد المشمولة بالتعاون الاقتصادي المقترح.
وهنا لا تكمن المفارقة في تغير قيمة الموارد، وإنما في تغير السؤال المطروح حولها: كيف نمنع استخدامها في تمويل الحرب اليوم، وكيف نضمن أن تصبح عائداتها جزءاً من بناء الدولة غداً؟
وهذا سؤال يتجاوز التشريعات الأمريكية إلى طبيعة الاقتصاد السوداني نفسه. فالثروات لا تتحول تلقائياً إلى تنمية لمجرد توافرها، كما أن وجود الذهب والمعادن والأراضي الزراعية والمياه لا يمنح الدولة قوة تفاوضية ما لم تكن قادرة على تنظيم استغلالها، وحماية عائداتها، وتوجيهها نحو الإنتاج والبنية التحتية والخدمات العامة.
وقد أظهرت التجربة السودانية أن وفرة الموارد يمكن أن تتعايش مع ضعف المؤسسات، وأن الإيرادات الكبيرة لا تمنع الاختلالات الاقتصادية والسياسية إذا غابت الإدارة الرشيدة والمساءلة.
ومن هذه الزاوية يصبح مشروع IMPACT مثيراً للاهتمام، لا لأنه يعد السودان بثروات جديدة، بل لأنه يعيد طرح السؤال القديم في ظرف مختلف: ماذا يستطيع السودان أن يقدم للعالم، وماذا ينبغي أن يحصل عليه في المقابل؟ وهل تكون الشراكة مجرد تبادل للموارد الخام بالمعدات والتكنولوجيا، أم مدخلاً إلى بناء قدرات سودانية في الزراعة والتصنيع والتعدين والخدمات والبنية التحتية؟
فالفرق كبير بين أن يحصل السودان على معدات لاستخراج المعادن، وبين أن يبني صناعة تعدينية وطنية تشمل المسح الجيولوجي والمعالجة والتصنيع والتدريب والبحث العلمي. والفرق لا يقل أهمية بين استيراد معدات زراعية حديثة وبين تطوير منظومة متكاملة تربط الإنتاج بالري والطاقة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل والأسواق.
في الحالة الأولى تتوسع القدرة على استخراج الموارد أو إنتاج السلع الأولية؛ وفي الثانية تتسع قدرة الاقتصاد على خلق القيمة وفرص العمل والمعرفة.
ولا يجوز، في هذا السياق، التعامل مع كل ما يرد في مشروعات القوانين عن المعادن السودانية باعتباره احتياطيات مثبتة قابلة للاستغلال التجاري. فوجود مؤشرات جيولوجية على معدن ما يختلف عن إثبات احتياطيات اقتصادية يمكن استخراجها بكلفة مجدية، كما أن تطوير تلك الموارد يتطلب دراسات فنية وبيئية واستثمارات وبنية تحتية وأوضاعاً أمنية وقانونية مستقرة.
ولهذا ينبغي أن تكون المعرفة الدقيقة بالموارد السودانية، من حيث حجمها ونوعيتها وجدواها، جزءاً من مشروع وطني مستقل، لا مجرد معلومات تُستمد من تقديرات المستثمرين المحتملين.
وفي الوقت نفسه، فإن العقوبات الاقتصادية، مهما كانت دوافعها، تحتاج إلى تمييز دقيق بين شبكات تمويل الحرب والأنشطة الاقتصادية المشروعة. فاستهداف التهريب والتعاملات المرتبطة بالانتهاكات يختلف عن تعطيل التجارة التي يعيش عليها المزارعون والرعاة والمنتجون الصغار.
وإذا لم تُصمم أدوات الضغط بصورة تستهدف المستفيدين من الحرب وتحمي الاقتصاد المدني، فقد تنتهي إلى إضعاف المجتمع الذي يُفترض أن تسهم في حمايته، بينما تتكيف الشبكات غير المشروعة مع القيود الجديدة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً لأن قيام سلطة مدنية شرعية، وهو الشرط الأساسي في مشروع الشراكة الأمريكية، لا يعني تلقائياً استعادة الدولة سيطرتها على مواردها ومؤسساتها. ولعل تجربة حكومة عبد الله حمدوك الأولى، عقب ثورة ديسمبر، تقدم درساً لا ينبغي تجاهله؛ إذ لم تنجح في إدارة مقدرات البلاد بالكفاءة والحسم المطلوبين، ولا في إحداث التحول الاقتصادي والمؤسسي الذي انتظره السودانيون، بينما ظلت مراكز القوة العسكرية والاقتصادية خارج السيطرة المدنية الفعلية. وقد أسهم هذا الإخفاق، إلى جانب صراعات القوى السياسية وضعف كوادر الحكومة التنفيذية، في إضعاف المرحلة الانتقالية وتهيئة الظروف للانقلاب على مسار الثورة وإجهاض آمالها. فالشرعية، مهما كانت أهميتها، لا تغني عن الكفاءة والقدرة على الحكم وبسط سلطة الدولة.
ومن ثم فإن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام لا يتحقق بمجرد توقيع اتفاق سياسي، بل يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد السلطة المالية، وإخضاع الموارد للمساءلة والقانون.
وهنا تتصل التطورات الأمريكية بما تناولناه في مقال “السودان بين بكين وواشنطن”. فالمسألة لم تعد مقتصرة على زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة، أو تطور العلاقات الأمريكية مع إثيوبيا، أو قيام إطار جديد للتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية. تلك التحركات تكشف أن البيئة المحيطة بالسودان تتغير، وأن الدول تعيد ترتيب مصالحها الاقتصادية والأمنية.
أما التشريعات الأمريكية الجديدة فتضيف إلى هذا المشهد بعداً أكثر اتصالاً بالداخل السوداني نفسه: الموارد التي تشكل أساس القوة الاقتصادية المحتملة للسودان أصبحت حاضرة في التفكير التشريعي الأمريكي بشأن الحرب وما بعدها، بعد عقود من حضورها في التقديرات الدبلوماسية والاستراتيجية الأمريكية.
ولا غرابة في أن تسعى الولايات المتحدة والصين وغيرهما إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في موارد السودان؛ فذلك من طبيعة العلاقات الدولية. لكن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس في تعدد الأطراف المتطلعة إلى ثرواته، وإنما في قدرته على تحديد مصالحه والتفاوض بشأنها من موقع السيادة، وتنويع شراكاته دون الارتهان لأي طرف.
وقد تناولنا في مقالات سابقة فرص التكامل السوداني– المصري–السعودي، والعلاقات الاقتصادية مع الصين والولايات المتحدة. وما يعنينا هنا أن الاهتمام الأمريكي المتجدد بموارد السودان ينبغي أن يقابله تصور وطني واضح لشروط استثمارها وعائداتها، يبدأ إعداده قبل انتهاء الحرب، حتى لا يجد السودان نفسه أمام ترتيبات اقتصادية صاغها الآخرون لمصالحهم، بينما غابت عنها أولوياته الوطنية.
إن مشروعات القوانين الأمريكية الثلاثة لا تكفي للقول إن واشنطن قررت مستقبل السودان الاقتصادي، أو أنها انتقلت بالفعل من العقوبات إلى الاستثمار. لكنها تكشف أن هناك تفكيراً أمريكياً يتناول المسألة السودانية من زاويتين مترابطتين: الحد من قدرة الموارد والشبكات التجارية على إدامة الحرب، وتهيئة إطار مشروط للتعاون الاقتصادي مع سلطة مدنية مستقبلية.
وإذا أضفنا إلى ذلك الوثائق الأمريكية التي تعود إلى خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، فإن الصورة تصبح أوسع وأعمق. فالسودان الذي رأت فيه واشنطن مبكراً موقعاً استراتيجياً ومصدراً محتملاً للغذاء والطاقة والمعادن، هو نفسه السودان الذي تتناول تشريعاتها اليوم شبكات استغلال موارده في الحرب وإمكانات التعاون بشأنها في مرحلة السلام.
غير أن المسافة بين الرؤيتين تكشف أيضاً مفارقة سودانية مؤلمة: لقد أدرك الآخرون، منذ عقود، الأهمية المستقبلية المحتملة لموارد السودان، بينما لم ينجح السودان نفسه في تحويل تلك الموارد إلى اقتصاد وطني متنوع ودولة مستقرة قادرة على حماية ثرواتها وإدارة عائداتها.
ولا يعني ذلك أن إخفاق التنمية السودانية يمكن تفسيره بالسياسات الخارجية وحدها، أو أن الصراعات الداخلية كانت مجرد نتائج لتدخلات الآخرين. فالمسؤولية الوطنية عن ضعف المؤسسات وسوء الإدارة والصراعات السياسية لا تقل أهمية عن تأثير المصالح الإقليمية والدولية. لكن تجاهل البعد الخارجي في اقتصاد الموارد، أو فصل القرارات الاقتصادية الكبرى عن التنافس الدولي، لا يقدم تفسيراً متكاملاً للتجربة السودانية.
ولهذا فإن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من زيارة نيكسون للسودان، ولقاء عبود وكينيدي، والتقديرات الأمريكية في السبعينيات، وتجربة شيفرون، ثم الشراكة النفطية مع الصين، وصولاً إلى مشروعات الكونغرس الحالية، ليس أن السودان محكوم بمخططات الآخرين، وإنما أن موارده وموقعه سيظلان موضع اهتمام القوى الكبرى، سواء امتلك السودانيون رؤية وطنية لإدارتها أم لم يمتلكوا.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يسيطر على الذهب والنفط والمعادن اليوم، وإنما حول من يملك حق تقرير مستقبلها غداً، وكيف تتحول من موارد تتنازعها مراكز القوة إلى ثروة عامة تديرها دولة مسؤولة أمام شعبها.
ولذلك فإن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة لا يمثلان مجرد شرط سياسي لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، بل هما الأساس الذي تقوم عليه السيادة الاقتصادية نفسها. فالدولة التي لا تستطيع حماية مواردها أو تنظيم استغلالها لن تكون قادرة على التفاوض بشأنها بشروط عادلة، مهما تعددت العروض والشراكات.
وعندما يستعيد السودان دولته وقدرته على المبادرة، لن يكون السؤال ما إذا كانت واشنطن ستقدم له التكنولوجيا مقابل المعادن، أو ما إذا كانت بكين ستواصل استثماراتها، أو أي القوى ستكون صاحبة النفوذ الأكبر في اقتصاده. سيكون السؤال الأهم: ما المشروع الوطني الذي يريد السودان بناءه، وما الذي يستطيع كل شريك أن يضيفه إليه؟
فليس المطلوب أن ينتقل السودان من اقتصاد حرب يتنافس فيه المسلحون على موارده، إلى اقتصاد سلام تتنافس فيه القوى الخارجية على الثروات نفسها؛ وإنما أن يستعيد السودانيون دولتهم، ويصبحوا هم أصحاب القرار في كيفية استثمار ثرواتهم وتوزيع عائداتها وصناعة مستقبلهم.



