رأي

التمويل الأصغر في السودان (3): إعادة ضبط المصنع

 

نعمان يوسف محمد **

في المقالين السابقين تناولنا أزمة التمويل الأصغر في السودان من زاويتين: هشاشة المؤسسات وتآكل قدراتها من جهة، وأزمة الموارد وتمويل التعافي من جهة أخرى. لكن معالجة هذين التحديين لا تكتمل بتوفير أموال جديدة أو إنقاذ مؤسسات متعثرة بصورة منفردة، لأن أصل المشكلة أعمق من ذلك.

السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك قطاع التمويل الأصغر اليوم الهندسة المؤسسية القادرة على تحويل الموارد إلى مؤسسات قوية، وخدمات فعالة، وإنتاج ودخل وفرص عمل؟

من هنا تأتي رؤيتي الشخصية لإعادة هندسة الشركة السودانية لتنمية التمويل الأصغر، وتحويلها إلى المنصة الوطنية للتمويل الأصغر (إعادة ضبط المصنع).

والفكرة ليست إنشاء مؤسسة جديدة، ولا توسيع جهاز بيروقراطي قائم، وإنما إعادة توظيف كيان موجود ليؤدي دورا وطنيا أوسع من مؤسسة تنموية محدودة الوظائف إلى منصة وطنية فاعلة ومقتدرة تقود صناعة التمويل الأصغر في مرحلة ما بعد الحرب، دون أن تدير مؤسساتها يوميا أو تحل محل البنك المركزي في الرقابة والتنظيم.

من إدارة الكيانات إلى هندسة المنظومة:

أحد أبرز التحديات التي تواجه التمويل الأصغر في السودان هو تعدد الأدوار وتشتت الأدوات. فهناك الإدارة العامة للشمول المالي باعتبارها جهة السياسات والتنظيم والرقابة، وهناك الشركة السودانية لتنمية التمويل الأصغر باعتبارها الذراع التنموي والتمويلي، وهناك وكالة ضمان التمويل الأصغر بالجملة “تيسير” بما توفره من أدوات للضمان وتخفيف المخاطر.

وجود هذه الأذرع في حد ذاته ليس مشكلة. المشكلة تنشأ عندما لا تعمل ضمن هندسة تكاملية واضحة تحدد وظيفة كل طرف، وتمنع التداخل، وتجمع الموارد والمعلومات والقدرات في اتجاه واحد.

لذلك تقوم الرؤية على معادلة بسيطة: توحيد المعايير دون إلغاء المؤسسات، والتنسيق دون دمج الأدوار، والقيادة الاستراتيجية دون التدخل في التشغيل اليومي.

وبذلك تركز الإدارة العامة للشمول المالي على السياسات والرقابة، بينما تتولى المنصة الجانب التنموي والاستثماري، وتظل أدوات الضمان والمخاطر في موقعها المتخصص، مع تكامل الجميع في خدمة هدف واحد هو بناء قطاع تمويل أصغر حيوي وشامل ومستدام.

ماذا تعني “المنصة الوطنية للتمويل الأصغر”؟

المنصة المقترحة ليست مجرد مظلة إدارية تجمع المؤسسات تحت اسم واحد. وإنما هي نموذج عمل جديد يقوم على أربعة أدوار مترابطة:

أولاً .. الاستثمار والتنمية الرأسمالية:
تساعد المنصة المؤسسات المؤهلة على تقوية قواعدها الرأسمالية، من خلال المساهمة المباشرة أو غير المباشرة، أو أدوات تمويل رأسمالية مناسبة، وفقا لجاهزية المؤسسة وأدائها وحوكمتها. وهنا يصبح الاستثمار وسيلة لبناء مؤسسات قابلة للحياة، وليس مجرد ضخ أموال لإنقاذ مؤسسات متعثرة.

ثانياً.. التمويل بالجملة وتعبئة الموارد:
تعمل المنصة كواجهة وطنية لتعبئة الموارد المحلية والخارجية، وإعادة توجيه التمويل طويل الأجل إلى المؤسسات القادرة على استخدامه بكفاءة. وهذا الدور مهم بصورة خاصة في مرحلة التعافي، حيث تحتاج مؤسسات التمويل الأصغر إلى موارد مستقرة تتناسب مع طبيعة التمويل الإنتاجي الذي تقدمه.

لكن القاعدة الأساسية تظل واضحة: تمويل التعافي لا يعني إعادة تمويل التعثر. فالتمويل الجديد ينبغي أن يرتبط بخطة إصلاح، ورسملة مناسبة، وحوكمة، وإدارة مخاطر، وقدرة حقيقية على استعادة النشاط.

ثالثاً.. بناء القدرات والحوكمة:
لا يمكن بناء صناعة تمويل أصغر قوية بالأموال وحدها. لذلك تقدم المنصة الدعم الفني والمؤسسي في مجالات الحوكمة، الإدارة المالية، إدارة المخاطر، تصميم المنتجات، الأنظمة التقنية، تطوير الموارد البشرية، والتخطيط الاستراتيجي. ويصبح التمويل نفسه حافزا لتحسين الأداء، بحيث ترتبط الموارد بدرجة الالتزام والقدرة المؤسسية والنتائج.

رابعاً.. البيانات وقياس الأثر:
لا يمكن قيادة صناعة لا نعرف حجمها الحقيقي ولا أداء مؤسساتها ولا مخاطرها ولا أثرها. ومن هنا تقترح الرؤية إنشاء منصة بيانات وطنية للتمويل الأصغر توفر معلومات قابلة للمقارنة حول المحافظ، العملاء، التعثر، السيولة، الحوكمة، الانتشار الجغرافي، والأثر الاقتصادي والاجتماعي. فالبيانات ليست وظيفة تقنية هامشية، وإنما هي أحد أهم أدوات القيادة الاقتصادية الحديثة.

ثلاث وظائف تجعل المنصة تنموية بحق:

الرؤية التي أقترحها لا تقيس نجاح المنصة بحجم الأموال التي تعيد تمويلها، وإنما بقدرتها على تحقيق ثلاث وظائف أساسية لصناعة التمويل الأصغر:
1. توسيع الوصول إلى خدمات تمويل أصغر كفؤة وفعالة:
الهدف ليس زيادة عدد المؤسسات، وإنما زيادة قدرة المواطنين والمنتجين على الوصول إلى خدمات تمويلية مناسبة ومستدامة.

وهذا يعني توجيه الموارد إلى المناطق والشرائح والقطاعات ذات الأولوية، ودعم المؤسسات القادرة على الوصول إليها بكفاءة.

2. تعزيز القدرات المؤسسية لمؤسسات التمويل الأصغر:
المؤسسة الضعيفة لا تصبح قوية بمجرد حصولها على التمويل. لذلك ينبغي أن يرتبط التمويل بالدعم الفني، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والأنظمة، وبناء القدرات. وبذلك تتحول المنصة من ممول إلى شريك في بناء المؤسسات.
3. إدماج صغار المنتجين في الدورة الاقتصادية:
وهذه هي الغاية التنموية الأهم. فالتمويل الأصغر ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتمكين صغار المنتجين النشطين اقتصاديا من زيادة الإنتاج والدخل والتشغيل، والاندماج في سلاسل القيمة والأسواق. وهنا تنتقل المنصة من منطق “كم مولنا؟” إلى سؤال أكثر أهمية:
ماذا تغير في حياة المنتج؟ وماذا أضاف التمويل إلى الاقتصاد المحلي؟

من المستفيد من المنصة؟
لا تقترح الرؤية قصر المنصة على المؤسسات الولائية. بل تمتد المظلة، وفق معايير واضحة، إلى:
-مؤسسات التمويل الأصغر الولائية.
-المؤسسات المحلية والريفية.
-مؤسسات وشركات التمويل الأصغر الإتحادية المملوكة للقطاع الخاص والمرخصة من البنك المركزي.

لكن الانضمام لا يعني الحصول التلقائي على التمويل. فالمنصة تقوم على الشمول المنضبط وفق الأداء والجاهزية المؤسسية. وتشمل متطلبات الانضمام الأساسية وجود ترخيص ساري، ومجلس إدارة قائم، وقوائم مالية مدققة أو خطة تدقيق، والقبول بأطر الحوكمة، والالتزام بتبادل البيانات.

ويمكن أن يكون الانضمام متدرجا: مستوى تشغيلي، ثم مستوى استثماري، ثم شراكة استراتيجية، وفقا لقدرات المؤسسة واحتياجاتها.

والخط الأحمر هنا واضح: لا مصادرة للملكية، ولا إدارة يومية للمؤسسات، ولا تمويل بلا مساءلة.

كيف تتعامل المنصة مع المؤسسات المتعثرة؟

هذه نقطة جوهرية في الرؤية. فليست كل مؤسسة متعثرة مؤسسة فاشلة، كما أن كل مؤسسة مستوفية للحد الأدنى من المتطلبات ليست بالضرورة جاهزة للحصول على موارد جديدة. لذلك ينبغي تصنيف المؤسسات وفقا لوضعها المالي والمؤسسي إلى مؤسسات قابلة للنمو، ومؤسسات تحتاج إلى رسملة وإصلاح، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة هيكلة، وأخرى قد يكون الخروج المنظم هو الخيار الأفضل لها.

وبهذا تصبح المنصة أداة إعادة هيكلة اقتصادية، لا صندوق إنقاذ مفتوحا. فالهدف هو الحفاظ على الوظيفة التنموية للتمويل الأصغر، وليس الإبقاء على كل كيان مهما كانت قدرته على الاستمرار.

المنصة لا تنافس المؤسسات.. بل تقويها:

حتى تنجح الفكرة، يجب أن تكون الحدود واضحة:
-البنك المركزي يضع السياسات وينظم ويراقب.
-المنصة تعبئ الموارد، تستثمر، تمول بالجملة، تبني القدرات، تدير المخاطر الاقتصادية على مستوى منظومة التنمية، وتوفر البيانات وأدوات قياس الأثر.
-مؤسسات التمويل الأصغر تقدم الخدمة مباشرة للعملاء وتدير عملياتها ومحافظها.
-أما أدوات الضمان فتعمل على تخفيف المخاطر الائتمانية وفقا لاختصاصها.

بهذا الفصل يصبح التكامل ممكنا دون خلق مركز إداري جديد يهيمن على القطاع.

خارطة طريق من 24 شهراً:

لا تحتاج الرؤية إلى سنوات طويلة حتى تبدأ:
المرحلة الأولى: التثبيت، من صفر إلى ثلاثة أشهر؛
يتم فيها اعتماد الرؤية، وإعادة توصيف دور الشركة، وتجميد التداخلات الوظيفية الحرجة، وتصنيف المؤسسات، وإطلاق برنامج إنقاذ مؤسسي سريع للحالات الأكثر هشاشة، مع تشكيل آلية تنسيق عليا بين الجهات المعنية.

المرحلة الثانية: البناء، من أربعة إلى اثني عشر شهراً؛
ويتم خلالها تفعيل المنصة، واستيعاب المؤسسات المؤهلة، وإطلاق منصة البيانات الوطنية، وتوحيد الحد الأدنى من الأنظمة والمعايير، وتعبئة التمويل الداخلي والخارجي، وتفعيل أدوات الضمان والشراكات.

المرحلة الثالثة: الاستدامة، من ثلاثة عشر إلى أربعة وعشرين شهراُ،
و تتجه خلالها المنصة إلى إعادة هيكلة المؤسسات غير القابلة للاستمرار، وتعميق الشراكات طويلة الأجل، وتوسيع التمويل الإنتاجي، وتعزيز التحول الرقمي، وترسيخ المنصة كذراع دائم للتنمية والشمول المالي.

كيف يقاس نجاح المنصة؟

نجاح المنصة لا ينبغي أن يقاس بعدد الاتفاقيات أو حجم الأموال التي تمر عبرها فقط. وإنما بمؤشرات مثل:

عدد المؤسسات القادرة على الاستمرار والنمو.
تحسن جودة المحافظ وانخفاض المخاطر.
زيادة الوصول إلى التمويل في المناطق الأقل خدمة.
نمو التمويل الإنتاجي.
زيادة دخل وإنتاجية المستفيدين.
ارتفاع قدرة المؤسسات على جذب التمويل طويل الأجل.
تحسن الحوكمة والشفافية.
حجم التمويل الخارجي الذي استطاع القطاع استقطابه.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للتمويل.
هنا يصبح الأثر هو المعيار النهائي، وليس حجم النشاط وحده.

لماذا هذه الرؤية مهمة الآن؟

السودان يدخل مرحلة تحتاج فيها إعادة الإعمار إلى ما هو أبعد من المشروعات الكبرى. فإعادة بناء الاقتصاد تبدأ أيضا من الأسرة، والمزارع الصغير، والحرفي، والتاجر الصغير، ومقدم الخدمة، والمشروع المحلي. وهؤلاء هم المجال الطبيعي للتمويل الأصغر.

لذلك فإن إعادة بناء قطاع التمويل الأصغر ليست قضية مصرفية ضيقة، وإنما جزء من إعادة بناء الاقتصاد القاعدي نفسه. والشركة السودانية لتنمية التمويل الأصغر تمتلك فرصة لأن يعاد تعريف دورها في هذه المرحلة، لتتحول من كيان يؤدي وظائف محددة إلى منصة وطنية لهندسة التكامل والتنمية:
-منصة لا تدير المؤسسات، وإنما تقويها.
-لا تنافسها، وإنما تمكنها.
-لا تحل محل البنك المركزي، وإنما تساعد على تحويل السياسة إلى أثر.
-ولا تقيس نجاحها بما تموله فقط، وإنما بما تغيره في المؤسسات والأسواق والمجتمعات.

كلمة أخيرة:

إنقاذ التمويل الأصغر في السودان لن يتحقق بإجراء منفرد: لا بزيادة رأس المال وحدها، ولا بضخ موارد جديدة وحدها، ولا بإنشاء مؤسسات إضافية. والمطلوب هو هندسة العلاقة بين رأس المال والموارد والمؤسسات والحوكمة والبيانات والسوق والمستفيد النهائي.

وهنا يكمن جوهر الرؤية: إعادة هندسة الشركة السودانية لتنمية التمويل الأصغر لا تستهدف إعادة بناء الشركة في حد ذاتها، وإنما إعادة بناء الدور الذي تحتاجه صناعة التمويل الأصغر في السودان، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

فإذا نجحنا في بناء منصة وطنية مظلية قادرة على قيادة التكامل، وتعبئة الموارد، وتقوية المؤسسات، وتوسيع الوصول، وربط التمويل بالإنتاج، فإن التمويل الأصغر يمكن أن يتحول من قطاع هش ينتظر التعافي إلى أحد أدوات صناعة التعافي الاقتصادي نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى