رأي

محاولة لبث الروح في الجسد.. مشروع سندس الزراعي بين وصمة البدايات وحاضر الخراب ورهانات الإعمار

 

شريف حسن شريف

في ضهاري النيل الأبيض، على بعد 30 كيلومتراً جنوب الخرطوم بمحلية جبل أولياء، يرقد مشروع كان يراد له أن يمثل رئة الخرطوم الغذائية.. مشروع سندس الزراعي.
110 آلاف فدان موزعة بين ثلاث ولايات “الخرطوم، الجزيرة، النيل الأبيض، مساحتها المروية 106 ألف فدان، تروى عبر شبكة من 6 طلمبات في البياره الرئيسية و6 طلمبات في المناول وقنوات ري بطول 350 كيلومترا…. مشروع لم يكن مجرد أرض، بل منظومة متكاملة كان يراد لها أن تسهم بقدر وافر في سد حاجة أسواق العاصمة بالألبان والدواجن والخضر.
لكن لهذا المشروع قصة قديمة مع ما يمكن أن نسميه “الوصمة الذهنية”.

الوصمة التي كادت تقتل المشروع:

أصل الحكاية أن هناك دوماً كلمات تصدر عن شخصيات لها وزنها تكون الأساس لبناء الصورة الذهنية، سواء في مواجهة شخص أو حدث أو مشروع، خاصة لو كانت الجملة تعليقاً سالباً فتصير كوصمة تلطخ السمعة. ويزيد الطين بلة في شاهدنا اليوم، إذا صاحب ذلك فتور في جسور الثقة بين الإدارة والملاك وأصحاب المصلحة، وشعور متزايد لدى ملاك الأرض بالغبن.
ففي بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت أولى خطوات تأسيس المشروع وكان شعار ثورة الإنقاذ الوليدة “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”. وكانت أولى زيارات قيادات مجلس الثورة للموقع من قبل الشهيد المشير الزبير محمد صالح، الذي في ما يبدو ذهب إلى موقع المشروع وهو يحمل صورة ذهنية سالبة مبنية على معلومات حول طبيعة الأرض من حيث الخصوبة وارتفاعها عن مستوى النيل الأبيض. وكانت أولى جمل الوصمة السالبة حين لخص انطباعاته بقوله المتداول: “يا شيخ الصافي.. الله يقدركم على دفن الحفر دي”.
وأتت ثالثة الأسافي مما أشيع عن زيارة الرئيس الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، الذي ساهم باسم الجماهيرية في تمويل المشروع مقابل حصة من الأرض، حيث أصابته الصدمة بسبب الفوارق بين ما يحمله من صورة ذهنية والواقع حيث الأرض الخلاء التي تغطيها غابات المسكيت الكثيفة، فكانت النتيجة فض الشراكة والمطالبة بالتعويض.

إلا أن كل هذا لم يثنِ الإدارة عن المضي قدماً، فقد مضت الإدارة في ظل هذه الأجواء المليئة بالمطبات بعزيمة وإصرار حتى سرت المياه في عروق المشروع وبدأت الحياة تدب في أوصاله. ومع مرور سنين التجربة واتساع الرقعة الزراعية، بدأت الصورة الذهنية السالبة تتغير شيئاً فشيئاً نحو الإيجابية، وشهد المشروع إقبالاً متزايداً وتوسعاً لافتاً في الاستثمارات بشقيه الزراعي والحيواني وصولاً إلى التصنيع الزراعي عبر المجازر ومصانع الألبان والدواجن، مما وفر فرص عمل لشباب المنطقة والخريجين وغذى أسواق العاصمة.

كل هذا الإرث هو ماطالته الحرب الأخيرة حيث مورس الخراب الممنهج. لم يكن الأمر مجرد توقف، بل تدميراً كاملاً للبنى التحتية.. نهبت الطلمبات وجرفت القنوات وسرقت محولات الكهرباء والكابلات ووحدات التحكم، وتحولت مزارع الدواجن والمجازر والمصانع والحظائر إلى هياكل خاوية. صور الأقمار الصناعية مطلع 2025 أظهرت 106 ألف فدان مروية تحولت إلى أرض بور.

بعد التحرير.. محاولة لبث الروح من جديد:

في خضم هذا المشهد يأتي التحرك الأخير لإدارة مشروع سندس ممثلة في مديرها العام الباشمهندس خالد قرني ورئيس لجنة الإعمار الباشمهندس عوض مدني بلقائهم عضو مجلس السيادة الدكتورة نواره أبو محمد طاهر، ليس كخبر بروتوكولي، بل كمحاولة جادة لبث الروح في جسد المشروع.
الحديث لم يكن عن الأمنيات، بل عن متطلبات فنية دقيقة: تأهيل الطلمبات وتركيب المحولات والكابلات وإعادة إعمار بنيات الري. من جهته أكد عوض مدني وقوف لجنته في خندق واحد مع الإدارة لترميم القنوات وإزالة المسكيت مع حث الملاك على نظافة مزارعهم. وحمل الأستاذ حيدر السائح البعد الآخر وهو أن إعمار سندس لا ينفصل عن تنمية إنسان جبل أولياء نفسه.

المردود الاقتصادي المنتظر:

إن أهمية إعادة تأهيل مشروع سندس لا تقاس فقط بما خرب، بل بما يمكن أن يعود. فالمشروع بحكم موقعه على أبواب العاصمة وباعتباره من المشاريع الاستراتيجية الرابعة من حيث الرقعة بعد مشروع الجزيرة، يمثل صمام أمان غذائي لولاية الخرطوم والولايات المجاورة.

عودته للإنتاج تعني عودة تدفق الخضر الطازجة والألبان والدواجن إلى أسواق الخرطوم مباشرة دون تكلفة ترحيل باهظة من الولايات البعيدة، مما يسهم في استقرار الأسعار وتخفيف الضغط المعيشي. كما تعني عودة آلاف فرص العمل المباشرة في الزراعة والري والتصنيع، وآلاف أخرى غير مباشرة في النقل والتسويق والخدمات لأبناء جبل أولياء والمناطق المحيطة.

والأهم أن جهود الإعمار إذا ما شملت بجانب البنيات التحتية إصلاح العلاقة بين الإدارة والملاك وإزالة ما يعتبرونه مظالم تاريخية وتقوية الثقة، فإن المشروع سيتحول من مشروع متعثر بسبب الوصمة الذهنية إلى نموذج للتنمية المتكاملة التي تبدأ من الأرض وتنتهي بتنمية الإنسان.
إن كانت مقولة “دفن الحفر” قد لاحقت المشروع في بداياته كوصمة، فإن الحفر اليوم حقيقية حفرتها الحرب في القنوات والمحولات. والمهمة الآن ليست دفنها، بل إعادة حفرها من جديد لتجري فيها المياه، لينبت الزرع ويمتلئ الضرع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى