الدين العام طلقة النهاية لأمريكا

بروفيسور أحمد مجذوب أحمد علي
هل تعلم أن الاقتصاد الأمريكي، الذى يعتبر الاقتصاد العالمى الأول حجماً وتأثيراً، يواجه أزمة مالية حقيقة!! يمكن أن تهدد وضعه وتصنيفه العالمي، وهذه الأزمة ذات شقين: تزايد – بل قل انفلات – الدين العام الأمريكي، و العجز المتزايد عن سداد تكلفة الضمان الاجتماعي، الذى تبلغ نفقاته السنوية واحد وستة من عشرة تريليون دولار (1.6).
بلغ الدين العام الأمريكي أربعين (40) ترليون دولار حسب آخر تقرير صدر فى عام 2026، ولك أن تتخيل أن الخزانة الأمريكية لو قررت سداد واحد بليون دولار يوميا، فهى تحتاج إلى 111 (مائة وأحد عشر) سنة للسداد!!!
والاسوأ من ذلك: أن وزارة الخزانة الأمريكية تسدد الديون الحالة بدين جديد، ففى عام 2025 أعلنت الخزانة عن 444 مزاد لبيع الاذونات وسندات الخزانة، أعادت بموجبها تمويل 9.1 تريليون دولار من الأوراق المستحقة، واقترضت من خلالها مبلغ 1.9 تريليون دولار، و هذا يبين لك حجم المشكلة المالية التى تواجهها الحكومة الأمريكية.
والتحدى الثاني المتجدد هو: سداد فوائد الدين التي يتوقع أن تبلغ بنهاية عام 2026 ترليون دولار بواقع 2.7 بليون دولار يوميا!! ويتوقع مكتب الموازنة بالكونغرس أن تتضاعف الفوائد فى عام 2026 !!
مما يؤكد تعاظم الأزمة، أنه ليس من خطط الحكومة الأمريكية سداد أصل الدين، وإنما تفكر وتخطط فى كيفية إدارته بما يضمن سداد الفوائد ويؤكد القدرة على إصدار أدوات دين جديدة،
وحتى هذا الخيار ليس خيارا سهلا، لانه يتوقف على عوامل ترتبط بالمتغيرات الخارجية التى لا تتحكم فيها الحكومة الأمريكية، منها: استمرار ثقة المستثمرين في سندات الخزانة بما يضمن استمراره فى شراء السندات والأذون ، كما أن القدرة على إدارة الدين تتوقف – أيضاً – على احتفاظ الدولار بمكانته فى النظام النقدي والمالي الدولي، مما يحقق له القبول في استيفاء الحقوق وسداد الالتزامات، ويشجع الحكومات والمؤسسات على الاحتفاظ به كمخزن للقيمة. يضاف إلى ذلك توفر عامل داخلي هو استمرار قدرة الاقتصاد الأمريكي على توليد الإيرادات وتحقيق النمو، بما يمكنه من سداد الديون الحالة وسداد الفوائد المستحقة.
وكل هذه العوامل محل شك من الخبراء والاقتصاديين، مستصحبين تطور ونمو الصين كقوة اقتصادية عظمى: ملكت ناصية التقنية وحققت مزايا لا تتوفر في الاقتصاد الأمريكي، والعامل الأكثر تأثيرا هو : ظهور تجمعات وتكتلات اقتصادية جديدة كتجمع البريكس BRICS الذى يمثل ثقلا سكانيا وقوة اقتصادية لها مزايا عديد تتصف بها اقتصاديات دوله، ولا تتحقق فى الاقتصاد الأمريكي. بالإضافة إلى توسع وتزايد تأثير بعض الدول الناشئة مثل تركيا والهند.
ويتفاقم الوضع المالي الأمريكي من تحدي العجز في موازنة الضمان الإجتماعي، التي تتسع الفجوة بين اشتراكات المستفيدين وحجم الإنفاق السنوى لمقابلة هذه المستحقات، التي تسير فجوتها المالية بتزايد ملحوظ، مما يشير للعحز عن الوفاء بمستحقات المستفيدين من خدمات صناديق وسياسات الضمان الاجتماعى.
هذا يبين لك لماذا راجعت الحكومة الأمريكية استراتيجيتها فى عام 2025، حيث اعادت ترتيب أولوياتها وجعلت الأولوية للداخل الأمريكي، فلم يعد بمقدورها الاستمرار فى وظيفة الشرطي الدولي، ولعل موقف أمريكا من حلفائها في الحرب على إيران دليل آخر على استمرار أثر العجز المالي في استجابتها لمتطلبات الدول التابعة لها أو التحالف معها ، ولا زالت معدلات التراجع تتزايد وقد تظهر قوى جديدة تعيد التوازن للعلاقات الدولية.



