رأي

السودان والولايات المتحدة وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس: هل حان وقت كسر الصورة الذهنية وفتح نوافذ جديدة للتواصل؟

 

د. إسماعيل ساتي

يمثل انتخاب عبد الرحمن محمد السيد (Abdulrahman Mohamed El-Sayed) عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذا المجلس، إلى جانب استمرار الحضور السياسي لشخصيات مسلمة أخرى، مثل إلهان عمر ورشيدة طليب وأندريه كارسون، تطوراً يستحق أن نتوقف عنده، ليس فقط من زاوية دلالاته على تنامي المشاركة السياسية للمسلمين الأمريكيين، وإنما أيضاً من زاوية الفرص التي يمكن أن يتيحها للسودان، في بناء جسور تواصل جديدة مع المؤسسات السياسية الأمريكية.
وأعتقد أن السودان، حكومةً وشعباً، بحاجة إلى قراءة هذا التطور من منظور استراتيجي، والتفكير في كيفية الاستفادة منه في معالجة واحدة من أكبر الإشكاليات التي ظلت تواجه علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي الصورة الذهنية السلبية التي تشكلت عنه داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي ودوائر السياسة وصنع القرار، والتي أسهمت في تصويره، بصورة متعمدة أو غير متعمدة، باعتباره بلداً يمثل تهديداً للمصالح والأمن الأمريكيين.

من صنع الصورة الذهنية السلبية عن السودان؟

من المهم، قبل الحديث عن فرص التواصل الجديدة، أن نعيد النظر في الكيفية التي تشكلت بها هذه الصورة الذهنية.
فمن وجهة نظري، لا يمكن تفسير الصورة السلبية التي رُسمت عن السودان باعتبارها مجرد انعكاس لأعمال وممارسات قامت بها حكومة الإنقاذ، كما درجت بعض التحليلات على تصوير الأمر. فهذه قراءة تختزل تاريخاً طويلاً ومعقداً من العلاقات السودانية الأمريكية، وتتجاهل السياسات والمواقف التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه السودان، والتي أسهمت بدورها في صناعة الأزمة وتكريس حالة العداء وانعدام الثقة.

لقد شهدت العلاقات بين البلدين مراحل متعددة من التوتر والتصعيد، استخدمت فيها الولايات المتحدة أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية وأمنية، من العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية إلى الإجراءات العسكرية، كما حدث في قصف مصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم عام 1998.
وفي المقابل، لم تكن الحكومات السودانية المتعاقبة غائبة عن محاولة معالجة هذا التدهور؛ فقد قدمت مبادرات ودعوات متعددة لفتح قنوات الحوار والتواصل المباشر، وطرح الملفات الخلافية على طاولة التفاوض، أملاً في الوصول إلى تفاهمات تتيح إعادة بناء العلاقات على أسس أكثر توازناً.

لكن المشكلة، كما يراها كثير من السودانيين، لم تكن دائماً في غياب الرغبة السودانية في الحوار، بل في وجود ممانعة وإصرار داخل دوائر أمريكية مؤثرة على استمرار التعامل مع السودان من خلال صورة مسبقة، وعدم إتاحة المساحة الكافية لحوار شفاف وجاد يمكن أن يساعد على مراجعة تلك التصورات.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل كانت الصورة السلبية عن السودان مجرد نتيجة لتراكم الخلافات السياسية، أم أن الإبقاء عليها كان يخدم توجهاً أو مصالح لدى بعض دوائر اتخاذ القرار الأمريكي؟
قد يرى كثيرون أن الأمر يتجاوز سوء الفهم أو اختلاف التقديرات السياسية، وأن وراء استمرار هذه الصورة اعتبارات أعمق تتصل بحسابات النفوذ والمصالح الإقليمية والدولية، وبالرغبة في إبقاء السودان في دائرة العزلة والضغط.
وسواء اتفقنا مع هذا التفسير أو اختلفنا حوله، فإن الثابت أن هذه الصورة لم تكن نتاج رواية سودانية وأمريكية مشتركة، بل تشكلت إلى حد كبير في ظل اختلال واضح في القدرة على إيصال الرواية السودانية إلى المجتمع الأمريكي ومؤسساته، وفي ظل محدودية فرص الحوار المباشر والمتكافئ.

مشكلة السودان ليست فقط في المواقف الأمريكية، بل في غياب قنوات قادرة على مخاطبة المجتمع الأمريكي
لقد ظلت الحكومات السودانية تتعامل مع الولايات المتحدة، في كثير من الأحيان، من خلال القنوات الدبلوماسية الرسمية، أو عبر اتصالات سياسية محدودة، دون أن يصاحب ذلك عمل مؤسسي واسع وممتد للتواصل مع المجتمع الأمريكي والكونقرس والجامعات ومراكز البحوث ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
وهذا قصور استراتيجي مهم استفاد منه الخصوم، المحليون منهم والإقليميون؛ لأن السياسة الأمريكية لا تصنعها الإدارة التنفيذية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالكونقرس والرأي العام وأوعية التفكير والجماعات ذات التأثير السياسي والإعلامي والمؤسسات المدنية. وعندما تترك دولة ما هذه المساحات دون حضور فاعل، فإنها تتيح للآخرين فرصة تقديم صورتها وتفسير مواقفها وفق رؤاهم ومصالحهم، دون أن تجد روايتها الوطنية المساحة الكافية للوصول إلى الجمهور المستهدف.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد تحسين العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، وإنما العمل على تصحيح الفهم الأمريكي للسودان، وإعادة تقديمه بوصفه دولة ذات تاريخ وإمكانات ومصالح مشروعة، لا باعتباره مصدراً دائماً للتهديد وعدم الاستقرار.

لماذا يمثل انتخاب الشخصيات المسلمة فرصة مهمة؟

هنا تبرز أهمية انتخاب عبدالرحمن السيد، واستمرار حضور إلهان عمر ورشيدة طليب وغيرهما في الكونقرس الأمريكي.
إن ما يستحق الانتباه في هذه الشخصيات ليس فقط خلفيتها الدينية أو أصولها الثقافية، وإنما أن بعضاً منها عايش بصورة مباشرة تجربة التعرض للتشكيك والتصنيف السلبي بسبب هويته الدينية أو الثقافية. ولعل ما تعرض له عبدالرحمن السيد خلال حملته الانتخابية من محاولات لربط هويته الإسلامية بالتطرف والإرهاب، يقدم مثالاً حديثاً على كيفية استخدام الصور النمطية في تشكيل المواقف السياسية، وكيف يمكن أن تتحول هذه الصور إلى أدوات في المنافسة السياسية والانتخابية.
وهنا يمكن أن نجد مساحة مهمة للتواصل والحوار مع هذه الشخصيات؛ ليس باعتبارها كتلة سياسية متجانسة، ولا بافتراض أنها ستتبنى المواقف السودانية لمجرد اشتراكنا معها في الدين، وإنما باعتبارها شخصيات سياسية تعرف، بدرجات متفاوتة، مخاطر الأحكام المسبقة، وتدرك أهمية إتاحة المجال أمام الأصوات التي لا تجد دائماً فرصاً عادلة لعرض رؤاها ومواقفها.
إن التجربة التي عاشها بعض المسلمين الأمريكيين في مواجهة الصور النمطية قد تتيح مدخلاً لفهم معاناة السودان من صورة ذهنية سلبية ظلت تتشكل وتتكرس في بعض المؤسسات والدوائر الأمريكية.
ولذلك، فإن التواصل معهم يمكن أن يتجاوز حدود التعريف بالأزمة السودانية إلى حوار أوسع حول كيفية صناعة الصور الذهنية وتأثيرها في السياسات العامة، وضرورة إتاحة الفرصة أمام الشعوب والدول لتقديم رواياتها بعيداً عن التصنيفات المسبقة.

كيف يمكن للسودان الاستفادة من هذه الفرصة؟

أرى أن الأمر يحتاج إلى خطة تواصل منظمة، لا تقتصر على اتصالات فردية أو رسائل تهنئة موسمية، وإنما تؤسس لمسار مستمر من الحوار والتفاعل، ويمكن أن تقوم على المحاور الستة التالية:

أولاً: المبادرة بالتواصل مع الشخصيات المسلمة في الكونقرس
ينبغي أن تكون هناك مبادرة رسمية وشعبية لتهنئة عبدالرحمن السيد بفوزه، والتواصل مع إلهان عمر ورشيدة طليب وأندريه كارسون وغيرهم، وطلب لقاءات مباشرة معهم أو مع مكاتبهم.
ويجب أن تتضمن هذه المبادرة رغبة واضحة في فتح حوار شفاف حول السودان، وتقديم وجهة نظره بشأن العلاقات السودانية الأمريكية، وما يحيط بها من تصورات ومفاهيم تحتاج إلى المراجعة.

ثانياً: تقديم سردية سودانية موثقة عن تاريخ العلاقات بين البلدين
من المهم إعداد وثيقة تاريخية وسياسية رصينة، تتناول مسار العلاقات السودانية الأمريكية منذ استقلال السودان، وتعرض السياسات والمواقف التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وردود الفعل السودانية تجاهها، والمبادرات التي قدمتها الحكومات السودانية لفتح قنوات الحوار وتطبيع العلاقات.
وينبغي ألا تكون الوثيقة مجرد سجل للاتهامات المتبادلة، بل عرضاً موثقاً يساعد على فهم جذور الأزمة، ويكشف جوانب الاختلال في العلاقة، ويفتح المجال لمراجعة المواقف والتصورات التي ظلت تحكمها.

ثالثاً: تصحيح المفهوم المتعلق بمصالح الولايات المتحدة وأمنها القومي
ينبغي أن نوضح أن السودان ليس بطبيعته بلداً معادياً للولايات المتحدة، ولا أن مصالحه الوطنية تتناقض بالضرورة مع المصالح الأمريكية.
فالسودان، بحكم موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، وامتداده الأفريقي والعربي، وإمكاناته الزراعية والمائية والمعدنية، يمكن أن يكون شريكاً مهماً في تحقيق الاستقرار الإقليمي، وتأمين الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وتطوير التعاون الاقتصادي.
إن وجود سودان مستقر وموحد، يمتلك مؤسسات دولة فاعلة، يمثل مصلحة للسودانيين ولجيرانهم وللمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة.

رابعاً: الاستفادة من الجاليات السودانية في الولايات المتحدة في السعي لتصحيح الصورة النمطية عن السودان
تمثل الجالية السودانية رصيداً مهماً يمكن توظيفه في بناء جسور التواصل مع المجتمع الأمريكي. فهي تضم أكاديميين وأطباء ومهندسين ورجال أعمال وخبراء في مجالات متعددة، ويمكن أن تؤدي دوراً يتجاوز متابعة الأحداث السودانية إلى المشاركة الفاعلة في الحوار العام الأمريكي.
ويمكن تنظيم لقاءات وندوات في الجامعات ومراكز البحوث، وإقامة فعاليات تعريفية بالسودان، والتواصل مع ممثلي الدوائر الانتخابية، وتقديم معلومات موثقة عن السودان وتاريخه وتحدياته وإمكاناته.

خامساً: إنشاء فريق وطني متخصص للتواصل مع المؤسسات الأمريكية
أقترح تشكيل فريق عمل سوداني يضم خبرات دبلوماسية وسياسية وقانونية وإعلامية وأكاديمية، إلى جانب ممثلين عن الجاليات السودانية في الولايات المتحدة؛ تكون مهمته وضع استراتيجية للتواصل مع الكونقرس الأمريكي ومراكز البحوث والجامعات والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، وإعداد أوراق إحاطة ودراسات ومواد تعريفية، وتنظيم اللقاءات ومتابعة نتائجها.
ومن المهم أن يكون هذا الفريق ذا طبيعة وطنية جامعة، لا يخضع لحسابات حزب أو تيار سياسي بعينه، وأن يعمل بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية السودانية، دون أن يفقد استقلاليته المهنية وقدرته على بناء علاقات واسعة.

سادساً: الانتقال من تصحيح الصورة إلى بناء المصالح المشتركة..

لا ينبغي أن يكون هدفنا النهائي مجرد إقناع الأمريكيين بأنهم أساءوا فهم السودان، وإنما بناء علاقة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والتعاون.
وهذا يتطلب تقديم مبادرات عملية في مجالات أمن البحر الأحمر، والتعاون الزراعي والاستثماري، والتعليم والبحث العلمي، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، إلى جانب الحوار حول القضايا السياسية والإنسانية.
كما ينبغي أن يكون التواصل مستمراً، وأن يقاس نجاحه بما يحققه من تغيير في مستوى المعرفة بالسودان، واتساع دوائر الحوار حوله، وظهور مواقف ومبادرات عملية، وليس بعدد اللقاءات أو التصريحات الإعلامية.

من الصورة الذهنية إلى العلاقة القائمة على الفهم المتبادل:

إن انتخاب عبدالرحمن السيد، واستمرار الحضور السياسي للمسلمين الأمريكيين، يتيح فرصة تستحق أن يستفيد منها السودان في إعادة النظر في علاقته بالمجتمع الأمريكي ومؤسساته السياسية.
لكن هذه الفرصة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد رهان على شخصيات بعينها، أو افتراض أن الخلفية الدينية المشتركة كافية لبناء مواقف سياسية متطابقة. إنها فرصة لفتح أبواب حوار كانت مغلقة أو محدودة، والوصول إلى شخصيات يمكن أن تساعد في توسيع دائرة الاستماع إلى السودان، والتعرف على حقيقة مواقفه ومصالحه.
إن ما يحتاجه السودان اليوم هو الانتقال من دبلوماسية ردود الأفعال إلى دبلوماسية المبادرة، ومن الاكتفاء بالاحتجاج على الصور السلبية إلى العمل المنظم على تفكيكها، ومن مخاطبة الحكومات وحدها إلى التواصل مع المجتمعات والمؤسسات التي تسهم في تشكيل الرأي العام وصناعة القرار.
وقد يكون من المفيد أن نبدأ هذا المسار بحوار صريح مع الشخصيات المسلمة في الكونقرس حول تجربتها في مواجهة التصورات النمطية، وما يمكن أن نتعلمه منها في معالجة الصورة الذهنية التي تشكلت عن السودان.
فالسودان لا يحتاج إلى أن يطلب من الآخرين تبني مواقفه دون نقاش، وإنما يحتاج إلى أن تتاح له الفرصة لعرض قضيته، وأن يجد من يستمع إليه ويحاوره بعيداً عن الأحكام المسبقة.
إننا بحاجة إلى كسر الحواجز التي صنعتها الصور الذهنية، وفتح النوافذ التي أغلقتها سنوات من انعدام الثقة؛ فربما يكون الطريق إلى تغيير المواقف الأمريكية قد بدأ، قبل كل شيء، بمحاولة تغيير الطريقة التي ترى بها أمريكا السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى