موجهات موازنة 2027 على طاولة مجلس الوزراء… ما الجديد؟

المحقق – نازك شمام
قبل دخول مواعيد تنفيذها بشهرين، عرضت وزارة المالية موجهات موازنة العام 2027 على اللجان الفنية للقطاعات الاقتصادية بمجلس الوزراء، الأربعاء الماضي، وهو موعد يبدو متأخراً عما كان عليه قبل الحرب؛ حيث كانت وزارة المالية تبدأ بطرح الموجهات منذ شهر سبتمبر من كل عام، ولكن لأن موازنات الدولة المالية بعد الحرب أصابها ما أصاب رُبكة المؤسسات واختلال التوازن في كافة مفاصل العمل، باتت مناقشات الموازنة وجدول إجازتها يتأخر عن مواعيد كانت مقدسة سابقاً.
حملت موجهات موازنة العام 2027، في مرتكزاتها، التأكيد على ولاية وزارة المالية على المال العام، والاعتماد على الموارد الذاتية، وتعميق الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتحقيق الحوكمة والشفافية لإعادة تأهيل البنيات التحتية وخفض العجز الكلي.
وأوضح وكيل وزارة المالية، د. محمد علي جمعة، في اجتماعه مع اللجان الفنية بمجلس الوزراء، أن هذه الموازنة – وهي الرابعة التي تُعد في ظل الظروف الاستثنائية الناجمة عن استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أعوام – تتزامن مع عودة المؤسسات والهيئات والشركات الحكومية لمباشرة أعمالها من العاصمة الخرطوم.
يشير المحلل الاقتصادي، د. محمد الناير، إلى أن الدولة لم تعد تُـملك وسائل الإعلام موازنة عامة واضحة أو تقارير أداء ربع سنوية ونصف سنوية منذ أعوام 2019-2020، مما جعل الإعلام يفتقر للنسخ التفصيلية.
وشدد الناير في حديثه لـ”المحقق” على ضرورة أن تُعلن موازنة العام 2027 وتُملّك لوسائل الإعلام لتتمكن الكوادر الاقتصادية والصحف من تحليلها وتقديم قراءات نافعة للمواطن والدولة، خصوصاً بعد انحصار الحرب في أماكن محدودة.
وعن موجهات موازنة العام المقبل، أكد أن تطبيق ولاية وزارة المالية على المال العام وإلزام كافة المؤسسات بها يظلان تحدياً قائماً عبر العقود الماضية، مع أهمية تجاوز الاعتماد على الموارد الذاتية وحدها وتنمية الموارد الطبيعية الضخمة غير المستغلة.
وأشار إلى أن قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص أُجيز قبل نحو عشر سنوات دون خطوات عملية واسعة لتطبيقه، مؤكداً على ضرورة تفعيل دور القطاع الخاص السوداني والمستثمرين الأجانب لتمويل مشروعات البنية التحتية.
وأكد الناير على محورية قضايا الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد في إدارة الشأن العام للدولة وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة.
وشدد على أهمية أن تتضمن الموجهات معالجة قضايا المواطنين، وضبط وتنظيم الأسواق، وخفض الأسعار ومعدلات التضخم، واستقرار سعر صرف العملة الوطنية.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي أن معالجة أزمة الموازنة السودانية تبدأ بتوليد الفوائض الحقيقية وضبط الإنفاق التشغيلي.
وقال إن جذور الأزمة الاقتصادية في السودان لا تكمن في “حجم الموازنة” بحد ذاته، بل في مدى قدرة الاقتصاد الحقيقي المنتج والمنظم على توليد الفوائض اللازمة لتمويل هذا التوسع دون الانزلاق مجدداً في دوامة التضخم والهشاشة النقدية، أو الاعتماد على أدوات تمويل غير مستدامة.
وأوضح فتحي في حديثه مع “المحقق” أن مواجهة التحديات الهيكلية تستوجب الانتقال بالإصلاح المالي من مجرد إدارة الأزمات قصيرة الأجل إلى بناء مساحة مالية مستدامة، قادرة على تمويل التنمية وتحقيق المرونة في مواجهة الصدمات العالمية والإقليمية.
ودعا إلى ضرورة إعادة هيكلة الدعم بشتى صوره، إلى جانب ضبط بند الرواتب، ومعالجة ملف التوظيف الجديد، ومراجعة المخصصات الإدارية.
وأشار إلى أن النجاح في خفض 5% فقط من الإنفاق التشغيلي من شأنه توفير ما بين 150 إلى 200 مليون دولار سنوياً.
وطالب فتحي بتأجيل المشاريع غير الضرورية والكماليات لحين تحسن الموارد، مع التركيز الحصري على مشاريع البنية التحتية العاجلة ذات الأثر الإنتاجي المباشر، مع ضرورة الانتباه إلى أن مكافحة الهدر والفساد في العقود والمشتريات الحكومية يمكن أن توفر وحدها نحو 10% من تكلفة المشاريع الكلية.
واقترح إصدار سندات محلية طويلة الأجل ذات أرباح حقيقية موجبة، بهدف امتصاص فائض السيولة والسيطرة على التضخم بدلاً من اللجوء إلى طباعة النقود، منوهاً إلى أن نجاح هذه الخطوة يظل رهناً باستعادة وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي السوداني.
وشدد فتحي على ضرورة وضع المواطن في صدارة الأولويات الوطنية، مؤكداً على أهمية تحقيق الدولة لتوازن دقيق بين دفع معدلات النمو الاقتصادي وتعزيز مظلة الحماية الاجتماعية.



