تحقيقات

“المحقق” يضع انحسار النيل على طاولة المختصين.. ووزارة الزراعة والري تجيب: هل الموسم الشتوي في خطر؟

المحقق: نشوة أحمد الطيب 

تصاعدت أصوات المزارعين خلال الفترة الماضية، وكثرت مقاطع الفيديو والصور التي تتحدث عن انحسار نهر النيل، ومعها المناشدات لتدارك المخاطر على الموسم الزراعي الشتوي. ولم يعد المشهد بعيداً عن العاصمة، فمن يعبر بين الخرطوم وبحري هذه الأيام يرى جزراً بدأت تظهر في مجرى النيل الأزرق.

ويأتي هذا الانحسار في مطلع الموسم الشتوي، في وقت تقول فيه وزارة الزراعة والري إنها تلقّت بلاغات من مناطق زراعية تفيد بانخفاض المياه دون مستويات السحب. لكن بعض المزارعين يرون أن أصل الأزمة ليس في النهر.

حمل “المحقق” الإخباري مخاوف المزارعين ووضعها مادة تحقيق على طاولة الجهات المختصة، لتحدثنا عن الأسباب والمخاطر والحلول.

مزارعون يحمّلون الدولة المسؤولية والوزارة تقرّ: المياه دون مستوى الطلمبات

في الباقير.. حفرٌ في الطين كل يومين

في قرية الباقير بمحلية أبو حمد في ولاية نهر النيل، جنوب الشريك، يقول المواطنون إن انحسار النيل صار يهدد حياتهم تهديداً حقيقياً. فكل يومين يضطرون إلى النزول إلى المجرى وحفره وسط الطين والوحل، حتى تبلغ المياه الطلمبات وتصل إلى الزرع. ويزيد من معاناتهم انقطاع التيار الكهربائي المستمر.

مزارع من العبيدية: النيل بخير والخلل في الإدارة

على بُعد مسافة من الباقير، في منطقة العبيدية بالولاية نفسها، يرى المزارع محمد إبراهيم الأمر من زاوية أخرى. يقول لـ “المحقق” إن تراجع مناسيب النيل ظاهرة موسمية اعتادتها المنطقة منذ سنوات طويلة، تتعاقب فيها مواسم رطبة وأخرى جافة. ويضيف أنها لم تكن يوماً خطراً يفرض تأجيل الزراعة أو تقليص المساحات في المشاريع المجهزة بتقنيات الري.

ويحصر إبراهيم الضرر المباشر للانحسار في ري الجروف والأراضي الفيضية. أما طلمبات المشاريع، فيقول إنها لا تتوقف، لأنها تعمل بنقل ميكانيكي وتُثبَّت على صنادل تبقيها داخل المجرى مهما انخفض الماء.

ويرى أن العطش الذي تعانيه بعض المشاريع اليوم لا سببه نقص مياه النيل. فالمجرى ممتلئ والطلمبات غاطسة في الماء، والمشكلة في رأيه إخفاقات إدارية من جانب الجهات الحكومية. ويستشهد بمشروعي الباوقة والقدس الزراعي، حيث تعطشت المساحات المزروعة كلها، ومنها حيازات تبلغ 25 فداناً، لأن الجهات المسؤولة لم تشغّل الطلمبات ولم تضخ المياه في الترع.

ويختصر المزارع محمد إبراهيم القضية بقوله إنها “انحسار دور الدولة”، وغياب التزامها بدعم المشاريع القائمة، وليست تراجعاً في منسوب النهر. ولإنقاذ الموسم يطالب بأمرين: توفير وقود الجازولين، وإدارة كفؤة للمشاريع تضمن وصول المياه إلى المزارعين. ويؤكد أن المزارعين يملكون من الخبرة والحلول ما يكفي لإنتاج القمح والطماطم والمحاصيل الزيتية، إذا وجدوا الدعم والالتزام من الحكومة.

وزارة الزراعة والري لـ “المحقق: (ما يحدث تراجع موسمي في مناسيب النيل، محدود في /مواقعه وغير دائم)

النهر في ميزان الأمن الغذائي..

نقلنا هذه المخاوف إلى مدير الأمن الغذائي بالإدارة العامة للتخطيط والاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة والري، المهندس عمار حسن بشير. ويرى بشير أن الجزر التي ظهرت في النيل الأزرق أحد المؤشرات الواضحة على الانحسار، لكنه يبدأ حديثه بوضع المسألة في إطارها الأوسع.

فالمياه بحسب قوله، ركن أساسي في الاستدامة والتكيف، وهما من القضايا المكوّنة للأمن الغذائي. وأي خطر يصيب المياه، سواء في كميتها أو نوعيتها، مؤشر على مدى الاستدامة. ويرى أن انحسار النيل يرتبط بعوامل تشهدها المنطقة عموماً، في ظل الوضع المائي في المنطقة العربية وتدني نصيب الفرد من المياه فيها مقارنة بمناطق أخرى. ويذكّر بأن النيل، أطول أنهار العالم، ليس مجرد مصدر للري، بل هو أساس الحياة في البلاد ومهد الحضارات السودانية القديمة التي قامت على ضفافه.

حين يهبط الماء عن مستوى الطلمبة

ويقرّ بشير بأن الانحسار ظاهرة قائمة أثّرت في عمليات الري، وأن أكثر المتضررين منه المشاريع التي تسحب المياه من النيل بالطلمبات. ففي بعض هذه المشاريع، كما يقول، هبط مستوى الماء دون مستوى السحب، فصار لا بد من رفع المياه إلى المستوى المناسب، وهذا يحتاج إلى طاقة إضافية. ويشير إلى أن فرقاً من الوزارة زارت عدداً من هذه المشاريع ورأت ذلك على الأرض.

ويقول إن مشاريع الطلمبات تواجه مشكلتين معاً: الأولى في الوقود، والثانية في الري نفسه، لأن الماء صار أدنى من مستوى السحب، فيحتاج رفعه إلى جهد وطاقة أكبر. ويعدّ هذه المشاريع كلها متأثرة بالانحسار. ويرى أن أشد المناطق تضرراً هي تلك التي يعتمد أهلها على هذه المشاريع في غذائهم وزراعتهم وكسب عيشهم. ولا يقف الأثر عند هذا الحد، فالري الفيضي قد يتأثر هو الآخر. ويقول إن حجم الضرر في الموسم الشتوي يختلف باختلاف المحصول المزروع، وبحسب ما إذا كانت الأرض فيضية أو تُروى بالطلمبات.

القمح أول المتأثرين

ويضع بشير القمح في مقدمة المحاصيل الشتوية المعرضة للتأثر، لا سيما إذا اتسع الانحسار وطال أمده خلال مرحلة تأسيس المحصول. ويوضح أن القمح شديد الارتباط بالمناخ، ولذلك تتركز زراعته في المناطق الباردة شمال الخرطوم، في ولايتي نهر النيل والشمالية، وهي المناطق التي يجري فيها النهر شمالاً باسم نهر النيل. وقد يكون الانخفاض محدوداً فيكون أثره على الري محدوداً كذلك.

مزارعو نهر النيل يحمّلون الدولة المسؤولية، والوزارة تقول: انحسار لا جفاف

المساحات والمواعيد

وإذا استمر الانحسار، فإن المساحات المزروعة المخططة قد تتقلص، لأن حاجة كل محصول إلى الماء محسوبة سلفاً، والانحسار يقلل الكميات المتاحة. ويحذّر بشير أيضاً من تأخر مواعيد الزراعة أو فواتها، ويقول إن لكل محصول موعداً محدداً تسبقه عمليات الإعداد والتجهيز، وأي تأخير ينعكس على الموسم كله. والاستثناء الوحيد في رأيه هو الأصناف المتأخرة النمو، التي قد تتلاءم مع هذه الظروف. ويذكّر بأن الماء لازم للنبات في كل مراحله، من الإنبات والنمو الخضري إلى الإزهار والإثمار.

انحسار وليس جفافاً

لكن بشير يرفض وصف ما يحدث بالجفاف. يقول إن الظاهرة لم تبلغ هذه الدرجة، ولو بلغتها لكان لها توصيف آخر. ويوضح أن الانحسار يقع في مواضع محدودة ومعينة من النيل، ولا يؤدي إلى انقطاع مياه الري. ويصفه بأنه متحرك وغير دائم، ولا يمتد على مساحات واسعة لفترات طويلة، بل سرعان ما ينجلي.

ويرى أن أثره الفعلي يظهر في قدرة عمليات السحب وسرعتها داخل مشاريع الطلمبات، لا في حجم الإنتاج الكلي. فالري يتم بوسائل مختلفة، وهناك تقنيات مثل الري بالتنقيط والري المحوري تقلل فقد المياه في حالات الانخفاض الكبير. ولهذا لا يتوقع أثراً كبيراً على توافر المحاصيل الغذائية في السودان. ويقول إن التوافر من أهم ركائز الأمن الغذائي، وإن عوامل كثيرة تتحكم فيه غير الري.

ويعدّد بشير المحاصيل الغذائية الاستراتيجية الرئيسية في السودان: القمح والذرة الرفيعة والذرة الشامية والأرز والدخن. ويضيف أن الدخن بعيد عن الأمر كله، لأنه من محاصيل المناطق الجافة في غرب البلاد، ولا يعتمد على النيل.

 

أهالٍ يحفرون الطين ليصل الماء إلى زرعهم 

فجوة القمح.. وسؤال الاستيراد

وعن مخاوف تأثر القمح وانعكاس ذلك على الفجوة الغذائية، يقول بشير إن الفجوة في القمح قائمة أصلاً وثابتة، فالاستهلاك مرتفع جداً والإنتاج دون الاكتفاء الذاتي. ويضيف: (لم نحقق الاكتفاء الذاتي من القمح إلا عام 1992)، حين غطّى الإنتاج المحلي الحاجة. ومنذ ذلك الحين يستورد السودان كميات كبيرة ترهق الخزينة العامة.

ويعرف بشير أن كثيرين يستنكرون أن يستورد بلد منتج غذاءه من الخارج. ويرد على ذلك بقوله: (الاستيراد ليس عيباً ولا منقصة (. ويوضح أنه إحدى آليات إدارة الغذاء في الدولة، إلى جانب المخزون الاستراتيجي والمعونات الغذائية، وأن على المسؤول أن يلجأ إليها عند ندرة الغذاء ونقصه. ويستدرك بأن الاستيراد لا يجوز أن يكون مفتوحاً بلا ضوابط، لأنه يستنزف العملات الصعبة في بلد يعيش وضعاً اقتصادياً صعباً.

ويضرب مثلاً بقرار رفع حظر الاستيراد مؤخراً، الذي جاء لمعالجة الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية كالقمح والبقوليات، ومنها الفول والعدس. ويرى أن هذا القرار يوضح الفرق بين سياسة إنتاج الغذاء وسياسة إدارته. فالإنتاج مسؤولية وزارة الزراعة والثروة الحيوانية مباشرة، أما الإدارة فتتعامل مع عوامل كثيرة خارج قطاع الإنتاج.

ولهذا يقول بشير إنه لا توجد مخاوف من أثر انحسار النيل على إنتاج القمح، لأن أزمة القمح سابقة على الانحسار. ويصف القمح بأنه محصول غذائي واستراتيجي وسياسي بالغ الأهمية، تعمل الدولة على تقليص عجزه بزيادة المساحات المزروعة، وبالاستيراد، وبالمخزون الاستراتيجي. ويرى أن هذه الأدوات لا علاقة كبيرة لها بانحسار محدود ومؤقت سرعان ما تزول آثاره.

من الحقل إلى مائدة الأسرة

وحين سألناه عن أثر تراجع الإنتاج على الأسعار، فضّل أن يتحدث عن (المستهلكين) بدلاً من (المواطنين). وقال إن تراجع الإنتاج الغذائي المحلي يجعل الطلب أكبر من المعروض، فترتفع الأسعار، ووصف ذلك بأنه أقرب إلى الحقيقة الثابتة في الاقتصاد. ولا يمنع ذلك، في رأيه، إلا تدخل الدولة بمخزونها الاستراتيجي.

ويشرح بشير دور هذا المخزون بأنه يخدم الطرفين: فالدولة تشتري به فائض الإنتاج فتساعد المنتجين، ثم تضخ السلع في الأسواق لتعالج اختلال الأسعار فتساعد المستهلكين. ومن دونه ترتفع الأسعار ويثقل العبء على الناس.

ويتحدث عما يسميه (سياسات التحمّل)، وهي سياسات الدعم التي تموّلها الدولة لحماية المستهلكين من صدمات الأسعار. ومنها شبكات أمان غذائي على مستوى البلاد تستهدف الفئات الضعيفة والعاجزة عن تحمّل الغلاء. ويرى أن الدولة إذا لم تأخذ بهذه السياسات، فإن المواطن لن يعاني من زيادة الأعباء فحسب، بل لن يستطيع الوصول إلى الغذاء أصلاً. ويقول إن آثار ذلك ظاهرة اليوم: كثير من الناس غيّروا أنماطهم الغذائية، وقلّت الكميات التي يشترونها، وتحول بعضهم إلى أغذية أرخص. ويلجأ الأفراد والأسر إلى حلول خاصة بهم، لكنه يرى أن الدولة هي التي يجب أن تملك الأدوات الكبرى، وأن يكون المخزون الاستراتيجي (حاضراً في هذه المعركة).

ويعترف بأن الأمر ليس بالسهولة التي يبدو بها، ويقول إن إدارة الاقتصاد وإدارة الغذاء ليستا سهلتين، لأن هذه المسائل مترابطة ويؤثر بعضها في بعض. ثم يلخص رأيه: تراجع الإنتاج يرفع الأسعار ما لم يكن لدى الدولة مخزون استراتيجي، والأسعار المرتفعة تثقل كاهل المستهلكين ما لم تكن هناك سياسات دعم اجتماعي وغذائي.

مزارع من العبيدية: النيل بخير والخلل في الإدارة 

ليس بيد وزارة واحدة!

وحين سألناه عما إذا كانت إدارته قد وضعت سيناريوهات لاستمرار انخفاض المناسيب، صحّح بشير منطلق السؤال. قال: الأمن الغذائي ليس بيد إدارة واحدة ولا وزارة واحدة ولا قطاع واحد. وأوضح أنه قضية متعددة الجوانب تشترك فيها مؤسسات الدولة كلها، وأن مسائله تُحل بعمل جماعي. ودعا إلى التخلي عن الفكرة القديمة التي تحمّل وزارة الزراعة أو الثروة الحيوانية أو غيرهما وحدها مسؤولية الحل.

لكنه يرى أن لكل جهة دورها داخل هذه المسؤولية المشتركة. فانخفاض المناسيب شأن يخص الري والزراعة معاً، لأنهما يقعان في صميم توافر الغذاء، وهو أحد المحاور الأربعة للأمن الغذائي. ومن المعالجات المنتظرة في رأيه رفع طاقة الضخ لتلائم مستويات السحب الجديدة، إلى جانب حلول سريعة ومرنة تواكب ظاهرة متغيرة بطبيعتها، ومراجعات متخصصة مستمرة في مجال الري. ويذكّر بأن الأمن الغذائي أوسع من القطاع الزراعي نفسه، ولا يمكن اختزاله في ظاهرة محدودة كانخفاض المناسيب.

النيل ممتلئ والمشاريع عطشى.. مزارع لـ “المحقق“: الأزمة في انحسار الدولة

الشمس بدلاً من الجازولين

يطالب المزارع محمد إبراهيم بتوفير الجازولين، أما بشير فيرى الحل في الطاقة الشمسية. ويبدأ بتوضيح أن الزراعة والري أصبحتا وزارة واحدة بقرار مجلس الوزراء الأخير، وأن الوزارة، بوصفها الجهة المختصة، مطالبة بالمبادرة وقيادة المعالجة. ويقول إن الوزارة جهة واحدة من جهات كثيرة مسؤولة عن الأمن الغذائي، وإن مسؤوليتها المباشرة هي إنتاج الغذاء، وتشارك غيرها في إدارته.

ويذكّر بأننا في مطلع نوفمبر، أي في بداية الموسم الشتوي، ويرى أن الحل الرئيسي في المرحلة القصيرة المقبلة هو تنفيذ توجيه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتعميم الطاقة الشمسية على المشروعات الزراعية. ويريد أن يتم ذلك بسرعة، وبعيداً عن البيروقراطية، وبمتابعة ميدانية، بحيث تُمنح المشاريع الحكومية والخاصة وسائل إنتاج الطاقة النظيفة بالصيغ المناسبة. ويقول إن الطاقة الشمسية لا تتأثر بالانحسار، وتحل مشكلة انقطاع الكهرباء، وتتيح رفع المياه إلى مستوى أجهزة السحب لتصل إلى المحاصيل وهي في مراحل تأسيسها الأولى.

ولا يرى بشير في الانحسار سبباً لتغيير سياسات إنتاج الغذاء من جذورها، لأنه حالة مؤقتة ستزول بزوال أسبابها. لكنه يطرح سؤالاً أبعد من ذلك: هل لا تزال المشاريع المروية بالطلمبات مجدية في ظل ما يعانيه السودان من أزمات في توليد الكهرباء وتوزيعها، وشح في الجازولين وأنواع الوقود الأخرى؟ ويدعو إلى نظرة حديثة إلى منظومة الري، خاصة في المشاريع التي ما زالت تعتمد على الطلمبات في الولاية الشمالية والنيل الأبيض، حتى لا تتكرر الصعوبات الحالية. ويختم هذه النقطة بقوله: الزراعة لا تحتمل أي تأخير ولا تعقيد ولا مماطلة، لأن لكل محصول مواقيته وحاجته المناخية.

الأرقام في تقارير الوزارة

وعن البيانات، يؤكد بشير أن لدى الوزارة أرقاماً حديثة عن المساحات المتأثرة والإنتاج المتوقع. ويقول إنها ترد في تقرير سنوي تصدره إدارة الأمن الغذائي، يتناول الإنتاج والسياسات والمخزون والصادر والوارد والفقر وتوقعات الموسم الجديد، ويقارن الإنتاج الحالي بالسنوات الخمس الماضية.

 

إذا استمر التراجع

ويعدّ بشير استمرار تراجع المناسيب احتمالاً افتراضياً، ويقول إن مواجهته تتطلب سياستين. الأولى بعيدة المدى، تبحث في الأسباب الحقيقية للتراجع، من خلال إدارة مياه النيل المشتركة الممتدة من إثيوبيا إلى السودان فمصر، ومراجعة الاتفاقيات الخاصة بها. ويقول إن هذا عمل جهات مختصة في الدولة، وقد تشارك فيه وزارة الزراعة. والثانية عاجلة، تقوم على إنقاذ المشاريع الزراعية في العروة الشتوية وتوفير مياه الري التي تحتاجها المحاصيل.

ويتمنى بشير ألا يتحقق هذا الاحتمال، وأن يبقى الانحسار محدوداً وجزئياً ومؤقتاً. لكنه يقرّ بأن الوزارة تلقت بلاغات من مناطق زراعية تفيد بانخفاض المياه دون مستويات السحب، ويصف ذلك بأنه مشكلة حقيقية. ومن خلال (المحقق) يدعو إلى الإسراع بوضع معالجات عاجلة لها.

الراصد الجوي المنذر أحمد الحاج لـ “المحقق”: لا قلق من تكرار (النينو).. وخريف 2027 يعوّض هذا الموسم

السماء تعد بخريف أفضل

وبعيداً عن مجرى النهر، يرى الراصد الجوي المنذر أحمد الحاج أن الجفاف وندرة الأمطار في هذا الموسم مرتبطان بظاهرة (النينو). ويقول لـ “المحقق” إن أثر الظاهرة في السودان يظهر، بحكم موقعه الجغرافي، خلال موسم الأمطار الصيفي من يونيو إلى سبتمبر، فتتراجع الأمطار وترتفع درجات الحرارة ارتفاعاً كبيراً.

ويشرح أن “النينو” تغيّر حركة الرياح في العالم، فتُضعف “الفاصل المداري” الذي يدفع الرطوبة والأمطار نحو شمال السودان ووسطه. والنتيجة أمطار ضعيفة في مناطق واسعة، خاصة مناطق الزراعة المطرية في القضارف والنيل الأزرق وكردفان وسنار، بينما قد تشهد مناطق أخرى أمطاراً أعلى من المعدل.

لكنه يطمئن إلى أن الظاهرة لا يُتوقع أن تتكرر في الموسم المقبل. ويتوقع أن يدخل السودان في عام 2027 مرحلة «الحياد» بين “النينو” و”اللانينا”، ويراها أفضل ما يمكن أن يأتي معه الخريف. ويصف الوضع بأنه مبشّر ومطمئن، ويأمل أن يعوّض الخريف المقبل ما فات في هذا الموسم.

مسؤول بوزارة الزراعة والري لـ “المحقق“: الطاقة الشمسية الحل الأسرع لإنقاذ العروة الشتوية

ما بعد الانحسار

ويختم بشير بقراءته للوضع: ما يحدث تراجع موسمي في مناسيب النيل، محدود في مواقعه وغير دائم، ولا يفرض على الزراعة والأمن الغذائي تحديات استثنائية. لكنه يرى أن لكل منهما تحدياته الاستثنائية الخاصة به، وهي سابقة على الانحسار ومنفصلة عنه.

فالزراعة عنده (قلب توافر الغذاء النابض) وحجر الزاوية فيه، ولا توافر للغذاء من دون زراعة قوية وعلمية وواسعة تلبي حاجة السوق المحلية. لكن الأمن الغذائي أوسع من الزراعة، فهو يشمل الجودة والسلامة، والاستدامة والتكيف، والقدرة على تحمّل تكاليف الغذاء. ويضيف أن السودان يواجه اليوم تحديات في أمنه الاقتصادي أيضاً، ويصف بعض هذه التحديات بأنها هيكلية وتحتاج إلى معالجة من نوع آخر.

ويدعو العاملين في الشأن الزراعي إلى تطوير القطاع بسرعة، وتحديث آلياته ومشروعاته وأنظمة الري فيه، وإعداد بدائل جاهزة لأي احتمال. ويقول إن بلداً يملك ما يملكه السودان من موارد طبيعية هائلة مسؤول عن إدارتها إدارة سليمة، تلبي حاجة الجيل الحاضر وتحفظ حق الأجيال المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى